إطفاء المدن بالنار… إلى متى؟

تتصاعد الحرب في بلدنا المنكوب كأنها تمتحن قدرة الأهالي على الاحتمال الأخير، فيما تتكاثر الاتهامات بين طرفي الصراع حول مسؤولية الدم المهدور، وتزداد البنى المدنية هشاشة أمام نيران لا تميّز بين جبهة وسوق، ولا بين ثكنة ومستشفى.
عنفٌ يتسع، وخطابٌ يتقابل بالإنكار، وساحةٌ مفتوحة على خسارات متراكمة، في وقت يخفت فيه الصوت الدبلوماسي الذي كان يُراهن عليه لفرملة الانحدار.

تحت سماء شمال كردفان، انطفأت الأُبَيّض فجأة. ضربة بطائرات مسيّرة أصابت محطة الكهرباء، فغابت المدينة عن الضوء، وبقيت في مواجهة قلقها العاري. معارك السيطرة على المنطقة الحيوية تتواصل، والمدينة المحاصَرة بالكهرباء المقطوعة تبدو وكأنها تُدفع خطوة إضافية نحو العزلة، حيث يتحول التيار المنقطع إلى رمز لانسداد أوسع.

في النيل الأبيض، جاء الفجر مثقلاً بالانفجارات. كنانة وعسلاية تعرضتا لهجوم بمسيّرات انتحارية، امتدت أصداء الاشتباكات إلى ربك، وارتفع الذعر بين السكان، خصوصاً مع توقيت مبكر يعيد تعريف الصباح بوصفه لحظة خوف.
مضادات أرضية تشق الهواء، وأصوات لا تترك مجالاً للشك بأن رقعة النار تتسع باتجاه الوسط.
مصادر محلية تحدثت عن تصاعد خطير في استهداف الأعيان المدنية، وعن استخدام للقوة الجوية يضع علامات استفهام قاسية حول احترام قواعد الحرب.

تقارير حقوقية تشير إلى شمال دارفور، حيث استُهدفت بلدة غرير، وسقط مدنيون، ودُمّر السوق بالكامل. نساء وأطفال بين الضحايا، وجثامين أحرقتها النيران، في مشهد يختزل القسوة حين تفلت من أي وازع.
اللغة الحقوقية لا تُخفي غضبها. توصيف للهجمات باعتبارها عنفاً بالغ الخطورة، واستخفافاً بحياة المدنيين، وانتهاكاً صارخاً لمبادئ الحماية المنصوص عليها دولياً. الأسواق والأحياء السكنية وأماكن التجمع تتحول إلى أهداف، فيما تتكدس الاتهامات بارتكاب جرائم تستوجب مساءلة تتجاوز حدود الداخل.

دارفور تعود إلى الواجهة بوجعها الثقيل. قصف طال مستشفى، وسقط عشرات من المرضى والكوادر الطبية. بيانات إدانة تتحدث عن حملات ممنهجة ضد المرافق الحيوية، وعن هجوم بمسيّرة على المستشفى الوحيد في منطقة الزُرُق، وعن واقعة أخرى في الفردوس بوسط الإقليم أودت بحياة أكثر من خمسة وثلاثين مدنياً.

جنوب كردفان بدوره يعيش تحت تدوين مكثف، ومدينة الدلنج محاصَرة، شبكات الاتصال مقطوعة، والأرقام عصيّة على الحصر، فيما تلوح نُذر كارثة صحية وإنسانية مع نقص الغذاء ومستلزمات العلاج.
تحذيرات تُستحضر من سيناريو الفاشر، حيث أعقب العنف واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم.

الخشية أن تتكرر الصورة، وأن تتراكم المأساة على مأساة في بلد يستنزفه الصراع منذ أبريل 2023.
في الخلفية، تبدو الجهود السياسية متعبة. مبادرات إقليمية ودولية لم تُحدث اختراقاً، ومحاولة رباعية لفرض هدنة إنسانية لثلاثة أشهر اصطدمت برفض قاطع من الجيش، رغم إبداء الدعم السريع تفاعلاً إيجابياً.
بهذه الوتيرة الدامية، يمضي بلدنا المنكوب بين حرب تشتد، ودبلوماسية تتراجع، وشعب يدفع أثماناً تتجاوز قدرته على العدّ، فيما يبقى السؤال معلقاً فوق الركام: إلى متى؟

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

إرث الكيزان: البندقية في وجه الجميع

إرث الكيزان: البندقية في وجه الجميعفي مواجهة خطاب يشرعن اغتيال خالد سلكنزار عثمان السمندل لغةُ …