إعادة الإعتبار للجهل! .. بقلم: د. مرتضى الغالي
20 أبريل, 2018
د. مرتضى الغالي, منبر الرأي
94 زيارة
هناك من يرون أن جهات بعينها هي التي تطلق كل يوم الغريب من الأخبار حول العجيب من الأقوال والتصريحات والأحداث بغرض شغل الناس بسفاسف الأمور، وصرفهم عن المجرى الرئيسي للأزمات الكبرى والمشاكل الحقيقية التي تواجه الوطن وتكاد تعصف به وتلقى به في هوة بلا قرار! ويضربون المثل بما يقال ويصدر من تصريحات وبيانات حول (الفئران) التي تأكل الجسور، و(الضب) الذي يعطل الكهرباء، و(النمل) الذي ينهب مخازن السكر، و(الجن) الذي يكشف إمتحان الكيمياء… وهلمجرا..!
وقد كنا نرى أن هذه الأقوال والظواهر هي نتيجة طبيعية للغيبوبة التي يعيش فيها السودان نتيجة لتصرفات المسؤولين وللتدهور المريع في ذهنية شاغلي المناصب العامة وعودة (الجهل المسلّح)! ولكن ربما فوق كل هذا؛ هناك فعلاً من يريد أن يشغل الناس عن (البلاوي الحاضرة) بسفاسف القصص والحكايات التي تشغل الناس عن الدواهي، خاصة وأن هذه القصص والتصريحات العجيبة تنطلق (في تزامن ملحوظ) مع الأزمات الكبرى مثل الاختلاسات المدوّية، وكارثة تسرّب الإمتحانات، وانهيار المنشآت الجديدة، والانخفاض القياسي والمتسارع لقيمة الجنيه مقابل الإرتفاع الجنوني للدولار..إلخ
وما سمعناه أمس وما تم نشره وانتشاره من حديث لنائب برلماني من أحزاب التوالي بإسمه ورسمه ربما يصب في هذا الإتجاه! فهو يقول على رؤوس الأشهاد بما لم نسمع مثله إلا منه؛ فمنذ تاريخ البشرية والناس يعرفون أن الشعوب قد تصبر أو لا تصبر على حكّامها، ولكنه (يعكس الآية) ويقول إن الرؤساء (يُشكرون) لأنهم يصبرون على الشعوب! هذا الإختراع هو (ماركة مسجلة) لهذا الرجل ويمكن أن يطالب فيه بحقوق (الملكية الفكرية) ويدخل به (قوائم جينيس) التي تسجل عجائب الدنيا وترصد الأغرب والأكبر والأسرع والأعلى والأطول و(الأغبى)! ومهما جمح الخيال في أنواع المداهنة والمنافقة والتقرّب والتودد فلن يبلغ الناس مثل هذه الشواهد العبقرية التي تكشف عن )طبيعة عقلية( من قذفت بهم المقادير إلى المنصات العليا التي تملك حق الإنابة عن الشعوب وتشريع قوانين الدول ورقابة الحكومات والإفتاء في شؤون الحرب والسلام والاقتصاد والمعاش! والكلام الذي يُقال على ألسنة من يتسنّمون مناصب الوزارة والبرلمانات يؤخذ خارج البلاد بجدية، ويتم الحكم من خلاله على طبيعة البلد ومستوى علاقات الحكام والمحكومين وأحوال السياسة فيه..الخ فماذا يمكن أن يُقال عن السودان عندما مطالعة (هذه الإفادة البرلمانية) التي تقاذفتها وكالات ومواقع الإعلام الخارجية لغرابتها، وهي بذلك تمد علينا لسان السخرية، وتترحّم على ما كانت تعلمه من رجاحة عقول أهل السودان الذي كان يُعرف بانه بلد الحصافة والعقلانية والسمعة الثقافية والمهنية الطيبة!
لقد أصبحنا نرى في بلادنا العديد من مظاهر المساعي المحمومة التي تعمل على (إعادة الإعتبار للجهل) حيث يعتقد من يقومون بذلك أن من شروط (الاستدامة القهرية) نشر ألوية الجهل عبر تكسير مجاديف التعليم وإهمال المدارس و(لخبطة المناهج) والهزؤ بالإمتحانات وغزو الجامعات بالراسبين، وملء الأثير الإعلامي بكل غث من أدعياء الخبرة والمعرفة، وأصحاب الدجل والشعوذة، والدعاة الذين لا يفقهون (كو) من سبحان الله! والمتنبئين الكذَبة، والشيوخ الذين يزعمون معرفة الغيب ويحددون فترة ولايات الحكّام…قاتلهم الله أنى يؤفكون!
murtadamore@yahoo.com