اختراع العجلة .. تاني … بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم


IbrahimA@missouri.edu                           
نشرت هذه الكلمة أمس الأول (6-8) بعمودي الراتب بالأحداث. وكان مانشيات الجريدة لذلك اليوم هو "الخرطوم تحظر الشيشة". وأظنه البياتي من قال: لا تلد القطط العمياء سوى قطط عمياء.

نقول "عجبني للمرقوت" حين تشمل المصيبة المرء وشئياً آخر للمرء رأي سيء فيه. وأمس الأول حكم مولانا عبد الله علي الأمين في قضية الشبان المتهمين بالفعل الفاضح في مكان عام. ولكن كان لمولانا رأياً سالباً جداً في أداء الصحافة. فقال، حسب هذه الصحيفة، إن الإعلام حاد كثيراً عما جاء في حيثياته عن التهمة وشرق وغرب بقوله بإنهم شاذون جنسياً وخلافه. وأضاف أنه كان بوسع هذه المنابر أن تعرض الأمر بما يصلح العباد ويعين في التربية.
 ونظرت في صحف الرأي العام وآخر لحظة والأهرام اليوم والصحافة فلم أجد عبارة مولانا التربوية الناقدة للصحف. ولا أعتقد أن ذلك مجرد سهو. فالواقع أن الإعلام قد وقع أخيراً على "خبطات أخلاقية" حقيقة أو متوهمة و"جرى بها فللي" ،كما يقول الخواجات، يٌبَلٌغ عنها بإثارة ويطلق أحكام القيمة الجائرة. ويؤسفني أن صحفياً ضليعاً كالأستاذ خالد فتحي لم يتجنب هذا المزلق. فتقريره الضافي عن محاكمة الشبان كان رأياً قاسياً في المتهمين لا خبرا. فوصفهم بإنهم كانوا في المحكمة ساهمي النظر مطاطيء الرؤوس ضربت عليهم الذلة والمسكنة. وهذا فظ. وساءني أن لم يكن مع هؤلاء الشباب  محام من عقاب من هرولوا  لمواسير الفاشر. فالشبان متهمون عاديون أمام محكمة مقيدة بإجراءات تستدعي وجود محام إلا وكانت جريرتهم "لعنة" أبدية وليست "تهمة" في كتاب جنائي. ويكثرون عند الطمع!
إن على الصحافة أن ترفع من سقف مهنيتها عالياً قبل أن تخوض في مسالة الأخلاق لأنها أوسع بوابات السياسة قاطبة. فمنها خرج "فيروس" حل الحزب الشيوعي "لزواج منتسبيه من أخواتهم" وغزاة حفل  العجكو بجامعة الخرطوم في 1968 وغيره كثير. وعليه لا اتفق مع الأستاذ محمد عبد القادر، القلم الرشيد بالرأي العام، من أن مرجع عنايته بتردي الأخلاق في الجامعات إلى الحضيض مهنية صحفية لا اعتبار للسياسة فيها. ناهيك أني أعيب عليه أن كلمته، التي اشفق فيه على هذا التردي، لم تلتزم المهنية. فهي محض احتجاج على ما بلغه في اجتماع لمديري الجامعات وصندوق رعاية الطلاب عن هذا التردي. ولم يعرض فيها معلومة أو إحصائية مستقلة مما دار بالاجتماع. فحتى الإحصائية الوحيدة عن قول مدير جامعة إنهم يقبضون من 5 إلى 7  متعاط للمخدرات بين الطلاب مبهمة بغير سياق للحكم على جدواها.
وطغت الإثارة من جهة أخرى في تحقيق للراي العام (3-8) عن مقاهي الشيشة بين بعض نزلائنا. ولم ير أياً من كتاب التحقيق بأم عينه ما يذاع عنها من أنها وكر رومانسي لإنحراف الشباب. ومتى صبروا على التحقيق ربما تقمصوا دور طلاب لذة لينفذوا إلى لب الموضوع. ولمّا كانوا الشاهد الذي لم ير شئياً تفرق دليلهم على فساد المقاهي بين "دراسة مركز متخصص" نكرة وشهود بيناتهم عن فساد الأمكنة ظرفية في أحسن الأحوال. وددت لو صبرت الصحيفة على التحقيق حتى يستوفي أشراط المهنية.
في حياتنا بالطبع الآن قبل ذي قبل مظاهر في السلوك تستحق الوقوف عندها من وجوهها جميعاً. مثلاً: أزعجتني إحصائيات جاء بها الدكتور عزان سعيد عن عينة بحثية من 783 طالباً مارس 78% منهم الجنس أكثر من مرة بدون واق في بلد يصيب الإيدز شخصين من كل مائة. وهي ظاهر تستحق النظر على بينة من باحثين ومحققين باردي القلم. ولا اعتقد أن بميزانية أي صحيفة عرفتها مالاً مخصصاً لمثل هذه المهنية الدقيقة.
إذا طوينا ظواهر الأخلاق في الإثارة والتعميم تولاها مشرعون طالبوا في البرلمان منذ أيام بتطبيق حد الزنا وأدبة الشواذ وتشجيع تعدد الزوجات. خد عندك. كفاية اختراع للعجلة!   
 

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً