“أيام العرب” بدارفور: إعادة اختراع الدولة

عبد الله علي إبراهيم

“انتابت بنية ’الدعم‘شقوق أكثر خطراً خلال الأسابيع الماضية استصرخت الدولة ولم تعثر عليها”

أحزن الناس مرأى الناظر محمود موسى مادبو، ناظر شعب الرزيقات التي ينتمي إليها محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات “الدعم السريع”، والتي توصف بالحاضنة الأم لتلك القوات، وهو يحدثنا بصوت مسلوب الإرادة عن هجوم مسلح على بيته في مقره بمدينة الضعين شرق دارفور. وما أحزن الناس أنهم أنكروا منه فيديو ذاع منذ الحرب يقول في حشد من قومه إن يدهم تطاول الخرطوم وبوسعهم أن يطووها طي السجل لولا اعتبار أن لهم أهلاً فيها. وطال “الدعم السريع” الخرطوم لنحو عامين، ولم ينج من جورهم من سماهم الناظر، أهله بها.

وامتعض الناس لحاجة التوم الهادي دبكة، ناظر شعب بني هلبة، وهو من اقترح جده استقلال السودان على البرلمان خلال ديسمبر 1956، أن يرفع شكواه كأي نفر من أهله إلى “حميدتي” في فيديو ذائع يطلب منه تزويد المقاتلين من شعبه في “الدعم السريع” بعربات توازي جهدهم في يومنا وسابقتهم. فالدولة في حكم الغياب متى احتاج زعيم في خطر الناظر دبكة للحديث إلى صاحب الأمر فيهم بـ”عرضحال” (عرض حال) لا بترتيب مؤسسي. وكان طلب هذا الخطاب لـ”حميدتي” منه شباب من بني هلبة. فقال مقاتل منهم إنهم اتصلوا بالقائد “حميدتي” لإعدادهم للحرب، فقال لهم أنتم معشر بني هلبة “ناس نظريات ساكت” فأقيموا معسكركم وتدربوا وقولوا جاهزين تجدون مطلوبكم كما وجد بنو عمومتكم (أي غيرهم من عرب البقارة). وفعلوا ما طلب القائد منهم ولا جدوى. واشتكى آخر أن “الدعم السريع” يمنح القائد منهم سيارة صغيرة بينما تجد من دونهم من القبائل الأخرى يركب الكروزر. وكان شاب آخر أكثر صراحة في الفيديو مع الناظر فقال له إن وقفته الصلبة مع “الدعم السريع” لم تؤت أكلها، فهو لا يعلم عن حال مقاتلي بني هلبة في “الدعم السريع” داخل مدينتي زالنجي والجنينة. قال ودعك من العربات والسلاح فهم لا يجدون مشمعات تقيهم الحر والبرد، ولا ناموسيات تقيهم لسع البعوض، بل يصرفون على أنفسهم من أنفسهم لطعامهم وعلاجهم حتى لضحية الحرب منهم، فإما باعوا موبايلاتهم أو سلاحهم أو حتى طلبوا عون أهلهم في ربعهم لسداد فاتورة علاج مريضهم.

وانتابت بنية “الدعم” شقوق أكثر خطراً خلال الأسابيع الماضية استصرخت الدولة ولم تعثر عليها. فحين ورث “الدعم السريع” من نظم دولة 56، كما ذاع، مظالم عبأت له القوى في ثورته على رأس الهامش على المركز كان ورث خلال الوقت نفسه خصومات بينية، أي بين جماعات دارفور نفسها، بعضها من صنعه حين كان في خدمة “دولة 56” يهش عنها المتمردين. فسخت لهذه القوى في الثورة بفدائية مرموقة، ولكنها عزت الدولة عليها حين مست الحاجة إليها.

وأول هذه الشقوق ما جاء من جهة نزاع شعبي “بني هلبة” و”السلامات” جنوب دارفور، وأما ثانيها فهو المواجهة بين “الدعم السريع” وجماعة “السلامات” شمال دارفور.

تجدد النزاع بين “بني هلبة” و”السلامات” بعد قرار صلح بينهما ربما رتبه “الدعم السريع” لينهي صراعات مسلحة بين الجماعتين منذ أغسطس .023، ولم يلق هذا القرار قبول جماعات من “بني هلبة”. وجاء الرفض الصريح في رسالة لناظر “بني هلبة” جاء فيها، إن عودة السلامات إلى دارهم “مرفوضة جملة وتفصيلاً”، ومتى عادوا كانت تلك بؤرة نزاع. وعاب على الناظر اتخاذ قرار هذه العودة منفرداً لأن دار “بني هلبة” ليست إرثاً لأسرة، وأنه سيتحمل عواقب عوس يده. وزاد بأن من أراد نفعاً للسلامات فليفتح داره (حاكورته) لهم لا حاكورة “بني هلبة”. ولا يرفض المعترضون مع ذلك أن يسكن “السلامات” حاكورتهم سكنى انتفاع لا سكنى حق. وسبق لتجمع حاشد من “بني هلبة” من مدنيين وعسكريين رفض وجود “السلامات” في وسطهم.

لا يصح فهم هذا النزاع بين الجماعتين إلا بالرجوع إلى مفهوم الحاكورة (الدار القبلية) في أعراف الأرض داخل السودان. فلم تكن “السلامات” في السودان حين تقسمت أرض دارفور حواكير على القبائل، مدراً ووبراً. فهم جاؤوا من تشاد خلال الخمسينيات أو نحوها بسبب أوضاع سياسية وإيكولوجية،مستجيرين بأهلهم عرب السودان و”التعايشة” و”بني هلبة” بالاسم. وأقاموا بينهم منتفعين بالأرض لا حق لهم فيها، فهم يزرعونها ويسقون سعيتهم من مائها لقاء رسوم لأهل الدار. ولا تقوم فيهم، ممن يسمون بـ”التبع” في مناطق أخرى، “نظارة” لأنها رتبة سياسية لزعيم الجماعة صاحبة الدار. ومتى تكاثرت الجماعة التبع كان أول ما تفعل هو الانعتاق من هذا الوضع المهين لحيازة دار باسمها ونظارة. وغالباً ما تنازعت طويلاً مع الجماعة صاحبة الدار لتأكيد ذاتيتها في معارك تكاد لا تنتهي. فاحتربت “السلامات” من أجل تأكيد ذاتيتها مع “التعايشة” و”بني هلبة”.

وانتهزت سانحة “دولة الإنقاذ” (1989-2019) لتنال رتبة النظارة عام 2011 من فوق دار اقتطعتها الحكومة لها من “التعايشة” وبين “بني هلبة” مكافأة لها نظير خدماتها العسكرية والسياسية. وأوغر ذلك الأخيرتين على “السلامات” وخاضوا حروباً لا تكاد تهدأ حتى تندلع. ثم جمعتهما “ثورة الهامش” تحت لواء “الدعم السريع”، ولكن سرعان ما بطلت زمالة سلاح الثورة وعاد كل فريق منهم إلى قبيلته التي تؤويه. ولم يتغير شيء سوى أنهم تأبطوا سلاحاً من “الدعم السريع” أشد فتكاً. وتدخل “الدعم السريع” يطفئ حرب زملاء السلاح ووجد عسراً شديداً. فما وقعت الجماعتان على ميثاق منه إلا عادتا إلى مربع الحرب الأول. ويبدو أن قرار عودة “السلامات” إلى دار “بني هلبة” الذي أوغر صدورهم كما رأينا مما توسطت به “الدعم السريع”. وغير خاف أنه جاء بالنزاع من جديد من حيث لم يحتسب.

أما التشقق الثاني والأشد خطراً من جهة غيبة الدولة فهو نزاع جماعة “المحاميد” الداخلي الذي هو في حقيقته كما سنرى نزاعٌ بين ناظرهم موسى هلال و”الدعم السريع”. وكان الناظر موسى اصطف ضد “الدعم السريع” إلى جانب الحكومة والقوات المسلحة بلا مواربة كما غير المنتظر، لا من عربي فحسب، بل ومن أحد بني عمومة آل دقلو المتحدرين من آل منصور من الماهرية من بادية شمال درافور. ولكن من وراء موقف الناظر موسى ذاكرة خصومة قريبة مع “الدعم السريع”.

كانت “دولة الإنقاذ” استعانت أول ما استعانت بالناظر موسى عام 2003 لحرب حركات دارفور المسلحة. وكان ذلك وقت اشتهار مصطلح “جنجويد” وهو ما يطلق على شباب في مثل “صعاليك العرب” انسدت دروب العيش عليهم في جفاف سبعينيات الساحل الأفريقي فصاروا إلى أخذ حق الناس عنوة، ثم صاروا بندقية أجيرة للحكومة. ومعلوم ما ارتكبه الجنجويد من فظائع بحق أفارقة دارفور، حاضن الحركات المسلحة، التي كانت موضع إدانة العالم، ومنها ما وقع على الناظر موسى من تجميد حسابات وتقييد على السفر. ثم اختلف الناظر مع “الإنقاذ” التي كان ترعرع “حميدتي” على يدها ليقوم بما كان يقوم به. ورفض الناظر أن يدمج قواته في “الدعم السريع” وكون “مجلس الصحوة” عام 2014 كواجهة سياسية معارضة للنظام. ولإضعافه أطلقت الحكومة حملة لجمع السلاح من القبائل انتهت بمواجهة بينه و”الدعم السريع”، فاعتقلوه عام 2017 وحكموا عليه بالسجن وبقي فيه حتى سعى “حميدتي” كنائب لرئيس مجلس السيادة خلال الفترة الانتقالية لإطلاق سراحه عام 2021. وكان الناظر موسى قال لـ”دولة الإنقاذ” حين أفسدت بينه و”حميدتي”، وكلاهما من الرزيقات، إن الفتنة التي تقومون بها بين فروع الرزيقات لن تقف حيث أرادوا، بل ستطال الخرطوم. وصدق.

لم يمنع موقف الناظر موسى في صف الجيش من مشاركة جماعة من المحاميد في الحرب بقوة، وبرز منهم قادة معروفون على نطاق القطر مثل السافنا ونور القبة، مما قيل إنهما انشقا أخيراً عن “الدعم السريع” في ثنايا مواجهته الأخيرة مع الناظر موسى، بل وعرضوا فيديوهات لخلق كثير من المحاميد يغادرون “الدعم والسريع” إلى معسكر الناظر.

ويبدو أن موقف الناظر موسى إلى جانب القوات المسلحة ما لم تعد تحتمله لا “الدعم السريع” ولا تلك الجماعات من رعيته التي توغلت في خدمة “الدعم السريع”. وبدأت الشرارة بانقسام جماعة من “المحاميد” من فرع “أب جلول” عن الناظر وتنصيبها أحمد علي عبود ناظراً بدلاً عنه. وفي حفل لتنصيبه ضربت الموقع مسيرة قتلت جماعة فيهم حامد علي أبو بكر المستشار بـ”الدعم السريع”. فاتهموا الناظر بدل الجيش على موقعهم ومناسبتهم، وتوتر الجو فسحب “الدعم السريع” فرقاً عسكرية من جبهة كردفان لتحاصر مستريحة، مقر الناظر. وجاؤوا في ركب عظيم إلا أن الوسطاء نزعوا فتيل الصدام لتنعقد لجنة تحقيق وصلح برأت الناظر في روايته، أو أنها لم تحسن التحقيق في رواية خصومه.

وخطب الناظر في جمع منذ أيام قال إن للحرب وجهين، وجه اجتماعي هو التمسك بعروة المحاميد الوثقى وألا نسمح لكائن من كان أن يفككها. ولها وجه سياسي، وللمحمودي أن يصطف مع أي طرف شاء من أطرافها. أما هو فإنه فرغ من الاصطفاف مع القوات المسلحة لأن القضية قضية وطن، وقال إن من يسترذلهم بقوله إنهم “فلنقاي” (أي خدم) الفريق ركن عبدالفتاح البرهان، فإنه كمن يعيب عليهم أن يكونوا خدام وطنهم في حين أنهم “فلنقايات” دولة الإمارات بل فيهم من المحاميد من هم “فلنقايات” ناس دقلو.

هدم “الدعم السريع” الدولة، فكتب عليه إعادة اختراعها. وكان قيل “لا تهدم سوراً لم تعرف لم قام أول مرة”.

ibrahima@missouri.edu

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

التعليم والحرب: معارضون كيفما اتفق

شايلين همومنا من الصباحعبد الله علي إبراهيمibrahima@missouri.edu ملخص (اعترضت لجنة المعلمين في السودان على انعقاد …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor