كتب د. محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية
wadrajab222@gmail.com
مدخل استهلالي
بعد أكثر من عقدين من العمل في دراسات الكوارث والأمن الإنساني، يخلص الكاتب إلى قناعة راسخة بأن الخرطوم، رغم رمزيتها ومكانتها، لم تتوافر يوما على مقومات المدينة الحضرية الحقيقية. فقد نشأت في ظروف هشّة، بلا تخطيط يضمن مرونتها في مواجهة الأزمات، ولا مقومات تجعلها عاصمة مستجيبة لاشتراطات الحضر والمرونة اللازمة. ومن هذا المنطلق، يرى الكاتب أن إعادة إعمار الخرطوم بعد الحرب لا ينبغي أن تقتصر على الترميم، بل يجب أن تفتح الباب أمام التفكير في نقل العاصمة إلى موقع جديد يُبنى وفق أسس حضرية حديثة، تتوافر فيه شروط الاستدامة والقدرة على امتصاص الصدمات، بما يمنح سكانه فضاءً آمنًا وعادلًا يستجيب لمتطلبات المستقبل.
إن هذه الرؤية لا تعني التخلي عن الخرطوم أو إهمال إعادة إعمارها، بل تعكس قناعة بأن إعمار المدينة واجب آني تجاه أهلها وذاكرتها، بينما يمثل نقل العاصمة مشروعا إستراتيجيا يهدف إلى بناء فضاء حضري جديد يتفادى هشاشة الحاضر ويستجيب لتحديات المستقبل.
نص المقال
تطرح الحرب التي دمرت الخرطوم سؤالا جوهريا يتجاوز الدمار المادي إلى البنية الفلسفية التي تقوم عليها فكرة المدينة ذاتها: لمن تنتمي المدينة؟ هل هي مجرد تجمع عمراني يمكن إعادة بنائه متى ما توفرت الموارد، أم هي فضاء اجتماعي وثقافي وحق جماعي يخص سكانه قبل أن تكون سلعة في سوق رأس المال؟ هنا تبرز رؤية المفكر ديفيد هارفي، الذي صاغ مفهوم الحق في المدينة بوصفه إطارا نضاليا في مواجهة قوى رأس المال الطفيلي التي تستولي على الفضاء الحضري وتعيد تشكيله لخدمة مصالحها. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تاريخ الخرطوم في عهد التمكين السياسي بوصفه عملية ماكرة تم فيها مقايضة الولاء بالعقار في امتدادات الخرطوم الجديدة، مما حوّل المدينة إلى فضاء تتحكم فيه قلة نافذة.
هذه الإشكالية تضاعفت بفعل الحرب الحالية. فالتاريخ الحديث، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، لم يشهد حالة تهجير شبه كامل لسكان عاصمة كما حدث في الخرطوم. ملايين السكان غادروا مدينتهم قسرا، تاركين وراءهم ذاكرة المكان وأحياءهم ومراكز حياتهم الاجتماعية. ولهذا، فإن العودة بعد الحرب لا يمكن أن تُختزل في إعادة الإعمار المادي للبنى التحتية، بل يجب أن تكون عودة مزدوجة: عودة المدينة إلى أهلها، وعودة الأهالي إلى مدينتهم. الأولى تعني تحرير الخرطوم من قبضة رأس المال الطفيلي الذي احتكر الأرض وحركة التطوير لعقود، بينما الثانية تعني تمكين سكانها، خاصة الطبقات الوسطى والدنيا، من العودة إلى أحيائهم دون عوائق اقتصادية أو سياسية أو مخاطر منظورة وغير منظورة.
لقد أثبتت تجربة الحكم الممتدة لزهاء ثلاثة عقود أن قلب الخرطوم كان مسرحا لنهب منظّم ارتبط بالتمكين السياسي والفساد. فقد كشفت لجنة إزالة التمكين بعد ثورة ديسمبر عن حجم الجشع الذي مارسته القوى الحاكمة آنذاك ( الإسلاميون)، إذ جرى الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي السكنية، وحتى الأوقاف الإسلامية لم تسلم من التغوّل، فحُوِّلت إلى مشاريع استثمارية ضخمة تخدم مصالح قلة نافذة. كما جرى تحويل أراضٍ زراعية إلى سكنية دون أي اعتبار لحاجة المدينة إلى غطائها الأخضر ومتنفسها البيئي. وهكذا أصبحت الخرطوم ضحية لسياسات لم تستهدف تنميتها بقدر ما سعت إلى نهبها واستنزافها.
هذا التاريخ يجعل الحديث عن إعادة الإعمار محفوفا بمخاطر إعادة إنتاج المنظومة نفسها، خاصة مع الصعود المتواتر والمدروس للقوى القديمة وظهورها مجددا كفاعل رئيسي في سردية ما بعد الحرب. وتزداد هذه المخاطر إذا أخذنا في الاعتبار الطبيعة الهشة للخرطوم قبل اندلاع الحرب. فقد تشكّلت المدينة على مدى أربعة عقود بفعل موجات نزوح متتالية: بدأت في الثمانينيات بسبب الجفاف والتصحر الذي ضرب غرب السودان، ثم تلتها موجات أعنف نتيجة الحرب الأهلية في الجنوب، ولاحقا نزاعات دارفور، بالإضافة إلى التدهور الاقتصادي المتسارع. هذه التحولات عجّلت بظهور ما يُعرف في علوم الكوارث بـ”محركات المخاطر” (Risk Drivers)، وهي العوامل التي تزيد من هشاشة المدينة. ونتيجة لذلك، تمددت الخرطوم بشكل غير منتظم، وظهرت أحياء طرفية مكتظة بلا خدمات أساسية أو تخطيط، وارتفعت معدلات الفقر، وتدهورت البيئة، وتفاقمت آثار التذبذب المناخي. وهكذا نشأت مدينة مفتوحة على الكوارث، عاجزة عن امتصاص الصدمات، سواء كانت طبيعية أو بشرية.
مهما يكن من أمر، لم يكن النزوح الأخير مجرد انتقال جغرافي، بل كان اقتلاعا مؤلما من الجذور. فكثير من الأسر وجدت نفسها مشتتة بين نزوح داخلي قاسٍ ولجوء خارجي أشد مضاضة، فحدث ما يشبه الانفصام المكاني (Spatial Schizophrenia)، أي الانقسام النفسي الحاد بين الجسد الذي يعيش في مكان جديد والروح التي بقيت معلقة بالمكان الأصلي. ظل الناس مرتبطين نفسيا بأحيائهم القديمة، محتفظين بذكريات بيوتهم التي هُدمت أو نُهبت، وحنينهم إلى شوارعهم وأزقتهم التي تحمل في طياتها عبق حياتهم اليومية: روائح القهوة المختلطة بالبخور، ونفحات الطلح المنبعثة من الحيشان الواسعة. هذه التفاصيل الصغيرة تمثل روح المدينة المفقودة التي لا يمكن أن يعيدها الإسمنت وحده.
وقد بلغ هذا الانفصام المكاني ذروته لدى كثير من كبار السن الذين لجؤوا إلى مدن مثل القاهرة. فعلى الرغم من أنهم عاشوا في ظروف مريحة نسبيا، الا أنهم ظلوا أسرى ألم داخلي لا يخففه الأمن المادي، إذ بقيت أرواحهم معلقة في الخرطوم، تبحث عن أحيائها وأصواتها وروائحها المألوفة. كان هذا الصراع النفسي أقسى من أي ضيق معيشة، حتى أن بعضهم رحلوا بصمت، ضحايا لفقدان المكان الذي شكّل ذاكرتهم وهويتهم. وهرصهم تحت قضبان الحنين الجارف.
وإذا كانت الحرب قد فجرت أزمات داخلية عميقة، فإن الخرطوم تواجه في الوقت نفسه تهديدات خارجية لا تقل خطورة. فحتى نهر النيل، شريان حياتها، أصبح مصدر قلق جديد مع اكتمال مشروع السد الإثيوبي. فالخرطوم التي كانت تتعامل في الماضي مع زيادات طبيعية في مناسيب النيل لا تتجاوز بضع مليمترات في ذروة الفيضان، ستواجه اليوم خطرًا مركبًا: ماء طبيعي تتحكم في تدفقه بنية بشرية هائلة (،السد). وأي خطأ في تشغيله أو انهياره قد يتحول إلى كارثة فيضانية غير مسبوقة، وهو ما يضع الخرطوم أمام كارثة ماحقة.
على عموم الأمر، إن إعادة إعمار الخرطوم ليست مسألة هندسية فحسب، بل هي مشروع شامل يتطلب تفكيرا سياسيا واجتماعيا عميقا. فالمهمة الأساسية تكمن في إعادة صياغة علاقة المدينة بأهلها، بحيث تُبنى على أسس العدالة والحق المشترك، لا على استغلال رأس المال الطفيلي المرتبط بالنفوذ السياسي. ويجب أن تبدأ عملية الإعمار باسترداد الأراضي التي نُهبت خلال عقود الفساد، وإعادة توزيعها بما يخدم الصالح العام، مع وضع تشريعات صارمة تمنع تكرار ما حدث. كما ينبغي إعادة النظر في التخطيط الحضري ليحقق توازنا بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة، وبناء نموذج حضري جديد يأخذ في الاعتبار التغيرات المناخية ومخاطر الفيضانات والتحولات السكانية، عبر إشراك المجتمعات المحلية في عملية التخطيط والتنفيذ، بحيث تصبح عملية جماعية تُعيد الثقة بين الدولة والمواطنين.
ولأن الخرطوم مدينة شهدت تدميرا شاملا، فإن إعادة إعمارها لا يمكن أن تقتصر على الجانب المادي أو الاقتصادي، بل يجب أن تكون عملية تطمينية شاملة تعيد الثقة وتمنح المواطنين شعورا بالأمان والانتماء. وهنا تبرز ثلاثة ركائز أساسية يجب أن تضعها الجهات المسؤولة عن الأمن والإعمار في اعتبارها:
أولاً، طمأنة المواطنين بأن الخرطوم خالية تماما من أي مخاطر، خاصة الكيميائية أو البيولوجية التي قد تكون خلفتها الحرب، وأن العودة إليها آمنة بشكل كامل.
ثانياً، اعتبار أن الإعمار شأن مجتمعي لا يقتصر على الحكومة أو الشركات، بل يشارك فيه السكان جميعا، حتى ولو بأبسط صور المشاركة مثل تنظيف الشوارع أو كنس المنطقة أمام المنازل، بما يعيد روح المسؤولية المشتركة والانتماء إلى الفضاء العام.
ثالثاً، إعادة المدينة لأهلها على النحو الذي طرحه هارفي، بحيث لا تُختزل في مجموعة وسطاء أو نخب تحركهم مصالحهم الخاصة، بل تكون مدينة مفتوحة للجميع، يتساوى فيها السكان في الحقوق والفرص ولا يُحتكر القرار بيد فئة صغيرة.
يمكن القول إجمالاً إن إعمار الخرطوم سيكون اختبارا حقيقيا للإرادة السياسية في السودان. فإذا ظل القرار بيد النخب القديمة نفسها، فستُعاد المدينة لتخدم مصالحها فقط، مما يهيئ لانفجار جديد في المستقبل. أما إذا جرى تفكيك منظومة الفساد والتمكين، ومُنح سكان الخرطوم فرصة المشاركة الفعلية في صياغة مستقبلهم، فقد تنبثق مدينة أكثر عدلاً ومرونة. لقد كشفت الحرب التي دمرت الخرطوم حدود النموذج القديم الذي حكم المدينة لعقود، واليوم، بينما يقف السودان على مفترق طرق، فإن السؤال الأهم ليس متى ستُبنى الخرطوم، بل لمن ستُبنى. فإذا كانت الإجابة: “لأهلها جميعا، بلا استثناء”، عندها فقط يمكن أن تتحول الخرطوم من رمز للخراب إلى نموذج للنهضة.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم