أهمية الصورة الفوتوغرافية في حياتنا، تعقيب على مقال السيد عثمان يوسف خليل
د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
بمناسبة مقال سودانايل “الصورة ذاكرة العائلة التي لا تشيخ للأستاذ عثمان يوسف خليل ” جاشت بي شجون والمقال وأنا أطالعه كان ينقلني هنا وهناك للسياحة في مراتع شتى لا يزال بعضها تختزنه الذاكره وما سقط منها لحسن الحظ تحتفظ به ألبومات صور السنين التي عشناها هناءً وسرورا مع الأحباب من الأهل والجيران والأصدقاء و تجوال ممتع في بلاد الله الواسعة على هذه الأرض.
اللقطة أدناه سجلتها أثناء رحلتنا المدرسية “بربر الثانوية للبنين ” إلى الباوقة أم نخيل والهواء العليل والكرم الأصيل من شعب جليل ذو خلق رفيع وجميل
كان أساتذتنا عدة ويتميزون بأعلى مستوى العلم والمعرفة المتقدمة في التدريس وتربية الأجيال أذكر منهم محي الدين فارس، وسيف الدولة علي عكير، والراقد في الإستراحة أرضا ، هنا في الصورة ، أستاذنا وراق أحمد وراق والأستاذ فوزي جمال الدين أستاذ التاريخ وناظر المدرسة في الجهة المقابلة يشاطر تلاميذه في لعبة الكوتشينة “الورق”. الوالقفان عند الباب حسن محمد مجذوب “رائد جيش متقاعد” والآخر لا تبين ملامحه. كنت رئيس جمعية العلوم والتصوير والفنون تلك السنوات التي كانت عامرة بالعطاء في كل مدارس السودان بمستوياتها المختلفة إبتداءً من الخلوة وحتى الجامعة. وزارة المعارف آنذاك “التربية والتعليم حاليا” كان لها وجود بل السلم الموثوق الذي يضمن “بالمجان” لكل مجتهد التسلق قدما إلى أقصى درجات العلم والمعرفة، وكان تتبع لها مؤسسات فرعية ذات أهمية كبيرة في تطوير مناهج التربية والتعليم وطباعة الكتب أذكر منها مكتب النشر التابع للوزارة ومعهد بخت الرضا ومبروكة بالدويم ومعاهد التربية بشندي والدلنج. الأستاذ فوزي جمال الدين رحمه الله ألف كتابه عن تاريخ أروبا الوسطى الحديث باللغة العربية وأذكره كان وهو يلقي علينا المحاضرة يحفظ بصورة مذهلة كل التفاصيل الدقيقة وتواريخ الحروب والإتفاقيات في ما يختص بمنطقة البلقان التي دوختها الحروب الدامية. هذه اللقطة لها إعتبار خاص عندي ولا أنساها إذ أنها تعبر كيف كان المعلم يضحي بوقته بعيداً عن أسرته ويتواضع فيجامل تلاميذه في مشاركتهم الأنشطة الرياضية والترفيهية ويتعامل معهم كأنه الأب الحنون أو الأخ الأكبر. ربنا يجزي كل معلم أحسن الجزاء ويرحم من إرتحلوا ويسكنهم الفردوس الأعلى
أتفق مع طرح المقال المذكور أن للصورة الفوتوغرافية أهمية بالغة في حياتنا، لقد تجاوزت كونها مجرد تسجيل للوجوه أو اللحظات لتصبح لغة عالمية ووسيطاً حيوياً يؤثر على جميع جوانب حياتنا الشخصية والاجتماعية والمهنية. لقد كتبت من قبل لماذا أرسم وكتبت عن التصوير وأهميته حتى في مهنتي كطبيب وأقمت معارض فنية في هذا المجال توضح ما أعنية من فوائد عديدة ملموسة في حياتنا
سأذكر هنا بعضا من جوانب أهمية الصورة الفوتوغرافية في حياتنا:
أولاً: على المستوى الشخصي والذاكرة
- تاريخ وتوثيق اللحظات وحفظ الذكريات: هي أقوى أداة لدينا لمحاربة النسيان. تحفظ لنا لحظات السعادة (حفلات الزفاف، المواليد، اللقاءات العائلية والمناسبات السعيدة )، وتجعل الذكريات المادية ملموسة، مما يعزز شعورنا بالهوية والانتماء.
- رواية القصة الشخصية: تشكل ألبومات الصور السيرة الذاتية البصرية لأفراد العائلة عبر الأجيال، تحكي قصة تطورنا منذ الولادة إلى الكهولة ، علاقاتنا، ورحلتنا في الحياة عبر محطاتها المختلفة .
- التعبير عن الهوية والذات: في عصر السيلفي والإنستغرام، أصبحت الصورة وسيلة للتعبير عن أنفسنا، شخصياتنا، حالتنا المزاجية عند لحظة معينة من الفرح أو الحزن أو الخوف وحتى المرض وأسلوب حياتنا للعالم. المشورة في شراء الأشياء في حالة عدم صحبة الآخرين في مراكز التسوق
ثانياً: على المستوى الاجتماعي والثقافي
- توثيق التاريخ والإرث الثقافي: تعد الصور وثائق بصرية لا تقدر بثمن للأحداث التاريخية، من خرائط وصور الحضارات الحديثة والقديمة، الطقوس التقليدية، وأسلوب حياة المجتمعات التي قد تندثر. هي ذاكرة البشرية الجمعية.
- أبسط لغة تفاهم عالمية تتخطى الحواجز: تفهمها جميع الثقافات والشعوب بغض النظر عن اللغة. الصورة تعبر عن الألم أو الفرح أو الجمال فيمكنها أن تلامس بسهولة وسرعة أحاسيس و قلوب أناس من خلفيات متنوعة.
- أداة للتغيير الاجتماعي: يمكن للصورة القوية أن تهز الضمير العالمي، تثير القضايا الإنسانية (مثل المجاعات، الحروب، الكوارث، و ظروف معاناة النازحين )، وتحشد الرأي العام للمطالبة بالعدالة والإصلاح. الصور التي التقطت خلال الحروب أو الكوارث الطبيعية كانت محفزاً رئيسياً للمساعدات الدولية.
- تعزيز التفاعل الاجتماعي: تشارك الصور على منصات التواصل الاجتماعي الذي يخلق حواراً بناءً ، ويبني مجتمعات افتراضية حول اهتمامات مشتركة، ويقوي الروابط بين الأصدقاء والأهل في مختلف أنحاء العالم.
ثالثاً: على المستوى الإعلامي والتواصل
- مصداقية الخبر: “الصورة الأصلية وصادقة موثوقة لا تكذب” (على الرغم من ضرورة الحذر من التلاعب الرقمي في هذه الأيام ). الصورة تضيف مصداقية للخبر المكتوب وتجعل القصة أكثر واقعية وتأثيراً.
- جذب الانتباه وإيصال الرسالة: في عالم مليء بالمعلومات، تنجح الصورة القوية في جذب الانتباه بسرعة أكبر من النصوص وحدها. تستخدم في الإعلانات، الحملات التوعوية، والتقارير الإخبارية لنقل رسالة فورية ومؤثرة.
رابعاً: على المستوى الفني والإبداعي
- فن قائم بذاته: تطور التصوير الفوتوغرافي ليكون شكلاً من أشكال الفن، حيث يستخدم المصورون الضوء، التكوين، والألوان للتعبير عن رؤية فنية وجمالية، وإثارة المشاعر والتأمل.
- رؤية جديدة للعالم: تمكننا الصورة من رؤية العالم من زوايا غير اعتيادية، سواء من خلال التصوير القريب (الماكرو) للتفاصيل الدقيقة، أو التصوير الجوي للمناظر الشاسعة، مما يوسع إدراكنا للجمال في كل ما يحيط بنا.
خامساً: على المستوى العلمي والتعليمي
- توثيق الاكتشافات: تستخدم على نطاق واسع في المجالات العلمية مثل الطب (الأشعة، صور الجراحة وعبر المناظير وغيرها )، علم الفلك (صور الكواكب والمجرات)، وعلم الأحياء والكيمياء والبحار (توثيق الأنواع والظواهر الطبيعية).
- تعزيز المواد التعليمية: الكتب للصغار والكبار والموسوعات والمناهج الدراسية أصبحت أكثر فعالية بوجود الصور والرسوم التوضيحية التي تسهل فهم المعلومات المعقدة.
سادساً: على المستوى الاقتصادي والمهني
- قلب التسويق والإعلان: تعتمد الحملات التسويقية الناجحة بشكل أساسي على الصور الجذابة التي تروّج للمنتجات والخدمات وتؤثر على قرارات الشراء.
- توثيق المنتجات والمشاريع: تستخدم في التجارة الإلكترونية، الهندسة المعمارية، والعقارات لعرض المنتجات والمشاريع بشكل واضح وجذاب للعملاء.
ختاماً
لم تعد الصورة الفوتوغرافية مجرد “صورة”، بل هي ذاكرة، وثيقة، لغة، أداة تغيير، وفن. لقد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من نسيج حياتنا الحديثة، تشكل طريقة رؤيتنا لأنفسنا، وفهمنا للعالم من حولنا، وتواصلنا مع الآخرين. قوتها تكمن في قدرتها الفريدة على تجسيد اللحظة العابرة وجعلها خالدة، ونقل المشاعر والمعارف عبر الزمان والمكان. على مستوى الأمن القومي في المدن والعواصم ومحطات العبور الصورة أداة مهمة للتحقق من إثبات الهوية و كذلك من أهم أدوات مكافحة العنف والجريمة والسرقات عبر كاميرات المراقبة الخاصة والعامة التي تنتشر في الأسواق والشوارع العامة والمباني
drabdelmoneim@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم