د. صلاح أحمد الحبو
ثمة مقولة سياسية ساخرة تقول: «إذا لم يكن لك كرسيٌّ على الطاولة، فأنت في قائمة الطعام.» وهي عبارة حديثة شائعة في الخطاب السياسي، وليست مثلاً إنجليزياً قديماً ثابت المصدر؛ وقد ظهرت لها توثيقات منذ تسعينيات القرن الماضي، ثم تحولت إلى استعارة واسعة عن علاقة الناس بصناعة القرار. (listserv.linguistlist.orgAttachment.png)
لكن السودان، كعادته، يستطيع أن يجعل حتى المائدة السياسية أكثر تعقيداً من اللازم. فالمشكلة ليست فقط أن السوداني لا يجد له كرسياً على الطاولة؛ المشكلة أحياناً أنه لا يعرف أين توجد الطاولة أصلاً، ومن يجلس حولها، ومن الذي يطبخ، ومن الذي كتب قائمة الطعام!
وهنا تبدأ المسألة الحقيقية: الوعي.
فالإنسان الذي لا يعرف ما الذي يجري حوله، ولا يدرك مصالحه، ولا يفهم طبيعة الأزمة التي يعيشها، ولا يعرف حقوقه، ولا يستطيع التمييز بين مصلحته ومصلحة من يتحدث باسمه، يصعب أن يكون شريكاً في صناعة القرار. وقد يكون حاضراً جسداً، لكنه غائب سياسياً وعقلياً؛ وحينها يصبح حضوره أقرب إلى حضور الضيف الذي اكتشف متأخراً أن اسمه كان في قائمة الطعام.
السوداني لا يحتاج بالضرورة إلى أن يجلس فعلياً في كل غرفة يجري فيها التفاوض حتى يكون مشاركاً. المشاركة أوسع من الكرسي. قد تكون المشاركة معرفة، أو وعياً، أو نقاشاً، أو موقفاً، أو نقداً، أو اقتراحاً، أو قدرة على كشف الخلل، أو رفضاً لقرار يضر بالمصلحة العامة. وقد يكون المواطن بعيداً جغرافياً عن الطاولة، لكنه حاضر بوعيه وإدراكه وموقفه في تشكيل الرأي العام الذي لا يستطيع صانع القرار تجاهله.
ولهذا فإن أول كرسي ينبغي أن نحصل عليه في السودان ليس كرسي السلطة، وإنما كرسي الوعي.
فالوعي ليس ترفاً فكرياً، ولا زينة للمثقفين، ولا حديثاً نخبوياً في المقاهي والمؤتمرات. الوعي في لحظة الأزمة مساهمة سياسية واجتماعية في الحل. أن تعرف لماذا اندلعت الحرب، وكيف استمرت، ومن يدفع ثمنها، وما المصالح التي تتصارع حولها، وما الذي يمكن أن ينهيها، وما شكل الدولة التي نريد بناءها بعد الحرب؛ كل ذلك ليس مجرد معرفة، وإنما مشاركة في صناعة المستقبل.
المشكلة أن السياسة السودانية كثيراً ما تعاملت مع المواطن باعتباره جمهوراً للتصفيق لا شريكاً في التفكير. يُطلب منه أن يؤيد، لا أن يفهم؛ أن يصطف، لا أن يسأل؛ أن يصفق للطاولة، حتى لو لم يعرف ماذا وُضع عليها.
وهنا تحديداً تكمن خطورة غياب الوعي. حين لا تعرف قضيتك، سيعرّفها الآخرون نيابة عنك. وحين لا تحدد مصلحتك، سيحددها الآخرون لك. وحين لا تشارك في صياغة القرار، ستجد نفسك مضطراً إلى التعامل مع قرار صيغ في غيابك.
ليس المطلوب أن يصبح كل سوداني خبيراً في الاقتصاد أو القانون أو العلاقات الدولية. المطلوب شيء أبسط وأعمق: أن يدرك المواطن أنه صاحب مصلحة في الدولة، وأن الحرب والسلام والاقتصاد والتعليم والصحة والأرض والثروة والعدالة ليست ملفات بعيدة عنه، وإنما هي حياته نفسها.
ومن هنا يصبح الوعي شكلاً من أشكال القوة الناعمة للمجتمع. فالمجتمع الواعي يصعب اختزاله في جماعة أو زعيم أو بند في اتفاق. والمجتمع الذي يعرف حقوقه يستطيع أن يسأل: لماذا؟ ولمن؟ وكيف؟ وما البديل؟ وهذه الأسئلة، في حد ذاتها، تنقل المواطن من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل.
نحن في السودان بحاجة إلى إعادة تعريف المشاركة. فليس كل من جلس على الطاولة مشاركاً حقيقياً؛ فقد يجلس شخص على الكرسي ولا يملك قراراً، وقد يقف آخر خارج الغرفة لكنه يملك وعياً يصنع ضغطاً مجتمعياً يغير اتجاه الطاولة كلها.
الكرسي إذن ليس قطعة أثاث؛ إنه قدرة على التأثير.
والوعي هو أول هذه القدرة.
لذلك فإن معركتنا ليست فقط أن نطالب بأن يكون لنا مقعد في طاولة السلام أو السياسة أو الاقتصاد. علينا أولاً أن نمتلك الوعي الذي يجعلنا جديرين بهذا المقعد وقادرين على استخدامه. فالكرسي بلا وعي قد يتحول إلى مقعد إضافي حول مائدة الآخرين.
السودان لا يحتاج فقط إلى نخبة تتفاوض باسمه؛ يحتاج إلى شعب يعرف ماذا يريد، ولماذا يريده، وكيف يدافع عنه. لا يحتاج فقط إلى اتفاق سلام؛ يحتاج إلى مجتمع يفهم معنى السلام. ولا يحتاج فقط إلى دستور جديد؛ يحتاج إلى مواطن يعرف معنى الدولة وحقوقه فيها.
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لأن قرارات كثيرة صُنعت بعيداً عنهم، أو لأنهم دخلوا السياسة أحياناً بعد أن تكون المائدة قد اكتملت وقائمة الطعام قد أُعدت.
ولذلك ربما تكون العبارة الأهم للسوداني اليوم:
«قبل أن تبحث عن كرسي على الطاولة، ابحث عن وعي يجعلك شريكاً في صناعة ما يوضع عليها.»
فالوعي ليس انتظاراً للحل.
الوعي هو مساهمتنا الأولى في الحل.
وإذا كان غيابنا عن الطاولة قد يجعلنا في قائمة الطعام، فإن غياب وعينا يجعل الآخرين هم الذين يكتبون القائمة، ويحددون الوجبة، ويقررون من يأكل ومن يُؤكل.
وهنا، تحديداً، تبدأ مسؤوليتنا.
habobsalah@gmail.com
