بقلم : تاج السر عثمان
١
أشرنا سابقا إلى تكرار هجوم الطيران المصري على المعدنين السودانيين الذي مس السيادة الوطنية ‘ وحقوق المواطنة والمدنيين’ والإدانة الواسعة التي وجدها. علما بأن حادثة قصف الطيران المصري المعدنين السودانيين في المناطق الحدودية السودانية (مثل منطقة جبل العقيدات وشمال الوادي) ترتبط بصراع مصالح اقتصادي وأمني محتدم حول الثروات الطبيعية، بهدف نهب الذهب الذي اججته نار الحرب الجارية . وبهدف فرض السيادة وحماية الامتيازات الرسمية للشركات. فالشركات المصرية العاملة في مجال التنقيب تحصل على امتيازات رسمية وتراخيص من الحكومة المصرية للعمل في مناطق الصحراء الشرقية والمناطق الحدودية. وتعتبر السلطات المصرية أن وجود آلاف المعدنين الأهليين (التقليديين) السودانيين.
اوضحنا في دراسة سابقة تصاعد عمليات الفساد وتهريب الذهب وسيطرة الشركات خلال العامين الماضيين من الحرب في مناطق طرفي الحرب.
و انه كما تم نهب الأراضي وثروة البترول في فترة الانقاذ وبعدها استمرت الممارسات نفسها في نهب ثروة الذهب في السودان ، وتهريب أكثر من 70% من عائداته للخارج، علي سبيل المثال : متوسط إنتاج الذهب بين 100- 250 طن ( الشرق الأوسط :11 يناير 2020)، وتُقدر العائدات بحوالي 8 مليار دولار، في حين التقديرات الرسمية للحكومة بين 82- 93 طن ( موقع الجزيرة 5/1/ 2017)، بعائدات تُقدر بمتوسط 850 مليون دولار، مما يعكس حجم النهب والتهريب الكيير لعائدات الذهب في السودان، وفقدان الدولة لثروة كبيرة، مما يتطلب اوسع حملة لوضع الدولة يدها علي ثروة الذهب.
اصبحت القوى العاملة في التعدين كبيرة ، حسب تقرير وزارة المعادن (2019) الذي أشار الي 3 ملايين يعملون في تعدين الذهب ، منهم 2 مليون يعملون في المهن الملحقة بالتعدين ” التكسير ، جلب المياه ، اعداد الوجبات .الخ”، مما يتطلب حمايتها من الآثار الضارة للتعدين ، وضرورة قيام نقابات واتحادات لها تدافع عن حقوقها ، وتوفير بيئة العمل المناسبة من سكن وخدمات صحية وتعليمية وثقافية، ورفع مستوي المعيشة. اضافة لحق مناطق التعدين في نسبة من الإنتاج لتنميتها وبناء المدارس والمستشفيات والطرق والبنيات التحتية، وتوفير خدمات الكهرباء ومياه الشرب ، وحماية البيئة من آثار استخدام المواد الضارة في التعدين مثل :السيانبد. الخ ، ومراجعة العقود المجحفة لشعب السودان التي تمت مع الشركات بما يضمن نسبة للدولة منها لا تقل عن 70% تذهب لبنك السودان ، بدلا من اهدار هذه الثروة وايداع عائداها خارج السودان مقابل الغذاء والوقود !!!، وحماية ثروة البلاد من النهب والتهريب.
وتعيش هذه القوى العاملة في ظروف غير انسانية ومهددة بمخاطر التعدين مثل: انهيار المناجم، وتدمير المواقع الأثرية ، لسعات العقارب والأفاعي ، وتقلب الجو من البرودة الي الحرارة العالية كلما تم الوغل داخل المنجم، اضافة للآثار الضارة للتعدين باستخدام المواد الضارة بصحة البيئة والانسان والحيوان والنبات، والابادة الجماعية للسكان المحليين لنهب الذهب ، حتى اطلق مجلس الأمن وصف ” الذهب الدموى”، كما يصنف البنك الدولي مشتريات بنك السودان من الذهب بأنها ” غير معقمة” بسبب تلك الممارسات.
وجاء قصف الطيران المصري المعدنين السودانيين ليزيد الطين بلة ويوسع الآلام والمعاناة.. بهدف حماية مصالح الشركات العاملة في نهب وتهريب الذهب ودوره في تمويل الحرب.
٣
إضافة لهجوم الطيران المصري ‘ قبل ذلك تدخل عامل آخر في الصراع الدموى علي الذهب والصراع في دارفور حيث تريد الشركات الأجنبية طرد الأهالي والاستحواذ علي الأراضي التي يعيشون فيها المليئة بالثروات الطبيعية من ذهب ويورانيوم وماس. الخ، لكي يحدث ذلك لا بد من اخلاء السكان بالابادة الجماعية والتهجير، بالتالي دخل عامل جديد للصراع في دارفور ومناطق التعدين الأخرى وهو الاستحواذ علي الثروات والموارد لصالح فئات معينة، كما حدث في جبل عامر ، وفي الصراع الأخير الذي دار في جبل مون الذي يزخر بموارد تعدينية كبيرة علي رأسها الذهب ، أي صراع من أجل السيطرة علي الذهب ، والهدف تهجير قسري للسكان في المنطقة من قبل الشركات.
فضلا عن الاشكال الأخرى لاخلاء السكان مثل : خلق الفوضي، تدمير الموسم الزراعي ، نهب مخازن الاغاثة التابعة لليوناميد من قوات الحركات بهدف لتجريد سكان المعسكرات من الغذاء ، ووضع النازحين في ظروف سيئة، كما حدث أخيرا، ايضا من المخاطر اطلاق النار من قوات الدعم السريع علي العاملين السلميين في التعدين في حالات النزاع .
٤
مما يتطلب مواصلة النهوض الجماهيري لحماية السيادة الوطنية ووقف نهب وتهريب ذهب السودان وثرواته. وحماية البيئة من آثار التعدين الضارة، ومكافحة التهريب وقيام بورصة الذهب، وتحديد نسبة معينة للتصدير، وتفكيك التمكين وإعادة ممتلكات الشعب المنهوبة ،وعودة شركات الجيش والأمن والشرطة الاقتصادية لولاية المالية، وحل مليشيات الدعم السريع وجيوش الحركات والكيزان وقيام الجيش القومي الموحد تحت إشراف الحكومة المدنية ، ووضع الدولة يدها علي ثروات البلاد المعدنية إضافة إلى أن المعالجة الجذرية كما عبر الاقتصاديون لتهريب الذهب تتمثل في إنشاء بورصة خاصة بالذهب، بحيث يأتي الذهب طوعًا إلى السوق الرسمي.فمع الفساد والتهريب الجاري لن يكون الذهب مؤثرًا في الموازنة الحالية، لكن إنشاء البورصة ومحاربة التهريب وتفعيل الإجراءات الأمنية لإغلاق المنافذ يمكن أن يؤدي إلى زيادة مساهمة الذهب في الموازنة العامة.
الرحمة والمغفرة لضحايا هجوم الطيران المصري وعاجل الشفاء والصحة والعافية للمصابين’ والكشف العاجل لنتيجة التحقيق المستقل لتلك الجريمة.
