إبداعات جيل المستقبل بين الذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان – مقالات من بطون كتب ونبض الواقع

مدخل:
حين يسبق المستقبل أعمار أصحابه

انبنى هذا المقال على خبرٍ تداولته الوسائط الإعلامية العربية، مفاده فوز طفلٍ سوداني بالمركز الأول في كأس العرب للذكاء الاصطناعي، عن مشروع وُصف بالمذهل قياسًا بعمر صاحبه، وعمق فكرته، ومستوى توظيفه لأدوات تقنية حديثة لا تزال في نظر كثير من مؤسساتنا التعليمية ترفًا مؤجلًا.
وليس الحدث في ذاته أن يحرز طفل سوداني مركزًا متقدمًا في مسابقة عربية للذكاء الاصطناعي، فالمسابقات – مهما سمت – تبقى وقائع زمنية محدودة.

الحدث الحقيقي أعمق من ذلك:
إنّه إعلان مبكر عن طاقة كامنة، وعن جيل يولد وفي يده مفاتيح عصر جديد، لا يشبه العصور التي تشكّلت فيها أدواتنا الذهنية التقليدية.
إننا أمام سؤال حضاري لا تقني:
ماذا يمكن أن يصنع هذا الجيل لو مهدنا له الطريق؟

إن مثل هذه الأخبار، حين تُقرأ قراءة سطحية، تتحول إلى مادة للإعجاب العابر، أو للفخر اللحظي.
لكن قراءتها في سياقها الصحيح تجعلها مؤشرًا إنذاريًا إيجابيًا:
إما أن نلتقط الإشارة ونحوّلها إلى سياسة،
أو نكتفي بالتصفيق ونترك الموهبة لتبحث عن بيئة أخرى تحتضنها وتستثمر فيها.

الذكاء الاصطناعي: من أداة تقنية إلى رافعة تنموية

في أدبيات الاقتصاد التنموي، يُنظر إلى التقنية غالبًا كأداة مساعدة، أو كترفٍ لاحق لمرحلة الإنتاج. غير أن الذكاء الاصطناعي كسر هذه القاعدة؛ فقد أصبح رافعة بنيوية قادرة على إعادة تشكيل أنماط الإنتاج، وأسواق العمل، ونظم التعليم، وآليات اتخاذ القرار.
وحين يتمكن طفل من التعامل مع هذه الأدوات، فهذا يعني أن منحنى التعلّم قد انخفض، وأن ما كان حكرًا على الجامعات ومراكز البحث بات ممكنًا في مراحل عمرية مبكرة، وهو تحوّل له دلالات بعيدة الأثر على شكل الاقتصاد والمجتمع معًا.
دلالة سودانية وعربية: الكفاءة موجودة… لا البيئة
تؤكد هذه القصة – وغيرها كثير – حقيقة طالما تجاهلتها السياسات العامة في عالمنا العربي:
مشكلة التنمية ليست في الإنسان، بل في البيئة الحاضنة له.

فالسودان، على وجه الخصوص، يملك رصيدًا بشريًا عالي الذكاء، مرن التعلّم، واسع الخيال. غير أن ضعف الاستثمار في التعليم النوعي، وغياب برامج رعاية الموهوبين، وانفصال التعليم عن متطلبات سوق المستقبل،
كلها عوامل تجعل الإبداع حادثًا فرديًا لا مسارًا وطنيًا مستدامًا.

جيل المستقبل: ماذا يمكن أن يقدّم؟

إذا أُحسن الإعداد، فإن هذا الجيل قادر على:
توطين التقنية لا استهلاكها، والانتقال من دور المستخدم إلى دور المصمّم والمنتج.
حل مشكلات محلية بأدوات عالمية، لا سيما في مجالات الزراعة، والمياه، والصحة، والتعليم.
خلق اقتصاد معرفي حقيقي يقوم على العقول المتجددة لا الموارد الناضبة.
كسر التبعية التقنية، فكل مبرمج صغير اليوم هو في جوهره قرار سيادي مستقل غدًا.

الطريق إلى التنمية المستدامة: ماذا نحتاج؟

التنمية المستدامة لا تُبنى بالشعارات،
بل بمنظومة متكاملة تشمل:
التعليم: مناهج مرنة، تعليم قائم على المشروعات، وإدخال البرمجة والتفكير الحسابي في مراحل مبكرة.

الرعاية:
مراكز وطنية لاكتشاف المواهب، ومسابقات مرتبطة بخطط الدولة، ودعم مستمر لا موسمي.
الشراكة: ربط المدارس بالجامعات، وربط التعليم بسوق العمل، وإشراك القطاع الخاص والمؤسسات الاستشارية.

الرؤية:
اعتبار الذكاء الاصطناعي خيارًا استراتيجيًا لا نشاطًا هامشيًا، ودمجه في خطط الإعمار وما بعد النزاعات.
من الإبداع الفردي إلى المشروع الوطني
الخطر الحقيقي ليس في أن نفقد هذه المواهب، بل أن نتركها تنجح خارج أوطانها، فتتحول قصص النجاح إلى شهادات هجرة ذكية.

إن تحويل إبداع طفل إلى مشروع دولة هو التحدي الأكبر، وهو في ذات الوقت الفرصة الأهم لبناء مستقبل قائم على المعرفة والسيادة التقنية.

خاتمة:

المستقبل لا ينتظر المترددين
هذه القصة ليست للاحتفاء العاطفي
، بل للاستفاقة العقلية.

فالأمم التي أدركت مبكرًا قيمة عقول أطفالها لم تنتظر النفط ولا القروض ولا المعونات،
بل استثمرت في الإنسان،
فصنع لها الإنسان كل شيء.
وفي عالم الذكاء الاصطناعي:
من يملك العقول يملك الغد.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …