الرئيس الأميركي دونالد ترامب يُسقط ورقة التوت الأخيرة: الحرب ليست وسيلة مشروعة قد نلجأ إليها، بل عنوان المرحلة، وشهادة على أن الولايات المتحدة تُريد أن تُقرأ كما هي، بلا تجميل ولا مواربة، أو مجاملات دبلوماسية. إنها أميركا التي ترى أن السلام لا يُبنى بالكلمات، بل بمدافعها، بأساطيلها، وبإرادتها الصارمة.
على هذا الأساس، لم يكن إعلان ترامب عن عزمه إعادة تسمية وزارة الدفاع الأميركية إلى “وزارة الحرب” مجرد تعديل في لافتة مبنى البنتاغون، بل كان إعلاناً عن ولادة رؤية جديدة، صاخبة، بلا ستار، يحمل في طياته إعادة تعريف أميركا لنفسها وللعالم.
تخيلوا الموظفين وهم يدخلون مكاتبهم صباح الجمعة ليجدوا أنفسهم فجأة يعملون في “وزارة الحرب”. الكلمة ليست بريئة: ثقيلة، حادة ومشحونة بالتهديد. وتوقيتها غير عشوائي: تصريح بأن القوة ما عادت خفية أو محمية بغطاء الدفاع، بل هي لغة الدولة الأولى، وأن الحرب تخلّت عن كونها أداة طارئة، وصارت شعار الدولة ومعيار هيبتها.
القرار ليس نزوة لغوية. ترامب يعرف أن الأسماء تصنع الانطباعات، وأن كلمة واحدة يمكن أن تعيد تشكيل وعي الأمة إلى رؤية قومية جامحة، ترى في كلمة “الدفاع” ضعفاً أو تردداً لا يليق بصورة أميركا التي يريدها.
داخلياً، هو خطاب للفخر الوطني، ولقاعدته الجماهيرية التي ترى في القوة العسكرية رمزاً للهوية الأميركية؛ خارجياً، رسالة ردع واضحة للصين وروسيا وغيرهما، مفادها أن الولايات المتحدة لن تختبئ خلف المصطلحات اللطيفة والكلمات الدبلوماسية الناعمة، وأن “السلام من خلال القوة” هو المبدأ الأميركي الأعلى.
تاريخياً، ومنذ تأسيس الوزارة، مروراً بالدمج الكبير بعد الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى قانون الأمن القومي عام 1947، الذي صنع وزارة الدفاع الحالية، ظلّت القوة العسكرية أداة أميركية أولى: من فيتنام إلى العراق، ومن أفغانستان إلى التدخل في أميركا اللاتينية. لم تتردد واشنطن يوماً في تبرير استخدام القوة تحت شعارات متغيرة: “الدفاع”، “الحرية”، “الحرب على الإرهاب”. اليوم، يعود ترامب ليكشف الوجه الحقيقي: الحرب ليست وسيلة أخيرة، بل هي الوجه الرسمي للسياسة.
المحللون يشيرون إلى أن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام صراعات جديدة. الديمقراطيون يرون فيها “لعبة سياسية باهظة الكلفة”، بينما يؤكد البيت الأبيض أن الهدف هو فرض احترام أميركا على العالم، واستعادة مكانتها كقوة عظمى لا تتردد في استخدام قوتها الصلبة.
تكاليف تغيير الاسم وحدها ليست بسيطة: يقدّر بعض المسؤولين أنها قد تتجاوز مليار دولار، لتغطية اللوحات الجديدة، المستندات، وتغيير الهيكل الإداري. لكن ترامب يرى في ذلك استثماراً في صورة أميركا الجديدة، في القوة التي لا تُخفى، في صراحة تسمية الأشياء بأسمائها، وفي رسالة أن الدولة لن تهرب من الحرب إذا اقتضت مصالحها.
في النهاية، السؤال ليس عن ترامب وحده، بل عن الولايات المتحدة التي يريد أن يتركها للعالم: القوة العظيمة التي تُسمّي الحرب حرباً، والتي ترى أن السلام لا يُبنى على الكلمات، بل على صرخات المدافع وجلال الأساطيل، أميركا التي تريد أن تُعيد قراءة التاريخ، لا كما هو، بل كما يجب أن يكون: تاريخ قوة مفتوحة، بلا خجل، ولا ستار.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم