إطلاق سراح .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
9 يناير, 2015
منشورات غير مصنفة
26 زيارة
غربا باتجاه الشرق
mustafabatal@msn.com
وددت أن أضم صوتي الى اصوات المطالبين باطلاق سراح الاستاذين الدكتور امين مكي مدني وفاروق ابو عيسى، ولكنني اكتشفت ان عبارة (اطلاق سراح) لا وجود لها في صحيح اللغة العربية، رغم ان بعض المعاجم قد اعتمدتها تمشياً مع مبدأ الخطأ المشهور، الذي هو افضل من الصواب المغمور.
وقد شغلني هذا الأمر بأكثر مما شغلتني قضية (اطلاق سراح) الاستاذين نفسيهما. وبدا لي أنه من الأجدى ان أصوّب جهدي باتجاه تحرير معني العبارة وتجليتها، أولاً وقبل كل شئ. حتى اذا ما دعوت الحكومة بعد ذلك الى (اطلاق سراح) أحد دعوتها عن بينة.
وأنا في حقيقة الأمر لم اتشرف بمعرفة الاستاذ فاروق ابوعيسى شخصياً، ولكن علاقتي بحبيبنا الدكتور أمين مكي مدني وثيقة، واعرف عنه يقيناً انه يستمسك بالاصول ولا يحب الحال المايل. ولو بلغه انني دعوت الى (اطلاق سراحه) ثم اكتشف ان دعوتي لا وجود لها في اللغة العربية فقد يسوؤه الامر ويغضب مني.
والسراح في اللغة هو التسريح والتحرير. وقولك سرح الماشية، يعني تركها حرة تسرح وتمرح. ومن معانيه الطلاق (وسرحوهن سراحاً جميلا). وطلق المرأة تعني سرّحها. وفي المعاجم السراح هو (الإطلاق)، أى ان تطلق الشئ من عقاله. وهكذا فإذا قلت (اطلاق السراح) فكأنك تقول (إطلاق الاطلاق)!
وحاشا ان انادي (بإطلاق إطلاق) فاروق وأمين. وما أدراني ما تصنع العصبة المنقذة بندائي ان فعلت؟! واحبابي هؤلاء معروف عنهم الخبث. وقد يستغلون دعوة اطلاق الاطلاق هذه فيطلقون هذين الحبيبين الى القمر او المريخ، ويتركوهما هناك، ويرتاحون من شغبهما الى الأبد. لا سيما وقد بلغني ان مصانع جياد، مفخرة الانقاذ، ما برحت تحث الخطى وتعمل في صمت على بناء اول قمر فضائي سوداني. وليس عزيزاً عليها بإذن ربها ان تمضى قدماً فتصنع مركبة فضائية على غرار أبوللو!
وكنت قد جهدت حتي انحبس صوتي، وكلّت حواسيبي، خلال حياتي الاكاديمية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، طالباً للدراسات العليا، ثم باحثاً في معاهد الفرنجة في اوربا وامريكا، وأنا أسعى لاقناع هؤلاء بأن عبارة “شريعة لوز”(Sharia’a laws) لا وجود لها في اللغة ولا في الفقه.
ولكن تلك العبارة العدمية ظلت مع ذلك اكثر العبارات شيوعاً عند هؤلاء المخابيل، يستخدمونها عند كل شأن من شؤؤن الاسلام. ولفظة شريعة تعني (القانون) او (القوانين). ولفظة “لوز” Laws)) في الانجليزية تعني القوانين ايضاً. وقولك (شريعة لوز) ترجمتها المباشرة (قوانين القوانين). ولطالما نصحتهم بأن يعتصموا بجذع شجرة (Islamic Sharia’a) او (الشريعة الاسلامية)، ولكن على من تلقى مزاميرك يا داؤد!
غير أن ولع اكاديميي الفرنجة وصحافييها بالشريعة لوز والشريعة فستق ليس اكبر همنا في يومنا الاغبر هذا، ولا ينبغي له. بل أن اكبر همنا ومبلغ قلقنا هو حال الحبيبين الدكتور أمين والاستاذ فاروق.
وقد سرّني أن طالعت اليوم بياناً مهنياً حقوقياً لنقابة المحامين السودانيين يطالب الحكومة ب (إطلاق إطلاق) الحبيبين. وقد رحب بالبيان وأيده الاستاذ محمد ضياء الدين الناطق الرسمي باسم تحالف قوى الاجماع الوطني، الذي صرح لصحيفة (الرأى العام) اول أمس الخميس بأن: “خطوة نقابة المحامين رغم تأخرها خطوة مطلوبة”.
وقد أعجبني الدفع القانوني الاول الذي أبرزته النقابة في بيانها وهو: (الفعل الذي قام به المتهمان لا يتعدى النية، والمرء لا يحاسب على مجرد نواياه، بل يجب ان تقترن النية بالعمل). وهو دفع وجيه. ولكن حيّرني الدفع الثاني الذي جاء فيه: (ثم أن محتوى ميثاق السودان الذي وقعاه لا يساوي الحبر الذي كتب به). سبحان الله. ما شأن النقابة بأمر كهذا؟ أأنتم من اشتريتم الحبر ودفعتم ثمنه؟!
اتصور ان النقابة تخيرت فاروق وأمين باعتبارهما محاميان ينتميان الى صفوفها. ذلك أمرٌ مفهوم تماماً. ولكن ماذا بشأن المعتقل الثالث الاستاذ فرح عقار، الذي شغل منصبين وزاريين في ظل نظام الانقاذ، وترشح تحت راية المؤتمر الوطني لتولى منصب والي النيل الازرق، قبل ان يُخيّل اليه انه رأى مروجاً اكثر خضرة على الجانب الآخر، فقفز من سفينة الانقاذ الى (دفار) الجبهة الثورية؟!
كون هذا السياسي، المهرول بين المعسكرين، ليس مشهوراً لا يعني ان يتم تصويب الجهود باتجاه الاولين، بينما يترك هو وحيداً بغير نصير الا عشيرته الاقربين وبعض محازبيه. وأحسب ان تلك بعض المحن التي قد تصيبك عندما يتم اعتقالك وسط نجمين ساطعين.
حلوا وثاق النجمين وفكوا أسرهما، هداكم الله. و(أطلقوا سراح) المهرول الثالث!
نقلاً عن صحيفة (السوداني)
////////