لا يستقيم عقلاً، أن يتم إهدار 108 ملايين جنيه سنوياً من المال العام عمداً، بحُجةِ تقديم أدويةٍ مجانيةٍ للأطفال دون سن الخامسة. فقد نشرت صحيفة “التغيير” في صفحتها الأولى بالعدد الصادر يوم الأربعاء الماضي، أن هنالك قائمة عشرين صنفاً من أصناف الأدوية تُقدَّم مجاناً للأطفال دون سن الخامسة، ويتبادر إلى الذهن أن هذه الخدمة، من جلائل الخدمات الطبية التي تقدم للأطفال مجاناً، دون سبر غورها، ومعرفة كلفتها المالية التي ذهب بعض خبراء الأدوية، أنها أكثر من فائدتها العلاجية لهؤلاء الأطفال الصغار، إذ تُقدر التكلفة بحوالى تسعة ملايين جنيه شهرياً، فإذا جمعنا محصلة هذه التكلفة سنوياً تبلغ 108 ملايين جنيه سنوياً. والمؤلم أن هذه الأصناف من الأدوية ليست كلها ناجعة العلاج بالنسبة للأطفال دون سن الخامسة، وأن هنالك دواءً تُقدر الكمية المطلوبة منه لكافة الفئات السنية بـ34 ألفاً، بينما هذا البرنامج رفع الكمية إلى ما يزيد عن 90 ألفاً، دون أن تكون هنالك حاجة ماسة إلى هذه الزيادة المطَّرِدَة.
وأحسبُ أن المصادر الصيدلانية التي تحدثت إلى “التغيير”، بغيرةٍ مهنيةٍ، وخشيةٍ على إهدار المال العام، أكدت ضرورة مراجعة الهيئة العامة للإمدادات الطبية المركزية التي تُشرف على هذه الخدمة للأطفال دون سن الخامسة في ولايات السودان المختلفة، لتوفير أدويةٍ ناجعةٍ، بكمياتٍ أقلّ وأسعارٍ مُخفضةٍ، لهؤلاء الأطفال المستهدفين. وقد علمتُ من بعض العالمين ببواطن الأمور، أن تحديد قائمة العشرين دواءً معظمها أدوية لا يحتاج إليها الأطفال دون سن الخامسة، المستهدفين من هذه الخدمة المجانية، وأنها ليست ذات فعاليةٍ دوائيةٍ. مع كلِّ هذا، اكتظت بها مخازن الأدوية، مما جعل المسؤولين عن هذه المخازن يجأرون بالشكوى من عدم وجود أماكن صالحة في مخازنهم لتخزينها. والأنكأ من ذلك، أنه وصل إلى علمهم أن ذات القائمة بدأ الإعداد في تقديم طلبيات لتوفيرها بهذه الكميات الضخمة، والتكلفة العالية دون الحاجة الماسة إليها، مما يتطلب المراجعة العاجلة قبل إنتاج أو استيراد هذه الأدوية، تفادياً لإهدار المال العام، والإفادة منه في تقديم خدمةٍ طبيةٍ راقيةٍ وناجعةٍ للأطفال دون سن الخامسة.
وفي رأيي الخاص، أن الهيئة العامة للإمدادات الطبية المركزية مُطالبَة اليوم قبل الغدِ بإجراء مراجعة من خلال أبحاث ودراسات ولجان لقائمة العشرين دواءً التي تُقدَّم مجاناً للأطفال دون سن الخامسة، قبل البدء في إجراءات استجلاب كميات جديدة من الأدوية في إطار قائمة العشرين للأدوية المجانية للأطفال دون سن الخامسة في العام المقبل، خشية أن تتكدس المخازن بهذه الأدوية وتفقد صلاحيتها، وعندئذٍ نستطيع أن نقول بملء فينا (فمنا)، إن هذا هو الإهدار المُتعمد للمال العام، وندعو بالقول الساطع، الجهات المختصة إلى محاسبة هؤلاء الذين تسببوا في تكديس أدويةٍ فقدت صلاحيتها، وأهدرت مالاً عاماً.
أخلصُ إلى أن هنالك جهاتٍ طبيةً وصيدلانيةً، لم تألُ جُهداً في سبيل التنبيه إلى ضرورةِ مراجعةِ قائمة العشرين للأدوية المجانية للأطفال دون سن الخامسة، في أكثر من اجتماعٍ تم فيه مناقشة هذا الأمر. كما أن بعض هذه الجهات طالبت بضرورة الإسراع في التخلص أو إقلال الكميات الضخمة من بعض أنواع هذه الأدوية، والعمل على تقديم دراساتٍ وتقديراتٍ حقيقيةٍ لاحتياجات الأطفال دون سن الخامسة من الأدوية المجانية، ترشيداً للمال العام، وتأكيداً لتحقيق الأهداف العُلا، والمقاصد الكبرى، من سياسة الأدوية المجانية للأطفال دون سن الخامسة.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الله تعالى: ” إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا”.
وقول الشاعر العربي، جَرْوَل بن أَوْس بن مالك المعروف بالحُطيئة:
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ
ما كانَ ذَنبِيَ أَن فَلَّت مَعاوِلَكُم مِن آلِ لَأيٍ صَفاةٌ أَصلُها راسِ
قَد ناضَلوكَ فَسَلّوا مِن كِنانَتِهِم مَجداً تَليداً وَنَبلاً غَيرَ أَنكاسِ
I.imam@outlook.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم