استدعاء كيكل إلى دفتر العقوبات

اسمٌ واحد يطفو على سطح الحرب، ثم يُستدعى إلى دفتر العقوبات. أبو عاقلة كيكل، الذي عبر خطوط النار أكثر من مرة، وجد نفسه هذه المرة تحت مجهر لندن.
دون اعتباره قائداً محلياً يتنقّل بين المزاريب، وإنما كرقم ثقيل في معادلة نزاع طال أمده وتكاثرت ظلاله.

قرار بريطاني وضع كيكل في خانة المسؤولية، عن انتهاكات جسيمة، ومنحه موقعاً رمزياً في رواية قتالية تبحث عن محاسبة داخل فوضى السلاح.
العقوبات لم تكن اسماً منفرداً. ستة أضيفوا إلى القائمة السوداء، بينهم قادة ميدانيون، ممولون، ومرتزقة جرى استقدامهم من قارات بعيدة.
مشهد يكشف كيف تمددت الحرب السودانية خارج جغرافيتها، وكيف صار المال، والتجنيد، والخبرة القتالية، عناوين متجاوزة للحدود.
بريطانيا تقول إنها تضيق الخناق على شرايين التمويل، وتغلق نوافذ الحركة، وتستخدم القانون أداة ضغط حيث تعجز البنادق عن إيقاف البنادق.
كيكل، وفق الرواية البريطانية، متهم بالضلوع في عنف استهدف جماعة “الكنابي” في الجزيرة. عنفٌ قرئ بصفته فعلاً قائماً على أساس عرقي. الاتهام هنا لا يلاحق لحظة واحدة، بقدر ما يفتح ملفاً كاملاً عن دور قادة محليين حين تتحول المعرفة بالجغرافيا والمجتمع إلى سلاح، وحين تصير القربى مدخلاً إلى السيطرة، لا إلى الحماية.

ردّ “درع السودان” جاء دفاعياً، رافضاً توصيف لندن، متحدثاً عن غياب قراءة ميدانية، وعن قوة ترى نفسها جزءاً من المنظومة العسكرية للدولة، تؤدي “واجباً دستورياً” في زمن الانهيار.
لغة البيان حاولت تثبيت صورة الانضباط والالتزام بالقانون الدولي، والإيحاء بأن السياسة تتدخل في الميدان أكثر مما يفعل السلاح.
تاريخ “درع السودان” يكشف مساراً متعرجاً. قوة وُلدت أواخر 2022 في سهل البطانة، قبل الحرب بقليل، وقدمت نفسها حارساً لفراغ أمني، بلا انتماء جهوي أو سياسي.
أرقام غير مؤكدة تحدثت عن عشرات الآلاف من المقاتلين، وانتشار واسع يمتد من الجزيرة إلى القضارف وعطبرة.
في بيانها الأول طالبت بإلغاء اتفاق جوبا، ورفعت شعار “العدالة الاجتماعية”، كأنها تستبق الدولة بخطابها.
كيكل نفسه خرج من الجيش متقاعداً برتبة مقدم، دخل الحرب من بوابة مليشيا الدعم السريع، ثم غادرها. تحالفَ، قاتلَ، قادَ قطاعات، وأسهم في سقوط ود مدني.

معرفته الدقيقة بالقرى، بالترع، بالطرق الزراعية، جعلته رقماً حاسماً في السيطرة على الجزيرة. تلك السيطرة تحولت سريعاً إلى صدمة أخلاقية، مع انتهاكات واسعة خلّفت جرحاً عميقاً في الذاكرة المحلية.

في أكتوبر 2024 أعلن، قائد المليشيا، انشقاقه عن المليشيا. لحظة حملت اعتذاراً وندماً، ووعداً بتحمل المسؤولية. خروجُه فجّر موجة انتقام دموية طالت قرى شرق الجزيرة، وسقط خلالها مئات الضحايا. جماعات حقوقية حمّلت “الدعم السريع”، مسؤولية القتل والنهب والحرق، في مشهد كشف كيف يُعاقَب المدنيون على خيارات القادة.
عودة “درع السودان” إلى صفّ الجيش أعادت رسم الخريطة. القوة التي أسهمت في إسقاط الجزيرة شاركت لاحقاً في تحريرها. معلومات استخباراتية، طرق إمداد، مخازن سلاح، وانشقاقات داخلية، كلها عناصر قلبت ميزاناً كان يبدو ثابتاً.
كيكل أصبح هدفاً مباشراً، وتعرض معسكره لهجمات بالطيران المسيّر، نجا منها شخصياً، وخسر جنوداً.
تحركت القوة لاحقاً نحو الخرطوم، ثم كردفان، مع خطاب يتحدث عن “بقاء الدولة” و”كرامة المواطن” الذي قتله في سهلٍ ما. غير أن السؤال الأكبر ظل معلقاً: ماذا بعد؟
مراقبون يرون في “درع السودان” اختباراً جديداً لفكرة الدمج. نجاحه قد يجنّب تكرار تجربة مليشيا الدعم السريع، وفشله قد يفتح الباب أمام “دروع” مناطقية أخرى، كما يحدث في الشمال ونهر النيل.

العقوبات البريطانية، في هذا السياق، تبدو محاولة لإعادة ضبط الإيقاع، لا لحسم الحرب. رسالة تقول إن الذاكرة الدولية بدأت تكتب أسماء، وإن مسار السلاح، مهما طال، لا يعفي من الحساب.
السودان، المنهك، يقف بين خيار جيش واحد أو شظايا جيوش… وبين دولة تُستعاد أو حرب تتناسل. وفي المنتصف، أسماء مثل كيكل، تحمل ثقل التحولات، وتدفع ثمنها.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …