إسرامور (Isramor)… صك مصطلح لجريمة التجويع في غزة

في أدبيات وعلوم الكوارث، يميز العلماء بوضوح بين ما تسببه الطبيعة وما يتسبب فيه. الإنسان. فالكوارث الناتجة عن أخطار طبيعية — كالزلازل والأعاصير والفيضانات والبراكين — تُصنف على أنها كوارث طبيعية. أما تلك الناتجة عن أفعال بشرية Man-Made Hazards، فإنها في الغالب ومع تطور علم الحد من مخاطر الكوارث فلا يحق معها البحث عن الأعذار، وقد ترقى إلى جرائم الإهمال و التقصير وقد تصل في بعض الحالات لجرائم الإبادة الجماعية.
فالمجاعة، على سبيل المثال، قد تكون طبيعية إذا نتجت عن الجفاف أو التصحر أو الآفات البيولوجية كالجراد، لكنها عندما تتحول إلى تجويع إذا كان سببها حصار خانق، تدمير للبنية الزراعية والحيوانية، ومنع متعمد لوصول للمساعدات الإنسانية، كما تفعل اسرائيل عبر منظمة غزة الإنسانية والتي تحولت لمصيدة للموت الفردي والجماعي، فإنها تعتبر جريمة ضد الإنسانية.
في القرن العشرين، اشتهرت مجاعة أوكرانيا (1932–1933) باسم الهولودومور (Holodomor)، وهو مصطلح أوكراني يجمع بين كلمتي “الجوع” و”الإبادة”.
الاتحاد السوفيتي آنذاك أنكر أن تكون المجاعة فعلا متعمدا، وقدمها كإخفاق اقتصادي وسياسات زراعية فاشلة، لكن الوثائق التاريخية أثبتت أن الحصار الداخلي، ومصادرة المحاصيل، ومنع التنقل، كانت أدوات سياسية لإخضاع الشعب الأوكراني وكسر إرادته. الهولودومور أصبح مثالا على قدرة الدول على طمس الجريمة إذا سيطرت على السردية التاريخية. وقد اعترفت أكثر من 30 دولة أوروبية، بينها ألمانيا، فرنسا، بولندا، وأيرلندا، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، بالهولودومور كجريمة إبادة، مما يرسخ الإدانة الأخلاقية والسياسية لهذه المأساة ويؤكد ضرورة تحمل المسؤولية القانونية والسياسية تجاه مثل هذه الجرائم.
لقد لاحظ الكاتب بحكم تخصصه الممتد لما يفوق العقدين من الزمان في مجال علوم الكوارث والتدخلات الإنسانية أكاديميا وميدانيا، أن هناك صعوبة لدى من يتناولون مأساة غزة في التفريق العملي واللغوي بين (الجوع) و(التجويع)، وهو تفريق جوهري فيj توصيف الحدث وتحمّل المسؤولية تجاهه. لذلك، ومن واقع هذه الخبرة، لجأ إلى صك مصطلح إسرامور (Isramor) — الذي يجمع بين “إسرائيل” و”مور” (الجزء الأخير من Holodomor) — ليعني: الإبادة عبر التجويع التي تمارسها إسرائيل بحق الفلسطينيين.
إسرامور (Isramor) إذن ليس توصيفا إنشائيا، بل أداة معرفية وأخلاقية وقانونية في آن. فالمصطلح يوثق الممارسة ويغلق أي منفذ للتلاعب بالسردية مستقبلا ويقلل حالة الرهق المعرفي في التفريق بين الجوع والتجويع، ويحمّل الدولة الإسرائيلية بشكل مباشر المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة، التي تمثل — في فهم قيادتها — نقطة التعادل بين الموت جوعا والموت بالرصاص.
فالكاتب يطرح هذا المصطلح بوصفه مصطلحا مفتوحا للاستخدام على أي واقعة تجويع متعمدة مشابهة مستقبلا، أينما أُرتكبت، تماما كما تفعل كلمة gate التي صارت لاحقة تصف الفضائح بغض النظر عن بدايتها. بذلك، يصبح “إسرامور (Isramor)” ليس فقط توصيفا لمأساة غزة، بل سابقة لغوية ومعرفية وقانونية لحماية الذاكرة ومنع الإفلات من العقاب.
إن التسمية الدقيقة، المبكرة، والحاسمة، والتي تنطوي على توصيف الفعل بكل ما يدل عليه من نية مسبقة لإلحاق الأذى بالضحية هي السطر الأول في سجل العدالة، والضمانة لأن يحاكم التاريخ — وربما المحاكم — مرتكبي هذه الإبادة بالتجويع. فالهولودومور (Holodomor) ظل لعقود طي النسيان لأن الفاعل سيطر على الحكاية، أما إسرامور (Isramor)، فيجب أن يُسجل الآن، حيا، ناطقا لان الفاعل في هذه الحالة – إسرائيل- قادرة على أن تطمس وجه الحقيقة حتى قبل أن تتخلق، وقبل أن تُدفن مع ضحاياها في صمت مقبرة التاريخ.
د. محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية
wadrajab222@gmail.com

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …