بقلم: إدوارد كورنيليو
منذ توقيع اتفاقية السلام المنشطة في سبتمبر 2018، ظل جنوب السودان يعيش بين وهم التسوية وحقيقة الانقسام. الاتفاق الذي وُلد في الخرطوم برعاية الإيغاد، حمل وعودًا كبيرة: وقف الحرب، تشكيل حكومة وحدة وطنية، إصلاحات دستورية، وعدالة انتقالية. لكن بعد مرور أكثر من خمس سنوات، يبدو أن تلك الوعود قد تبخرت في هواء جوبا الساخن، تاركة خلفها شعبًا منهكًا، واتفاقًا يتآكل من الداخل.
● غياب الإرادة السياسية: اتفاق بلا نوايا
لم يكن الخلل في نص الاتفاق، بل في نوايا من وقعوه. الحكومة، التي يفترض أن تكون الضامن الأول للتنفيذ، تحولت إلى عائق رئيسي أمامه. الترتيبات الأمنية لم تُنفذ، القوات لم تُدمج، والانتخابات لم تُحضّر. أما المعارضة، فقد تم تفكيكها عبر الإقالات والتعيينات، حتى باتت مجرد ظلال في مؤسسات لا تملك فيها قرارًا.
اعتقال رياك مشار ووضعه تحت الإقامة الجبرية لم يكن مجرد إجراء أمني، بل إعلان صريح بانهيار الثقة، وانتهاء مرحلة الشراكة السياسية. كيف يمكن لحكومة أن تدّعي الوحدة وهي تعتقل شريكها في السلام؟
في هذا السياق، قد يكون من المفيد العودة إلى اتفاق 2015، ومقارنة بنوده بمثيلاتها في اتفاق 2018، لرصد كيف تكررت الأخطاء البنيوية، وكيف أُعيد إنتاج الأزمة تحت غطاء جديد.
● اتفاق بلا أرضية: العنف مستمر، والناس في العراء
في الوقت الذي تتحدث فيه البيانات الرسمية عن “تقدم تدريجي”، تشهد البلاد اشتباكات متكررة، ونزوحًا جماعيًا، وانتهاكات لوقف إطلاق النار. أكثر من 130 ألف شخص فرّوا من مناطقهم خلال الأشهر الماضية، في مشهد يعيد إلى الأذهان سنوات الحرب الأهلية الأولى.
الاتفاق الذي لم يحمِ المدنيين، ولم يوقف القتال، لا يمكن وصفه بالسلام. إنه مجرد وثيقة سياسية، تُستخدم لتجميل وجه السلطة أمام المجتمع الدولي، بينما الواقع يزداد قتامة.
هنا، تبرز أهمية إدراج شهادات من نازحين أو نشطاء محليين، ممن عاشوا خيبة الأمل على الأرض، لتقوية البُعد الإنساني في السرد، وتحويل الأرقام إلى وجوه وقصص.
● المجتمع الدولي: الحضور الغائب
رغم التحذيرات والتقارير، لم يمارس المجتمع الدولي ضغطًا حقيقيًا على الأطراف. الإيغاد تكتفي بالبيانات، والاتحاد الأفريقي يراقب بصمت، بينما القوى الغربية تلوّح بالعقوبات دون أن تطبقها. هذا التراخي سمح للسلطة بالتمادي، وللاتفاق بالتحلل.
● هل من أفق؟ بين إعادة التنشيط والانهيار
الحديث عن “إعادة تنشيط الاتفاق” يبدو أقرب إلى التمنّي منه إلى الواقع. فالأطراف لم تعد تؤمن به، والشعب فقد ثقته في جدواه. السيناريو الأكثر ترجيحًا هو الانهيار الكامل، ما لم تُطرح تسوية جديدة، تشمل أطرافًا جديدة، وتُبنى على أسس مختلفة: الشفافية، المحاسبة، والمشاركة الشعبية.
في هذا الإطار، يمكن طرح تصور بديل لاتفاق جديد، لا يُصاغ في غرف مغلقة، بل يُبنى على مشاورات شعبية، ويشمل القوى المدنية والمجتمعات المحلية، ويمنحها دورًا حقيقيًا في صياغة مستقبل البلاد.
● حين يسقط القناع عن السلام الزائف
اتفاقية 2018 كانت محاولة نبيلة، لكنها وُلدت في بيئة غير صالحة، وبأدوات غير صادقة. إن أراد الجنوب سلامًا حقيقيًا، فعليه أن يعيد تعريفه: لا كصفقة بين النخب، بل كعقد اجتماعي بين الشعب والدولة. سلامٌ لا يُكتب في الفنادق، بل يُصاغ في القرى، والمخيمات، والمنافي. سلامٌ يعترف بالجرح، ويمنح فرصة للشفاء.
tongunedward@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم