إعادة بناء الجيش السوداني بعد الحرب: التحديات والآفاق

دكتور محمد عبدالله

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، دخلت البلاد مرحلة غير مسبوقة من التفكك المؤسسي والعسكري. فما بدأ خلافات سياسية عميقة في أعقاب ثورة ديسمبر، تحوّل سريعاً إلى صراع مفتوح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ليضع الدولة أمام اختبار وجودي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ولم يهدد هذا الصراع وحدة السودان فحسب، بل أعاد طرح سؤال ظل معلقاً منذ الاستقلال: كيف يمكن بناء جيش وطني موحد يمثل الدولة لا السلطة، ويحتكر أدوات القوة باسم الوطن لا باسم الفصيل؟

لم يعرف السودان، في معظم مراحل تاريخه الحديث، جيشاً واحداً يحتكر السلاح بصورة كاملة. ففي العقود الأخيرة من حكم الرئيس المعزول عمر البشير، نشأت تشكيلات أمنية ومليشيات موازية للجيش النظامي؛ بعضها تشكّل لمواجهة تحديات أمنية داخلية، وبعضها الآخر ارتبط بإدارة الحروب في الأطراف، خصوصاً في إقليم دارفور. ومع مرور الوقت، تحولت هذه القوى إلى مؤسسات عسكرية قائمة بذاتها، لها مواردها الاقتصادية ونفوذها السياسي وأجنداتها الخاصة.

هذا الإرث جعل الحرب الحالية أكثر من مجرد نزاع بين قوتين عسكريتين؛ فهي نتيجة طبيعية لتراكم سياسات قامت على توزيع القوة العسكرية بدلاً من احتكارها داخل مؤسسة وطنية واحدة. وكأن السودان يدفع اليوم ثمن عقود من التوازنات الهشة التي أجّلت الحسم في سؤال الدولة لصالح تسويات مؤقتة.

التحدي الأول: دمج القوات وتوحيد السلاح

الحديث عن إعادة بناء الجيش السوداني يبدأ حتماً بمعالجة قضية تعدد الجيوش. فالسلام الحقيقي لن يصمد ما دامت هناك قوات مسلحة خارج هيكل الدولة تمتلك سلاحاً ثقيلاً وولاءات موازية. غير أن عملية الدمج هذه ليست إجراءً تقنياً يمكن إنجازه بقرارات إدارية، بل هي عملية سياسية معقدة تتطلب اتفاقاً جوهرياً حول شكل الدولة ومستقبل السلطة في البلاد.

التجارب التاريخية تشير إلى أن القوى العسكرية لا تتخلى عن سلاحها بسهولة ما لم تحصل على ضمانات واضحة بمكانتها في النظام الجديد، سواء عبر المشاركة السياسية أو عبر إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية بطريقة تحفظ التوازنات وتمنع الإقصاء. لذلك، فإن أي مشروع جاد لدمج القوات سيحتاج إلى جدول زمني يمتد لسنوات، وإلى ضمانات داخلية وخارجية تحول دون الانتكاس.

التحدي الثاني: إصلاح العقيدة العسكرية

من الإشكاليات العميقة في التجربة السودانية أن الجيش ظل، على مدى عقود، لاعباً سياسياً مباشراً. فمنذ الاستقلال، شهد السودان سلسلة من الانقلابات العسكرية جعلت العلاقة بين الجيش والدولة علاقة ملتبسة ومعقدة. فالمؤسسة التي يفترض أن تكون صامتة سياسياً، كانت في كثير من الأحيان هي من يقرر متى يسقط النظام ومتى يقوم آخر.

لذلك، فإن إعادة البناء لا تتعلق فقط بدمج القوات تحت قيادة موحدة، بل بإعادة تعريف العقيدة العسكرية نفسها. فالهدف هو تحويل الجيش إلى مؤسسة مهنية محترفة، مهمتها حماية الدولة من الأخطار الخارجية لا حكمها أو الانخراط في صراعاتها الداخلية. ويتطلب ذلك إصلاحاً عميقاً في مناهج التدريب والتعليم العسكري، وإعادة بناء هياكل القيادة على أساس الكفاءة والمهنية، بعيداً من الانتماءات السياسية أو الولاءات القبلية.

التحدي الثالث: فك اشتباك الاقتصاد عن السلاح

خلال العقود الماضية، بنت المؤسسات العسكرية والأمنية في السودان إمبراطوريات اقتصادية واسعة شملت شركات في مجالات التعدين والزراعة والتجارة والخدمات. وما بدأ في الأصل كآلية تمويل ذاتي لتأمين احتياجات الجيش، تحول تدريجاً إلى شبكات مصالح ضخمة جعلت من بعض القيادات العسكرية فاعلين اقتصاديين مؤثرين.

إعادة بناء الجيش تستلزم إعادة نظر جذرية في هذه المنظومة. فالجيوش التي تمتلك اقتصادات مستقلة تميل غالباً إلى التحول إلى قوى سياسية مستقلة عن الدولة، بل أحياناً فوقها. ومن هنا فإن دمج الاقتصاد العسكري في الاقتصاد الوطني، وإخضاع موازنات المؤسسة العسكرية للرقابة المدنية والبرلمانية، يشكلان خطوة أساسية في أي إصلاح حقيقي.

التحدي الرابع: استعادة الثقة بين الجيش والمجتمع

الحروب الداخلية لا تترك آثارها في البنى التحتية فحسب، بل تخلّف أيضاً ندوباً عميقة في النسيج الاجتماعي. فقد شهدت مناطق عديدة في السودان، خصوصاً في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، انتهاكات ونزوحاً واسعاً نتيجة الصراعات المسلحة.

لذلك، فإن إعادة بناء الجيش ينبغي أن ترافقها عملية أوسع لإعادة بناء الثقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع. ويمكن أن يتحقق ذلك عبر آليات العدالة الانتقالية التي تحاسب مرتكبي الانتهاكات دون أن تستهدف المؤسسة بأكملها، وعبر حوار مجتمعي يشرك منظمات المجتمع المدني والنازحين والمتضررين في النقاش حول مستقبل الأمن والدفاع في البلاد. فجيش بلا ثقة شعبية يتحول إلى قوة منفصلة عن مجتمعها.

لن يكون إصلاح الجيش ممكناً من دون دور فاعل للقوى السياسية والمدنية. فالتجارب الدولية في الدول الخارجة من الحروب الأهلية تظهر أن إصلاح القطاع الأمني ينجح فقط عندما يكون جزءاً من مشروع سياسي شامل لإعادة بناء الدولة. وفي السودان، ما زالت القوى المدنية تبحث عن صيغة توحدها بعد سنوات من الانقسام، لكنها تظل ركناً أساسياً في أي معادلة مستقبلية.
غياب التوافق السياسي يجعل أي إصلاح عسكري هشاً، بل قد يحوله إلى أداة في صراع جديد بين الأطراف المتنافسة. ومن ثم فإن الطريق إلى جيش موحد يمر حتماً عبر حوار سياسي واسع تتفق فيه القوى المدنية والعسكرية على قواعد جديدة للحياة السياسية في السودان.

رغم صعوبة المهمة وتعقيد التحديات، فإن إعادة بناء الجيش السوداني قد تحمل فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة. فالحروب، على قسوتها وكلفتها الباهظة، كثيراً ما تفتح الباب أمام إصلاحات عميقة لم تكن ممكنة في الظروف العادية.

إذا نجح السودانيون في تحويل نهاية هذه الحرب إلى لحظة تأسيس جديدة، فقد يخرج من ركام المعارك جيش وطني مختلف عما عرفته البلاد في تاريخها الحديث: جيش مهني موحد، محايد سياسياً، خاضع لسلطة مدنية ديمقراطية، ومهمته الأولى حماية الوطن لا حراسة الأنظمة.

أما إذا فشلت هذه العملية وتعثر مسار الإصلاح، فإن خطر تعدد الجيوش وعودة الانقسام سيظل قائماً، ما قد يبقي السودان في دائرة عدم الاستقرار والعنف لسنوات طويلة.

في النهاية، يبقى مستقبل الجيش السوداني مرآة صادقة لمستقبل الدولة نفسها. فإذا استطاعت البلاد بناء نظام سياسي مستقر وعادل، يصون الحقوق ويوزع الثروة بصورة منصفة، فسيكون من الممكن بناء جيش يعكس هذا الاستقرار ويحميه. أما إذا بقيت الصراعات السياسية بلا حل، فإن المؤسسة العسكرية ستظل جزءاً من المشكلة قبل أن تكون جزءاً من الحل.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

السودان بين حربه الداخلية وارتدادات الشرق الأوسط

دكتور محمد عبداللهmuhammedbabiker@aol.co.uk حين تتسع الحروب في الشرق الأوسط، نادراً ما تبقى آثارها حيث بدأت. …