إشكالية إصلاح الاتحاد الأفريقي: قراءة في العلاقة بين خلل المنظومة الإقليمية وأزمات الدولة الوطنية

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال

يُطرح مفهوم «إصلاح الاتحاد الأفريقي» بكثافة في الخطاب السياسي والإعلامي كلما أخفقت المنظمة في إدارة نزاع، أو عجزت عن فرض تسوية، أو بدت مواقفها مترددة إزاء أزمة أفريقية معقّدة. غير أن هذا الطرح، على شيوعه، غالباً ما يعالج النتيجة دون التوقف الجاد عند الأسباب البنيوية التي تحكم أداء الاتحاد، وفي مقدمتها طبيعة الدول الأعضاء التي تشكّل أساسه السياسي والمؤسسي. فالتحليل الموضوعي يقتضي الانطلاق من مسلّمة أساسية مفادها أن الاتحاد الأفريقي ليس كياناً فوق-وطنيّاً مستقلاً عن الدول، بل هو إطار تعاوني يعكس، في بنيته وقراراته، موازين القوى، وأنماط الحكم، وأزمات الشرعية داخل هذه الدول. وعليه، فإن المطالبة بإصلاحه بمعزل عن واقع الدولة الوطنية الأفريقية تمثل مقاربة قاصرة، بل ومضللة في بعض الأحيان. تعاني غالبية الدول الأفريقية من اختلالات بنيوية عميقة، تشمل هشاشة المؤسسات، وتغوّل المؤسسة العسكرية في السياسة، وضعف سيادة القانون، وغياب التداول السلمي للسلطة، فضلاً عن النزاعات الداخلية الممتدة. هذه الأزمات لا تظل محصورة داخل حدود الدولة، بل تنتقل بالضرورة إلى الفضاء الإقليمي، حيث تُترجم إلى مواقف متباينة داخل الاتحاد الأفريقي، وتنعكس في عجزه عن تبني سياسات حاسمة أو متماسكة. من هذا المنظور، فإن ضعف فاعلية الاتحاد الأفريقي لا يعود أساساً إلى خلل تقني في لوائحه أو أجهزته، بل إلى أزمة سياسية أعمق تتجسد في سلوك الدول الأعضاء نفسها. فالدول التي لا تحترم دساتيرها الوطنية، ولا تخضع جيوشها لرقابة مدنية، ولا تلتزم بالمواثيق الديمقراطية، يصعب أن تنتج منظمة إقليمية قادرة على فرض معايير الحكم الرشيد أو حماية السلم والأمن. في السياق السوداني، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح. إذ غالباً ما يُحمَّل الاتحاد الأفريقي مسؤولية الإخفاق في إنهاء النزاع، بينما يتم التغاضي عن العوامل الداخلية التي قادت إلى الانهيار، وعلى رأسها فشل النخب السياسية والعسكرية في بناء دولة مدنية مستقرة منذ الاستقلال. فالانقلابات، وتسييس المؤسسة العسكرية، وتفكيك الانتقال الديمقراطي، كلها وقائع سابقة على أي دور إقليمي، ولا يمكن عزوها إلى مواقف الاتحاد أو سياساته. وفي هذا الإطار، يُلاحظ أن الخطاب الذي يطالب بإصلاح الاتحاد الأفريقي كثيراً ما يُستخدم بوصفه أداة سياسية لتبرير رفض المسارات التفاوضية الإقليمية، أو لإضفاء شرعية على الانسحاب من آليات الوساطة الأفريقية. ويكمن الخطر في هذا الخطاب في أنه يحوّل النقد المشروع للأداء المؤسسي إلى ذريعة لتعطيل أي جهد جماعي لإنهاء النزاعات. في المقابل، لا يعني هذا التحليل تبرئة الاتحاد الأفريقي من أوجه القصور التي يعاني منها، بما في ذلك ضعف استقلالية القرار، وتأثره بالضغوط الدولية، وتناقض مواقف بعض أجهزته. غير أن هذه القصور ينبغي فهمها بوصفها انعكاساً مباشراً لانقسام الإرادات داخل المنظمة، لا نتيجة مؤامرة خارجية أو خلل أخلاقي ذاتي. إن التجارب المقارنة تؤكد أن المنظمات الإقليمية القوية لا تنشأ إلا في سياق دول وطنية مستقرة، ذات مؤسسات فاعلة وأنظمة حكم شرعية. فالاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، لم يكتسب قدرته الحالية إلا بعد ترسيخ الديمقراطية داخل دوله الأعضاء، وليس العكس. وعليه، فإن الرهان على إصلاح الاتحاد الأفريقي دون إصلاح الدولة الوطنية يمثل قلباً لمعادلة التطور المؤسسي. بناءً على ذلك، فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من داخل الدول الأفريقية نفسها: بإعادة بناء العقد الاجتماعي، وإخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان المشاركة السياسية الواسعة. حينها فقط يمكن الحديث عن اتحاد أفريقي أكثر استقلالاً، وأكثر قدرة على إدارة النزاعات، وأكثر التزاماً بمبادئه المعلنة. خلاصة القول، إن السؤال المركزي لا ينبغي أن يكون: كيف نُصلح الاتحاد الأفريقي؟ بل: كيف نُصلح الدول التي يتكوّن منها هذا الاتحاد؟ فلا يمكن لمنظمة إقليمية أن تتجاوز في أدائها مستوى الشرعية والمؤسسية الذي تمثّله دولها الأعضاء. ومن دون إصلاح وطني شامل، سيظل الحديث عن إصلاح الاتحاد الأفريقي خطاباً دائرياً يعيد إنتاج الأزمة بدل معالجتها.’

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …