مختار العوض موسى
__ لماذا يدفع جشع “القطط السمان” لعرقلة أي مشروع لصالح أبناء الوطن؟
__ هل لأن هذا المشروع يفوت عليهم فرصة الثراء الفاحش على حساب المواطن الذي يواجه أصلا ظروفا معيشية صعبة بسبب الحرب؟
__ من يحمي تجارة العطش من الحلول؟
__ من ينتج المياه؟ من يبيعها؟ ما الأسعار؟ ما العقود؟ من يملك القرار الإداري المتعلق بها؟ وكل الأسئلة الحائرة في كشف خريطة مصالح المياه في السودان؟
استفسارات جمة تبادرت إلى ذهني عندما سمعت عن قصة المهندس إيهاب فيصل قمر الدين والتي لا تزال تضج بها الميديا حتى أصبحت قضية رأي عام، فإذا كانت الوقائع المتعلقة بقضية المهندس إيهاب ومشروعه لتحلية المياه ثابتة بالوثائق، فلا ينبغي أن تُختزل في خلاف شخصي أو نزاع حول مشروع تجاري؛ لأنها تمس سؤالاً أكبر: كيف يُعامل صاحب فكرة وطنية عندما تصطدم مصالحه بمصالح مستفيدين؟
هذه القضية لا زالت تنتظر إحابات معلوماتية قانونية توثق الإتهامات التي ساقها المهندس ليثبت أنه تعرض للظلم والإبتزاز، وأن مشروعه أُفشل بسبب مجموعة بعينها.
ويظل أقوى وصف للظلم ــ إذا أثبتت الوثائق تفاصيل القضية ــ هو: “قتل المشروع الوطني قبل أن يولد”.. هنا نسأل: لماذا القضية أكبر من إيهاب؟ والإجابة منطقية
لأن الماء ليس سلعة عادية، بل هو مسألة حياة واستقرار وتنمية. وبالتالي، إذا كانت هناك تقنية أو مشروع قابل للتطبيق لتحويل المياه المالحة إلى مورد مستدام لمياه الشرب، فإن تعطيله لمجرد حماية مصالح مالية محتملة سيكون ــ إن ثبت ــ تعارضاً صارخاً بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.
ولعل الأخطر من الفساد المالي المباشر هو ما يسمى ب” فساد تعطيل البدائل” بمعنى أن تكون هناك مصالح تستفيد من استمرار المشكلة، فيصبح حل المشكلة نفسه تهديداً اقتصادياً لها.
هنا يجب التفريق بدقة بين ثلاثة أمور:
__ وجود مشروع وفكرة هندسية حقيقية.
__ وجود عرقلة أو ظلم إداري موثق ضد صاحب المشروع.
__ إثبات أن العرقلة تمت لحماية مصالح مالية غير مشروعة.
الأول يمكن توثيقه فنياً، والثاني بالقرارات والمكاتبات والشهادات، أما الثالث فيحتاج إلى أدلة مالية وإدارية وقانونية، ولا ينبغي إطلاقه كحقيقة قبل إثباته.
كيف يمكن مواجهة الظلم؟
ليس بالصراخ الإعلامي وحده، وإنما بتحويل القضية إلى ملف قضية عامة موثق:
أولاً: ملف فني.
دراسة مستقلة تجيب بوضوح: ما التقنية؟ كم إنتاج المحطة؟ كم تكلفة المتر المكعب؟ ما استهلاك الطاقة؟ ما تكلفة الإنشاء والتشغيل؟ وما مدى صلاحية التوسع في هذا المشروع ليستفيد منه المواطنون؟
ثانياً: ملف قانوني.
جمع كل القرارات والمكاتبات والعقود والتراخيص والموافقات والرفض وأسباب الرفض، ووضعها في تسلسل زمني يكشف أين بدأ التعطيل ومن اتخذه وعلى أي أساس؟.
ثالثاً: ملف مالي.
وهذا هو الأهم في مواجهة شبهات الفساد: من المستفيد من تعطيل المشروع؟ هل توجد شركات أو جهات منافسة؟ هل توجد عقود أو مصالح مرتبطة بالمياه؟ وهل حدث تضارب مصالح؟
رابعاً: تحكيم علمي مستقل.
بدلاً من أن يكون الحكم على المشروع بيد جهة إدارية واحدة، يُعرض على لجنة من مهندسي تحلية ومياه وطاقة واقتصاد، مع نشر نتائج التقييم للرأي العام.
خامساً: حماية صاحب الفكرة.
إذا ثبت أن المشروع استُهدف بسبب صاحبه أو لأن مصالح نافذة رأت فيه تهديداً، فهذه ليست مشكلة إيهاب وحده؛ إنها رسالة خطيرة لكل مهندس وباحث ومستثمر سوداني: لا تحاول أن تحل مشكلة وطنك لأن أصحاب المصالح قد يحاربونك.
وأعتقد أن الرسالة الإعلامية الأقوى هي:
لا تجعلوا إيهاب هو القضية؛ اجعلوا “حق السودان في الحلول الوطنية” هو القضية.
فحتى لو اختلف الناس حول إيهاب أو شركته أو تفاصيل مشروعه، يبقى السؤال المشروع:
لماذا لا يُترك المشروع لامتحان العلم والسوق والمصلحة العامة؟ إن كان فاشلاً فلتكشف الدراسة فشله، وإن كان ناجحاً فليستفد منه السودان. أما أن يُقتل المشروع بالقرارات والعراقيل قبل أن يُختبر، فهنا تبدأ شبهة الفساد الحقيقي.
وفي كل الأحوال يمكن تحويل القضية من “قضية المهندس إيهاب” إلى ملف وطني بعنوان:
“من يحارب حلول أزمة المياه في السودان؟”
ليس أكثر قسوة من أن يكون الماء ــ أبسط حقوق الإنسان ــ سلعةً باهظة الثمن، وليس أكثر إيلاماً أن يظهر سوداني يحمل حلاً لمشكلة عطش الناس، فيجد نفسه ــ بدلاً من أن يُحتفى به ــ في مواجهة الضغوط والتهديدات، رغم أن مشروعه يهدف لتوفير مياه شرب بتكلفة قليلة لتكون في متناول المواطن بأسعار زهيدة.
إذا صحت الوقائع التي يطرحها إيهاب، وإذا أثبتت التحقيقات ما يتحدث عنه من تهديدات وضغوط لإبعاده عن مشروعه، فإن المسألة لا تعود مجرد خلاف بين رجل أعمال ومنافسين، ولا نزاعاً عادياً حول مشروع استثماري.
إنها تصبح سؤالاً أخلاقياً وقانونياً ووطنياً بالغ الخطورة:
هل توجد مصالح تستفيد من استمرار أزمة المياه أكثر مما تستفيد من حلها؟
هنا يجب أن نتوقف.
فالمشكلة ليست في أن يربح شخص من بيع المياه؛ فالاستثمار مشروع، والربح المشروع ليس جريمة. لكن الجريمة تبدأ ــ إن ثبتت ــ عندما تتحول المنافسة إلى ترهيب، أو عندما يستخدم النفوذ لتعطيل البدائل، أو عندما يصبح المواطن أسيراً لندرة مصطنعة يستفيد منها أصحاب المصالح.
ولذلك لا ينبغي أن نتسرع في إطلاق وصف “مافيا” على أي جهة أو شخص قبل أن تقول التحقيقات والقضاء كلمتهما.
لكن في المقابل، التهديد بالقتل، إن ثبت، ليس منافسة تجارية.
وتعطيل مشروع قادر على تخفيض كلفة المياه، إن ثبتت جدواه، ليس مجرد قرار إداري عابر؛ لأنه يعني أن المواطن هو الذي يدفع فاتورة التعطيل.
وما لا يمكن قبوله هو أن يُحسم مصير فكرة هندسية بالتهديد أو الضغط أو النفوذ.
المشروع الفاشل يُهزم بالأرقام، لا بالرصاص.
والمشروع غير المجدي يُسقطه الخبراء، لا أصحاب المصالح.
والمشروع غير القانوني تمنعه الدولة بالقانون، لا العصابات.
من الخطأ أن نحصر القضية في شخص إيهاب، فالقضية الحقيقية هي: هل يستطيع السوداني أن يأتي بحل لمشكلة وطنية دون أن يخاف من أصحاب المصالح؟
إذا كانت الإجابة نعم، فلنفتح الأبواب للمشروع، ولنخضعه للمعايير الفنية والبيئية والمالية، ولنترك السوق والاختبارات العلمية تقول كلمتها في هذا الشأن.
أما إذا كانت الإجابة لا، فنحن أمام مشكلة أكبر من المياه.
نحن أمام بيئة يمكن أن يصبح فيها نجاح المواطن خطراً عليه، ويمكن أن تتحول فيها الفكرة الوطنية إلى تهمة، والمبادرة إلى تهديد، والابتكار إلى خصومة مع أصحاب النفوذ.
وهذا هو الفساد الأخطر.
فالفساد ليس دائماً اختلاس المال العام.
أحياناً يكون الفساد هو قتل البديل.
أن تمنع الحل لكي يستمر الاحتكار.
أن تعطل المنافسة لكي يستمر الربح.
أن تجعل المشكلة دائمة لأن حلها يهدد مصالح مستفيدين منها.
وهذا النوع من الفساد ــ إن ثبت وجوده ــ أخطر من سرقة المال مرة واحدة، لأنه يسرق من الناس المستقبل نفسه.. وهنا مكمن الخطر للسودان كله.
إنها قضية حياة.
ولهذا فإن مشروع إيهاب، سواء انتهت الدراسات المستقلة إلى نجاحه أو عدم جدواه، يستحق أن يُعامل باعتباره مشروعاً ينبغي أن يخضع للاختبار لا للإعدام.. نحتاج للجنة فنية مستقلة، دراسة جدوى شفافة، معرفة تكلفة إنتاج المتر المكعب وتكلفة الطاقة والتشغيل والصيانة، معرفة قدرة المشروع على التوسع، معرفة الآثار البيئية.
ونريد ــ قبل كل شيء ــ معرفة حقيقة ما تعرض له صاحب المشروع.
إذا كانت الاتهامات صحيحة، فليُحاسب من هدد أو ضغط أو عرقل.
وإذا كانت غير صحيحة، فليُكشف ذلك للرأي العام أيضاً.
هذه هي دولة القانون.
لا تجعلوا المواطن يدفع ثمن الصمت، أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول المواطن إلى متفرج على معركة بين أصحاب المال والنفوذ، بينما يدفع هو الثمن من جيبه.
فكل يوم تتعطل فيه حلول المياه، هناك مواطن يشتري الماء بسعر أعلى.
وكلما ارتفع سعر الماء، ازداد العبء على الأسرة الفقيرة.
وكلما استمرت الأزمة، توسعت السوق التي تستفيد منها.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل نبحث عن حل لأزمة المياه، أم أصبح هناك من يبحث عن استمرار الأزمة؟
لا نتهم أحداً بالإجابة قبل التحقيق.
لكننا نطالب التحقيق المنصف العادل.. فالشفافية وحدها قادرة على إسكات الشائعات.. والأرقام قادرة على إسقاط الادعاءات.. والقانون قادر على حماية صاحب الحق.
رسالة إلى إيهاب
إذا ثبت أنك تعرضت للتهديد لأنك حاولت أن تجعل الماء أرخص للسودانيين، فإن القضية لم تعد قضيتك وحدك.
إنها قضية كل مهندس وباحث ومستثمر وشاب سوداني يفكر في اختراع أو مشروع أو حل لمشكلة وطنية.
لأن السودان الذي يريد أن ينهض بعد الحرب لا يستطيع أن يخيف أصحاب الحلول.
نحن لا نحتاج فقط إلى من يملك المال.
نحتاج إلى من يملك الفكرة.
ولا يجوز أن يصبح امتلاك الفكرة سبباً للخوف.
أما من يرى في مشروع وطني تهديداً لمصلحته، فليواجهه بالعلم والقانون والمنافسة.. لا بالتهديد.
فالسودان الذي نريد بناءه هو الذي ينتصر فيه المشروع الأفضل، لا صاحب النفوذ الأكبر.
وختاما، تبقى الحقيقة التي ينبغي ألا ننساها:
المشكلة ليست في الماء.
وإنما في تحويل الماء إلى أزمة، ثم تحويل الأزمة إلى تجارة، ثم تحويل الحل إلى خطر.
وهنا يجب أن تبدأ الحكاية الحقيقية:
من يحمي المواطن من مافيا العطش؟ وكيف يصبح توفير الماء النقي للفقراء تهديداً لمصالح من يربحون من ندرته؟ فالمعركة لم تعد بين مهندس ومنافسين؛ بل تصبح معركة بين حق المواطن في الماء وبين اقتصاد الأزمة.
ومواجهة القضية لا تكون بحملة عاطفية فقط، وإنما بتوفير الحماية لإيهاب فيصل وأسرته إذا كانت هناك تهديدات موثقة، وفتح تحقيق مستقل في ملابسات إبعاده من المشروع والجهات التي تدخلت فيه، وفحص الجدوى الفنية والاقتصادية لمشروعه بصورة مستقلة؛ فإذا كان المشروع قابلاً للتنفيذ ومنخفض التكلفة، فلماذا يُمنع أصلا؟
وسؤالنا الأخير: إذا ثبت ظلم إيهاب ألا يكون هذا تهديدا مدمرا لكل صاحب فكرة يسهم بها في بناء الوطن؟
