باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 1 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
معاوية ماجد
معاوية ماجد عرض كل المقالات

إنهم يحلمون بسنوات أخرى لامتصاص آخر العظام

اخر تحديث: 31 أغسطس, 2026 10:42 مساءً
شارك

ثلاثون عاما ليست زمنا عابرا يمكن أن تطويه الذاكرة كما تطوي صفحة من دفتر قديم، وليست مجرد مرحلة سياسية بدأت بانقلاب وانتهت بسقوط نظام ثم مضى الناس بعدها إلى حياتهم وكأن شيئا لم يكن؛ إنها عمر كامل جرى خلاله استنزاف السودان على مهل، وامتصاص موارده ومؤسساته وطاقات أبنائه، وإعادة تشكيل دولته ومجتمعه على صورة سلطة لم تكتف بأن تحكم البلاد، وإنما أرادت أن تمتلكها، حتى غدا الوطن، في كثير من مفاصله، أشبه بجسد مفتوح أمام شبكة واسعة من المصالح والولاءات، يأخذ منها أصحابها ما استطاعوا، ويتركون للناس ما تبقى من العظم.

جاءت الإنقاذ وهي تحمل خطابا كبيرا عن الخلاص، لكنها سرعان ما بنت حول السلطة منظومة كاملة من التمكين، أعادت بها ترتيب الدولة والمجتمع والاقتصاد على أساس القرب والولاء، فتوسعت دوائر المستفيدين، وتداخلت السلطة بالثروة، وصارت الوظيفة العامة في مواضع كثيرة طريقا إلى الامتياز، وأصبح الانتماء أو القرب من دوائر النفوذ قادرا على فتح أبواب كانت مغلقة في وجه آخرين، بينما كانت البلاد تدفع، في الأطراف والمراكز على السواء، أثمانا متراكمة من الحروب والفقر والهجرة وانهيار الخدمات وتآكل المؤسسات، وكان أصحاب المشروع يمضون في مشروعهم وكأن السودان لم يكن وطنا له أهله جميعا، وإنما مساحة واسعة ينبغي أن تبقى تحت أيديهم أطول وقت ممكن.

وحين تطول يد السلطة إلى كل شيء، فإنها لا تكتفي بالسيطرة على مؤسسات الدولة، وإنما تبدأ في إنتاج شبكة اجتماعية واقتصادية وسياسية تحرس مصالحها وتعيد إنتاج نفسها، فيصبح لكل امتياز صاحبه، ولكل باب مفتاحه، ولكل فرصة طريق خاص إليها، حتى يغدو الخروج من المنظومة أصعب من الدخول فيها، ويصبح سقوط السلطة تهديدا ليس للحاكم وحده، وإنما لكل الذين تشكلت مصالحهم حول وجوده. ولهذا لم يكن سقوط الإنقاذ مجرد نهاية نظام سياسي، وإنما كان لحظة اهتزت فيها مصالح ثلاثين عاما كاملة، ووجد الذين اعتادوا أن يأخذوا من جسد البلاد ما يشاؤون أنفسهم أمام سؤال لم يكونوا مستعدين له: ماذا يفعلون إذا استعاد السودان نفسه؟

ثم جاءت الثورة، وكانت في جوهرها فرصة تاريخية نادرة لكي يعيد السودان ترتيب حياته من جديد، لا لكي يستبدل حاكما بحاكم، وإنما لكي يستعيد الدولة من يد الجماعة، ويعيد بناء مؤسساتها على أساس المواطنة والقانون، ويطلق من داخله محركات الاستقلال والنماء والتطور التي عطلتها سنوات طويلة من الاستبداد والتمكين، وكان هتاف الحرية والسلام والعدالة، في معناه العميق، محاولة لاستعادة الإنسان السوداني من الخوف، واستعادة الدولة من الذين اختزلوها في الجماعة، واستعادة المستقبل من الذين ظلوا يتعاملون معه كأنه حق محفوظ لهم.

لكن الثورة، وهي تفتح الباب نحو ذلك المستقبل، اصطدمت بإرث أكبر من أن يسقط بسقوط رأس النظام، لأن ثلاثين عاما من التمكين لا تنتهي بمجرد خروج الحاكم من القصر، وإنما تترك وراءها شبكة من المصالح والقوى والعلاقات والموارد والأسلحة، وتترك أيضا أفكارا كاملة عن السلطة وكيف تنتزع وكيف تحفظ وكيف يمكن الالتفاف على إرادة الناس إذا أصبحت هذه الإرادة تهدد ما راكمته السنوات السابقة.

وفي قلب ذلك الإرث كان ما يسمى «الدعم السريع»، وهو ليس قوة ظهرت من فراغ، وإنما نتاج لمسار طويل من صناعة القوى المسلحة الموازية وتوظيفها في إدارة الصراع، ثم تركها تتضخم حتى أصبحت لها مواردها ونفوذها وحساباتها الخاصة، وما كان في البداية أداة تستخدمها السلطة أصبح، مع مرور الوقت، قوة تستطيع أن تفاوض السلطة نفسها على موقعها، ثم أصبحت جزءا من معادلة القوة في الدولة، قبل أن تتحول إلى أحد طرفي الحرب التي مزقت السودان.

وكانت النفوس الشريرة، بحكم طبيعتها التي تجد في الفوضى منفعة، تعرف دائما كيف تدخل من الباب حين يفتح لها، وقد وجدت في هذه القوة المسلحة مجالا واسعا للحركة، فكلما امتلأت البطون وقويت السواعد، وكلما تراكم المال والنفوذ والسلاح، خلو إلى شياطينهم، وأدركوا أن ما في أيديهم يمكن أن يكون أكثر من مجرد نفوذ داخل الدولة، وأن الكرسي نفسه قد يصبح الحلم الأكبر، وأن الطريق إليه، إذا لزم الأمر، يمكن أن يمر فوق الشوارع المحترقة والبيوت المنهوبة والدماء المسفوكة، ما دام في آخر الطريق قصر حكم يلوح لهم كأنه الجائزة التي تستحق كل شيء.

وهنا بدأت الثورة تواجه امتحانها الحقيقي، لأن نجاحها كان يعني أن قواعد اللعبة التي حكمت السودان ثلاثة عقود ستتغير، وأن الدولة التي كانت تمنح القرب امتيازا ستصبح دولة مواطنين، وأن الذين اعتادوا أن تكون لهم أبواب خاصة داخلها سيجدون أنفسهم أمام قانون لا يعرف الأبواب الخاصة، ولذلك لم يعد إجهاض الثورة مجرد خيار سياسي من بين خيارات، وإنما صار، في حسابات الذين رأوا في التغيير تهديدا مباشرا لمصالحهم، ضرورة ينبغي تنفيذها قبل أن يستقر الحلم الجديد في وعي الناس ويصبح واقعا يصعب اقتلاعه.

وفي تلك اللحظة اجتمع الأشرار في ليل السياسة، لا ليبحثوا عن كيفية حماية الانتقال من عثراته، ولا ليجدوا طريقا لتصحيح أخطائه، وإنما ليبحثوا عن الطريقة التي يمكن بها وأد اللحظة التي أعادت للسودانيين إحساسهم بأنهم قادرون على تغيير مصيرهم، وكانت ساحة الاعتصام أمام القيادة العامة قد تحولت إلى أكثر من مكان للاحتجاج؛ أصبحت رمزا لسودان آخر، سودان يريد أن يرى نفسه حرا من الخوف، وأن يرى الدولة فوق الجماعة، وأن يعرف أن السلطة يمكن أن تكون قابلة للمحاسبة وأن الحاكم ليس قدرا أبديا.

ولذلك جاء فض الاعتصام باعتباره محاولة لكسر الرمز قبل أن يتحول إلى واقع، فخرج كثيرون من أرض الاعتصام بالقوة، وأخرج آخرون من الدنيا نفسها في مشاهد دامية ومرعبة لا تمت إلى الإنسانية بصلة، وسالت الدماء في المكان الذي كان السودانيون يظنون أنه سيكون بوابة العبور إلى الدولة الجديدة، فانكشفت وجوه كانت تختبئ خلف الكلمات، وخرجت شياطين كثيرة من مخابئها، وصار واضحا أن هناك من يستطيع أن يرى دم السودانيين ثمنا مقبولا إذا كان ذلك الدم سيمنع الثورة من الوصول إلى غايتها.

ومنذ تلك اللحظة صار الدخان جزءا من الحكاية، ليس فقط دخان الرصاص والعنف الذي غطى الشوارع، وإنما دخان الروايات المتضاربة التي حاولت أن تحجب الحقيقة، ودخان المصالح التي أرادت أن تلتف على السؤال الأساسي، ودخان السياسة الذي جعل من الممكن أن تتجاور في المشهد رغبة في الإصلاح مع رغبة في الاستحواذ، وأن يصبح الشعب الذي صنع الثورة هو الطرف الأقل قدرة على تحديد ما ستؤول إليه ثورته.

ثم جاءت المرحلة الانتقالية محملة بأخطائها وخلافاتها وانقساماتها، وكان يمكن لتلك الأخطاء أن تكون مادة للتعلم والتصحيح، لكن الذين كانوا ينتظرون سقوط التجربة وجدوها مادة جاهزة لإعادة إنتاج الرواية القديمة، فأصبح كل تعثر دليلا على أن الثورة كانت خطأ، وكل خلاف داخل القوى المدنية برهانا على أن الديمقراطية لا تصلح للسودان، وكل أزمة فرصة لاستعادة الحنين إلى الماضي، حتى صار الدخان أكثر كثافة، وصارت أصوات الذين رفضوا التغيير تجد لنفسها طريقا جديدا إلى المشهد.

ثم جاء انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، وكأن الدائرة بدأت تستعيد شكلها القديم، قبل أن ينفتح السودان على حرب أكبر وأشد قسوة، حرب لم تترك مدينة كما كانت، ولا أسرة كما كانت، ولا ذاكرة سودانية لم تمسها يد الخراب.

ولم تكن الحرب انفجارا خرج من فراغ، وإنما جاءت في بلد أنهكته عقود من إضعاف الدولة وتعدد مراكز القوة وتراكم السلاح وانهيار الثقة، وفي لحظة بلغ فيها الصراع على مستقبل السلطة درجة لم يعد معها السلاح مجرد أداة لحماية السياسة، بل أصبح جزءا من السياسة نفسها، وحين انفجرت الحرب وجد السودان نفسه أمام النتيجة الأكثر قسوة لمنطق ظل يتراكم طويلا: جيش، وقوة مسلحة موازية، وشبكات مصالح، وقوى سياسية تبحث عن موقعها، ومجتمع مدني منهك، وملايين المواطنين يجدون أنفسهم فجأة في قلب معركة لم يختاروها.

والدعم السريع، بكل ما يحيط به من مسؤوليات سياسية وعسكرية وما ارتبط به من انتهاكات وجرائم بحق المدنيين، يمثل أحد طرفي هذه الحرب، وإنكار هذه الحقيقة لا يغير من واقعها شيئا، كما أن رفضه سياسيا وأخلاقيا لا يعني أن وجوده كطرف مسلح يمكن تجاهله إذا كان الحديث عن إنهاء الحرب؛ فالاعتراف بوجود طرف في النزاع ليس تزكية له، والتعامل مع الواقع ليس منحه شرعية، وإنما هو الحد الأدنى من العقل السياسي الذي يريد أن ينهي الحرب لا أن يكتب رواية عنها، لأن القوة التي لا تستطيع إزاحتها من الميدان لن تستطيع إزاحتها من طاولة التفاوض بمجرد الرغبة.

ومنذ اندلاع الحرب أصبح الدخان يغطي كل شيء؛ المدن التي احترقت، والبيوت التي غادرها أصحابها، والأسواق التي أغلقت، والمستشفيات التي خرجت من الخدمة، والأسر التي تفرقت في المنافي، والذاكرة التي أصبحت مهددة بأن تغرق تحت ثقل المأساة اليومية، وفي مثل هذا الدخان يصبح من السهل على الذين يريدون العودة أن يقولوا للناس إن كل ما يحدث الآن هو نتيجة للتغيير، وإن ما قبل الثورة كان أكثر أمنا، وإن السودان لا يحتاج إلى إعادة بناء الدولة بقدر ما يحتاج إلى إعادة أصحابها، وكأن أصحاب الماضي لم يكونوا جزءا من الطريق الطويل الذي أوصل البلاد إلى هذه اللحظة.

لكن الدم لا يعيد كتابة التاريخ، والحرب لا تمنح أحدا صك براءة من الماضي، كما أن أخطاء المرحلة الانتقالية لا تمنح الماضي شهادة حسن سيرة، ولا يمكن للدم الذي يسيل اليوم أن يمحو الدم الذي سال بالأمس، كما لا يمكن للخوف الذي يعيشه السودانيون الآن أن يجعلهم ينسون لماذا خرجوا أصلا إلى الشوارع، ولهذا فإن أخطاء الانتقال، مهما كانت جسيمة، لا يمكن أن تصبح ذريعة لإعادة السودان إلى المنظومة التي ثار عليها، كما أن فشل القوى التي أدارت المرحلة الانتقالية لا ينبغي أن يتحول إلى شهادة نجاح لمن أوردوا البلاد موارد الهلاك.

وفي هذا السياق جاءت دعوة الفريق عبد الفتاح البرهان إلى الحوار، في لحظة ما زالت فيها الحرب مستعرة، وهو أمر يجعل السؤال عن طبيعة هذا الحوار وسياقه ومن يقف خلفه أكثر أهمية من مجرد الترحيب بفكرة الحوار أو رفضها، فالحوار في ذاته ليس مشكلة، بل هو أحد أبواب الخروج من الحرب، وإنما المشكلة أن يتحول الحوار إلى باب سياسي جديد تعبر منه قوى ظلت مختبئة خلف الدخان، أو أن يصبح وسيلة لإعادة ترتيب المشهد القديم بأسماء جديدة، بينما يظل السودانيون الذين دفعوا الثمن الأكبر خارج صناعة القرار.

وليس في ذلك حكم مسبق على نيات الدعوة، وإنما هو تنبيه إلى حقيقة سياسية لا ينبغي تجاهلها: أن الحرب لا تمحو الماضي، وأن الذين خرجوا من السلطة بعد ثلاثين عاما لم يختفوا من المجتمع، ولم تتبخر شبكاتهم ومصالحهم وعلاقاتهم، وأن بعضهم قد يجد في إنهاك السودانيين فرصة للعودة من أبواب لم تكن متاحة لهم قبل الحرب، خصوصا إذا أصبح التعب الشعبي أكبر من القدرة على التمييز بين من جاء ليبني دولة جديدة ومن جاء ليستعيد دولة قديمة.

وهنا يكمن الخطر الأكبر، لا في الحوار نفسه، وإنما في أن يصبح الحوار غطاء لعودة المنطق الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه، وأن تتحول الحاجة المشروعة إلى السلام إلى حاجة سياسية لاستعادة مواقع فقدها أصحابها بسقوط النظام، وأن يجري التعامل مع الحرب باعتبارها حادثا منفصلا عن تاريخ الدولة السودانية الحديث، لا نتيجة لتراكم طويل من إضعاف مؤسساتها وتعدد مراكز القوة وتغليب منطق الغلبة على منطق الدولة.

فإذا حدث ذلك، يمكن أن يبدأ المشهد من حيث انتهى لا من حيث ينبغي أن يبدأ، فتعود الوجوه القديمة إلى المسرح من بوابات جديدة، ويجد الذين أوردوا البلاد موارد الهلاك فرصة أخرى ليتحدثوا عن إنقاذها، ويصبح الدخان الذي غطى جرائم الماضي هو نفسه الدخان الذي يخفي الطريق إلى عودتهم.

وهذا هو السبب الذي يجعل الخروج من الحرب أكبر من مجرد إسكات البنادق؛ لأن السودان إذا أوقف الحرب ولم يفكك المنطق الذي أنتجها، فقد يكون قد أوقف الحريق في غرفة وترك النار مشتعلة في غرفة أخرى، وإذا أعاد بناء الدولة من دون أن يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح، فقد يجد نفسه بعد سنوات أمام القوة نفسها وهي ترتدي زيا جديدا، وإذا فتح المجال السياسي أمام من لم يغادروا عقلية التمكين، فقد تكون الديمقراطية نفسها هي الباب الذي يعبرون منه إلى استعادة ما فقدوه.

إن الخطر الحقيقي ليس فقط أن تعود الوجوه القديمة، وإنما أن تعود القواعد القديمة معها؛ أن تعود الدولة إلى موقع الغنيمة، وأن يعود السلاح طريقا إلى السياسة، وأن تعود الجماعة إلى البحث عن امتيازاتها داخل مؤسسات الدولة، وأن يعود المواطن إلى الهامش الذي خرج منه ذات يوم، وأن يجد السودان نفسه، بعد كل هذه الدماء، وقد دفع ثمنا هائلا كي يعود إلى النقطة التي بدأ منها.

لقد امتصت ثلاثون عاما من جسد السودان ما يكفي؛ أخذت من موارده، ومن مؤسساته، ومن فرص أجياله، ومن أعمار أبنائه، ومن أحلامهم، وتركت في جسده ما تركت من عظام، ثم جاءت الحرب لتواصل النهب والحرق والقتل والتشريد، ومع ذلك ما زال هناك من يحلم بأن الزمن يمكن أن يعود إلى الوراء، وأن ما تبقى من البلاد يمكن أن يكون فرصة جديدة للامتصاص.

أما الذين يحلمون بسنوات أخرى لامتصاص آخر العظام، فإنهم لا يحلمون بعودة السودان إلى عافيته، وإنما بعودة اليد التي اعتادت أن تمتد إلى جسده لتأخذ ما تبقى منه؛ فثلاثون عاما لم تكن، في حسابهم، كافية لاستنزاف البلاد، وما يزال في عيونهم ما يمكن امتصاصه من عظمها، وما يزال في شرايينها شيء يريدون الوصول إليه، وما يزال في الدولة ما يرونه غنيمة مؤجلة.

لكن السودان الذي خرج من ثلاثين عاما مثقلا بجراحه، ثم وجد نفسه في قلب حرب تأكل ما تبقى منه، ليس هو السودان الذي تركوه خلفهم، ولا ينبغي أن يكون السودان الذي يعودون إليه، فقد تغيرت الذاكرة، وتغيرت الأسئلة، وسقطت أقنعة كثيرة، وانكشف ما كان يختبئ طويلا خلف الدخان، ولم يعد ممكنا أن تقدم اليد التي ساهمت في إيراد البلاد موارد الهلاك نفسها بوصفها اليد التي جاءت لتنقذها.

لقد آن لهذا القارب أن يتوقف؛ ذلك القارب الذي صنعوه من عظام المغدور بهم، ومخروا به دماء أهل السودان، وهم يتجشؤون نعيم السنوات التي مضت، يحسبون أن الخراب قد غسل آثارهم وأن الدخان قد أخفى وجوههم، بينما كل لوح من ألواحه يحمل شاهدا، وكل عظمة فيه تحفظ حكاية صاحبها، وكل قطرة دم تحيط به تقول إن البلاد لم تنس.

وقد يستطيع الدخان أن يحجب الوجوه، لكنه لا يستطيع أن يمحو الآثار، وقد يستطيع الضجيج أن يؤجل الأسئلة، لكنه لا يستطيع قتلها، وقد تستطيع الحرب أن تربك الذاكرة، لكنها لا تستطيع أن تمنح الماضي براءة لم تكن له، ولذلك فإن السودان، مهما طال نزيفه، سيحتاج في النهاية إلى أن يفتح سجله كله، لا لكي يعيش أسيرا للثأر، وإنما لكي يعرف كيف وصل إلى هنا، ومن أين جاءت النار، وكيف أصبحت الدولة بهذا الضعف، وكيف صار السلاح بهذه القوة، وكيف تحولت ثلاثون عاما من التمكين إلى إرث تتصارع عليه قوى مختلفة حتى بعد سقوط النظام الذي صنعه.

فليحلموا كما يشاؤون بسنوات أخرى، وليبحثوا عن أبواب جديدة يعودون منها، وليختبئوا خلف ما تبقى من الدخان، لكن السودان لا ينبغي أن يمنحهم عظامه مرة أخرى؛ فقد امتصوا من جسده ما يكفي طوال ثلاثين عاما، ولم يبق ما يسمح بأن تتحول البلاد إلى مائدة أخرى، ولا أن يصبح الخراب طريقا آخر إلى القصر.

لقد حان الوقت لكي ينتهي زمن الامتصاص، وأن يستعيد السودان جسده من الذين ظلوا يتغذون عليه، وأن يصبح ما تبقى من عظامه أساسا لبناء وطن، لا مادة لقارب آخر يعبر فوق دم المغدور بهم إلى شاطئ السلطة.

وإذا كان لا بد من قارب، فليكن قاربا آخر، لا تصنع ألواحه من عظام المغدور بهم، ولا تشد أشرعته بدم الفقراء، ولا يقوده الذين أوصلوا البلاد إلى موارد الهلاك، وإنما تصنعه يد سودانية تعرف أن الوطن ليس غنيمة، وأن الدولة ليست مائدة، وأن السلطة ليست ميراثا، وأن الدم الذي سال في الطرقات لا يجوز أن يكون وقودا لرحلة أخرى نحو القصر.

أما القارب القديم، فليتركوه حيث صنعوه، في الماء الملوث بدماء الذين دفعوا الثمن، وليحملوا معهم ما تبقى من ذاكرتهم، أما السودان، فله شاطئ آخر ينتظره، شاطئ لا يحتاج فيه أحد إلى أن يمتص آخر العظام كي يثبت أنه ما زال حيا.

م. معاوية ماجد

muawiyamag@gmail.com

Author
معاوية ماجد

معاوية ماجد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

ياسر العطا .. خسارة الاسم ..بقلم: شوقي بدري
منبر الرأي
المهدية والإسلاموية في السودان (1) .. عرض وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
منبر الرأي
ههنا يكمن التكلُّس اليساروي (1) .. بقلم: د. النور حمد
اختيار منطقة “خشم القربة” لإعادة توطين الحلفاويين (2 -2): بقلم: أ.د. إسماعيل حسين عبد الله .. ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
منبر الرأي
إلا يختشي هذا الحمار من نفسه .. بقلم: الطيب محمد جاده

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الحكومة والحركة: شلل الأطفال أولى .. بقلم: مجدي الجزولي

د. مجدي الجزولي
منبر الرأي

بالريالات و الدراهم يحطمون عِزة السودان المنيعة! .. بقلم: عثمان محمد حسن

طارق الجزولي
منبر الرأي

التدخُّلُ الأجنبي ومسئوليّة انفصال جنوب السودان (6-6) .. بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان
منبر الرأي

حميدتي يتنفس الكذب

كمال الهِدَي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss