“من فضلك يا سيدي… أريد المزيد.”
كانت هذه الجملة القصيرة، التي نطق بها الطفل أوليفر تويست في رواية للكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز، كافية لإثارة عاصفة من الغضب. لم يكن أوليفر قد سرق أو اعتدى على أحد، ولم يرتكب جريمة. كل ما فعله أنه طلب وصلة أخرى من العصيدة لأنه كان جائعًا بعد يوم طويل من العمل الشاق.
غير أن إدارة دار العمل لم تر في طلبه صرخة طفل يتضور جوعًا، بل اعتبرته تمردًا على النظام وتحديًا لسلطتها. ومن خلال هذا المشهد البسيط، قدّم ديكنز واحدة من أقوى الإدانات الأدبية للظلم الاجتماعي في إنجلترا خلال العصر الفيكتوري.
كان ذلك نقدًا مباشرًا لقانون الفقراء الجديد لعام 1834، الذي أجبر الفقراء على الإقامة في دور العمل تحت ظروف بالغة القسوة، حيث كانت الحصص الغذائية تُحدد بحيث تكفي للإبقاء على الحياة، لا لإشباع الجوع، وذلك حتى تصبح المساعدات الحكومية منفرة لمن يفكر في طلبها. وتحول الفقراء في نظر القائمين على تلك المؤسسات إلى أرقام وأعباء، لا إلى بشر لهم كرامة وحقوق.
لقد كشف ديكنز أن أخطر ما في الظلم ليس الفقر نفسه، وإنما فقدان القدرة على رؤية إنسانية الفقير. فعندما يصبح طلب طفل جائع لمزيد من الطعام جريمة، فإن المشكلة ليست في الطفل، وإنما في النظام الذي فقد ضميره.
كما فضح ديكنز نفاق الطبقة الحاكمة؛ فالمسؤولون الذين كانوا ينعمون بالطعام والراحة لم يترددوا في إلقاء المواعظ على الأطفال الجائعين عن الأخلاق والامتنان والانضباط، بينما كانوا يحرمونهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.
وقد يخطر هذا المشهد على بال كل من يتابع ما يجري في السودان اليوم. فكثير ممن يُطلق عليهم وصف “المتعاونين” مع قوات الدعم السريع لم يكونوا قادة حرب ولا أصحاب قرار، وإنما مدنيون وجدوا أنفسهم يعيشون تحت سلطة الأمر الواقع، فحاولوا حماية أنفسهم وأسرهم والتكيف مع القوة المسلحة المسيطرة على مناطقهم، كما يحدث في معظم الحروب عبر التاريخ.
وفي المقابل، تُغفل الخطابات السياسية والإعلامية الظروف التي أحاطت بهؤلاء المدنيين، وتتعامل معهم وكأنهم اختاروا واقعهم بإرادتهم الكاملة. وفي خضم ذلك، يغيب النقاش حول مسؤولية القوى التي أسهمت في اندلاع الحرب أو في ترك المدنيين يواجهون مصيرهم، بينما يصبح الضعفاء هم الحلقة الأسهل للاتهام والعقاب. وهنا تتجدد، في سياق مختلف، الفكرة التي أراد ديكنز إيصالها: أن السلطة كثيرًا ما تعاقب الضحية بدلًا من أن تواجه أسباب المأساة.
ولعل من المؤسف أن الاهتمام بالأدب في السودان، وهو اهتمام كان محدودًا أصلًا، قد تعرض للتهميش والتجفيف في إطار ما سُمّي بالمشروع الحضاري. فالأدب والفنون لا يقدمان المتعة وحدها، بل يفتحان أمام الشباب نوافذ لفهم المجتمعات والإنسان أينما كان، ويغرسان قيم التعاطف والوجدان المشترك.
ولهذا كانت أوليفر تويست أكثر من مجرد رواية تُدرَّس في المدارس؛ فقد كانت درسًا في العدالة والرحمة، وفي فهم الإنسان قبل إصدار الأحكام عليه. فالقراءة توسع الأفق، وتمنح الإنسان القدرة على رؤية العالم بعيون الآخرين، وهي قدرة لا غنى عنها لأي مجتمع يسعى إلى التعايش والسلام.
ولعل أخطر ما يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد قدرته على التعاطف مع الضعفاء. فعندما يتوقف الناس عن سماع صوت الجائع، أو الخائف، أو النازح، أو المدني الذي وجد نفسه أسير ظروف الحرب، فإنهم يبدأون في فقدان جزء من إنسانيتهم.
فبين أوليفر الذي عوقب لأنه طلب وصلة طعام، وبين كل بريء يُدان اليوم لأنه حاول النجاة بنفسه وأسرته، خيط واحد لا ينقطع: قسوة السلطة عندما تتجرد من الرحمة، وسهولة إدانة الضعفاء بدلًا من مساءلة الأقوياء.
ولذلك يبقى السؤال الذي طرحه ديكنز قبل ما يقارب القرنين حاضرًا حتى يومنا هذا: هل نحاكم الناس على أفعالهم، أم نحاكمهم على الظروف التي فُرضت عليهم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كنا نبني مجتمعًا يقوم على العدالة والرحمة، أم مجتمعًا يقوم على الانتقام والكراهية.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
