باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 17 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

استقلال السودان: نضالٌ وطني أم استقلالٌ تفاوضي؟

اخر تحديث: 16 سبتمبر, 2026 10:22 صباحًا
شارك

استقلال السودان: نضالٌ وطني أم استقلالٌ تفاوضي؟ إعادة تفكيك أسطورة «الاستقلال بلا نضال» بين ثورة 1924 ودبلوماسية 1953 وقرار البرلمان في 1955

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يبحث المقال في السؤال التاريخي والسياسي المثير للجدل: هل نال السودان استقلاله من الحكم الاستعماري من دون نضال وطني حقيقي؟ ويخلص إلى أن الإجابة تتوقف على المقصود بكلمة «النضال». فإذا كان المقصود حرب تحرير مسلحة طويلة وموحدة تقودها حركة وطنية واحدة وتنتهي بهزيمة عسكرية للاستعمار، فإن السودان لم يخض هذا النوع من النضال قبل استقلاله في الأول من يناير 1956. أما إذا كان المقصود مجمل المقاومة السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية والتنظيمية، والاحتجاجات والانتفاضات والصحافة والنقابات والحركة الطلابية والنسائية، ومؤتمر الخريجين، والمفاوضات الدستورية والدبلوماسية، فإن القول بأن السودان نال استقلاله بلا نضال يصبح غير صحيح. والأدق تاريخياً أن استقلال السودان كان نتيجة مسار مركب جمع بين نضال وطني حقيقي لكنه مجزأ وغير متكافئ، وبين تفاوض دستوري ودبلوماسي، وبين صراع بريطاني مصري على مستقبل السودان، وبين تحولات دولية جعلت استمرار الاستعمار أقل قابلية للاستمرار.

ويؤكد المقال ضرورة التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيراً ما تختلط في السرديات السياسية: مقاومة الحكم الأجنبي، والحركة الوطنية الحديثة، والاستقلال القانوني للدولة. فقد سبقت الحركة الوطنية الحديثة مقاومات مسلحة وأشكال مختلفة من رفض السيطرة الأجنبية، وفي مقدمتها الثورة المهدية التي اندلعت في القرن التاسع عشر. غير أن المهدية، رغم أهميتها الكبرى في الذاكرة السياسية السودانية وفي تكوين تقاليد مقاومة الحكم الأجنبي، لا يمكن مساواتها بصورة مباشرة بالحركة القومية الحديثة التي نشأت في القرن العشرين. فقد كانت المهدية ذات طبيعة دينية وسياسية واجتماعية مختلفة، بينما بدأت الحركة الوطنية الحديثة في تطوير خطاب يركز على السودان ككيان سياسي وعلى حق السودانيين في المشاركة في إدارة بلادهم وتقرير مستقبلها.

وتوضح التجربة الاستعمارية أن الحكم البريطاني المصري لم يكن مجرد سيطرة خارجية بسيطة، بل كان نظاماً مركباً تنافست داخله المصالح البريطانية والمصرية، بينما شاركت فيه مؤسسات سودانية محلية بدرجات متفاوتة. وقد أدى هذا التركيب إلى نشوء طبقة من الموظفين والمعلمين والفنيين والأطباء والكتبة والمتعلمين الذين عملوا داخل مؤسسات الدولة الاستعمارية، لكنهم تحولوا تدريجياً إلى جزء من القاعدة الاجتماعية والسياسية للحركة الوطنية. وهكذا أنتج الاستعمار، بصورة متناقضة، بعض الأدوات والمؤسسات التي ساعدت لاحقاً على ظهور نخبة وطنية قادرة على التفاوض حول مستقبل البلاد.

وتحتل ثورة 1924 موقعاً مركزياً في فهم النضال الوطني السوداني الحديث. فقد مثلت لحظة انتقال مهمة من أشكال المقاومة المتفرقة إلى خطاب قومي أكثر وضوحاً، وتحولت الحركة المرتبطة بجمعية اللواء الأبيض إلى تعبئة سياسية شارك فيها أفراد من خلفيات اجتماعية ومهنية ومناطقية مختلفة. ولم تكن الثورة مجرد تمرد عسكري محدود، بل شهدت احتجاجات شعبية ومظاهرات وعرائض وبرقيات ونشاطاً سياسياً واسعاً. وأظهر قمعها أن الإدارة الاستعمارية أصبحت تواجه شكلاً جديداً من المعارضة السياسية، وأن فكرة حق السودانيين في تقرير مستقبلهم بدأت تتحول إلى لغة سياسية جماهيرية.

لكن ثورة 1924 لم تؤد إلى الاستقلال المباشر، كما أن قمعها كشف ضعف التنظيم الوطني وتشتته وعدم امتلاكه القدرة على تحويل الاحتجاج إلى مشروع سياسي مؤسسي مستمر. لذلك انتقلت الحركة الوطنية في العقود التالية تدريجياً من الانتفاضات إلى بناء المؤسسات والتنظيمات والصحافة والتعليم والعمل النقابي والسياسي. ولم يكن هذا الانتقال دليلاً على غياب النضال، بل على تغير أدواته من المواجهة المباشرة إلى بناء القدرة السياسية والاجتماعية على التفاوض.

كان مؤتمر الخريجين العام، الذي تأسس في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، إحدى أهم حلقات هذا التحول. فقد وفر إطاراً منظماً للنخبة السودانية المتعلمة، وبدأ نشاطه في مجالات اجتماعية وتعليمية وخيرية قبل أن يتحول تدريجياً إلى قوة سياسية تطالب بزيادة مشاركة السودانيين في الإدارة وبناء الحكم الذاتي. وتكتسب مذكرة عام 1942 أهمية خاصة لأنها جسدت انتقال المطالب من النشاط الاجتماعي والثقافي إلى المطالبة المنظمة بتوسيع دور السودانيين في إدارة البلاد وبناء مسار نحو الحكم الذاتي.

وفي الوقت نفسه، لم يكن النضال الوطني محصوراً في النخبة المتعلمة. فقد أسهمت الصحافة في نشر الأفكار الوطنية وتكوين المجال العام، وبدأ العمال والنقابات في استخدام الإضرابات والمطالب الاقتصادية والاجتماعية كوسائل ضغط سياسي، كما شارك الطلاب في تطوير تقاليد الاحتجاج والتنظيم، وبدأت النساء في إنشاء منظمات وصحف ومساحات مستقلة للنقاش والمطالبة بالمشاركة العامة. وتكشف هذه التطورات أن الحركة الوطنية لم تكن مجرد مشروع سياسي للنخب الحضرية، وإن كانت هذه النخب قد احتفظت بدور أكبر في المؤسسات الرسمية والمفاوضات.

وتبرز الحركة النسائية والعمالية والطلابية بصورة خاصة في إعادة تقييم فكرة «النضال الوطني». فالعمل الوطني لا يتخذ بالضرورة شكل المظاهرات المسلحة أو المعارك العسكرية، وإنما يمكن أن يظهر أيضاً في بناء النقابات، وتوسيع التعليم، وإنشاء الصحف، وتطوير الوعي السياسي، والمطالبة بالحقوق الاجتماعية، وتنظيم الإضرابات، وإنتاج خطاب عام يرفض التبعية. ولذلك فإن اختزال النضال في الحرب المسلحة يؤدي إلى إخفاء أجزاء واسعة من النشاط السياسي والاجتماعي الذي سبق الاستقلال.

ويشرح المقال أن النضال الوطني السوداني لم يكن موحداً في أهدافه. فقد انقسمت القوى السياسية بين تيارات مرتبطة بالمشروع الاتحادي مع مصر، وقوى دفعت باتجاه الاستقلال الكامل، وقوى أخرى ذات توجهات دينية أو طائفية، فضلاً عن اختلافات طبقية ومناطقية وفكرية. كما أن العلاقة بين حزب الأمة والاتحاديين والتيارات المرتبطة بالطوائف الدينية جعلت الحركة الوطنية شديدة التنافس الداخلي. ولهذا لم تكن هناك حركة تحرير وطنية واحدة تستطيع الادعاء بأنها مثلت جميع السودانيين.

وتظهر أهمية هذا الانقسام بصورة أكبر عند النظر إلى العلاقة بين حزب الأمة والأنصار من جهة، والحركة الاتحادية والختمية من جهة أخرى. فقد كان لكل طرف تصور مختلف لمستقبل السودان وعلاقته بمصر وبريطانيا، كما استخدمت القوى السياسية شبكاتها الاجتماعية والدينية والطائفية في التعبئة. وأسهم هذا التنافس في تشكيل السياسة الوطنية، لكنه جعل الحركة الوطنية أكثر تجزؤاً وأضعف قدرتها على إنتاج مشروع قومي جامع منذ البداية.

كما يناقش المقال العلاقة المعقدة بين الوطنية السودانية والمهدية والطائفية والإسلام السياسي. فالإرث المهدوي أسهم في ترسيخ الذاكرة المناهضة للحكم الأجنبي، لكنه لم يكن مطابقاً للقومية السودانية الحديثة. كما أن التيارات الدينية لم تكن بالضرورة في تعارض دائم مع فكرة الاستقلال، بل شاركت بعض القوى المرتبطة بها في الصراع السياسي ضد الهيمنة الأجنبية. ولذلك ينبغي تجنب تصوير التاريخ باعتباره صراعاً بسيطاً بين «وطنيين» و«غير وطنيين»، لأن معظم القوى السياسية كانت وطنية بدرجات مختلفة لكنها اختلفت حول معنى الوطنية والطريق إلى الاستقلال.

بعد الحرب العالمية الثانية دخلت القضية السودانية مرحلة جديدة. فقد تغير النظام الدولي وأصبحت فكرة تقرير المصير أكثر قوة، كما بدأت بريطانيا تواجه تغيراً في بيئة الإمبراطورية وتكاليفها السياسية والاقتصادية. وفي المقابل، كانت مصر تعتبر السودان جزءاً أساسياً من مشروعها السياسي والقومي، بينما كان السودانيون أنفسهم يختلفون حول الوحدة مع مصر أو الاستقلال الكامل. وأدى هذا التشابك إلى جعل مستقبل السودان قضية دولية ودبلوماسية بقدر ما كان قضية وطنية داخلية.

ومن هنا يرفض المقال التفسير الذي ينسب الاستقلال بالكامل إلى النضال الوطني السوداني وحده، كما يرفض التفسير المعاكس الذي يزعم أن البريطانيين منحوا السودان الاستقلال من دون ضغط سوداني. فالاستقلال نتج عن تفاعل بين العامل الداخلي والعامل الخارجي. وقد أدى التنافس البريطاني المصري إلى خلق مساحة تفاوضية استطاعت القوى السودانية استغلالها، بينما ساهمت الحركة الوطنية في جعل مسألة مستقبل السودان قضية سياسية لا يمكن تجاوزها.

وتعد الاتفاقية الأنجلو-مصرية لعام 1953 نقطة تحول حاسمة، لأنها وضعت إطاراً دستورياً للحكم الذاتي والانتقال إلى تقرير مستقبل السودان. وكان التصور الأصلي يتضمن أن يقرر السودانيون مستقبل البلاد، بما في ذلك احتمال الاتحاد مع مصر أو الاستقلال. وهكذا أصبح تقرير المصير جزءاً من عملية سياسية رسمية، ولم يعد مجرد شعار للحركة الوطنية.

وجاءت انتخابات عام 1953 لتمنح القوى السياسية السودانية فرصة لاختبار قوتها في مؤسسات الحكم. وأسفرت الانتخابات عن فوز كبير للحزب الوطني الاتحادي وتشكيل حكومة إسماعيل الأزهري، الأمر الذي جعل المسار نحو الاستقلال يمر عبر المؤسسات الدستورية. وتوضح هذه المرحلة أن النضال انتقل بصورة متزايدة من الشارع إلى البرلمان والحكومة والمفاوضات، من دون أن يعني ذلك انتهاء الصراع السياسي.

ويكشف المقال أن هذا المسار الدستوري كان أيضاً نتيجة لموازين القوى الدولية والإقليمية. فقد كانت بريطانيا تسعى إلى حماية مصالحها وتقليل احتمالات سيطرة مصر الكاملة على السودان، بينما كانت مصر تريد الحفاظ على نفوذها ومشروعها في وادي النيل. أما القوى السودانية فقد حاولت استخدام التنافس بين الطرفين لتحقيق أهدافها، لكن قدرتها على المناورة كانت مرتبطة بمدى قوتها التنظيمية وبقدرتها على بناء توافق داخلي.

وتشكل أحداث عامي 1954 و1955 دليلاً مهماً على أن الطريق إلى الاستقلال لم يكن سلمياً تماماً. فقد شهدت البلاد توترات سياسية وأعمال عنف واضطرابات مرتبطة بالصراع السياسي والمناطقي وبمسألة مستقبل السودان. كما كشفت أحداث الجنوب والتمرد في توريت عام 1955 عن عمق أزمة الثقة بين الجنوب والشمال وعن مشكلة بناء دولة وطنية شاملة.

وتكتسب أحداث توريت أهمية خاصة لأنها تمنع اختزال تاريخ الاستقلال في صراع شمالي ضد الاستعمار البريطاني فقط. فقد كان هناك أيضاً صراع على شكل الدولة وعلى توزيع السلطة وعلى مستقبل الجنوب داخل الدولة السودانية. وقد أدى تمرد الجنود الجنوبيين إلى أعمال عنف واسعة وإلى قمع شديد، ثم تطورت التوترات لاحقاً إلى حرب أهلية واسعة النطاق. ولذلك فإن الاستقلال السياسي لم يكن نهاية مشكلات بناء الدولة، بل كشف بصورة مبكرة عن أن الدولة الجديدة ورثت انقسامات استعمارية وسياسية ومؤسساتية عميقة.

ويؤكد المقال أن مسألة الجنوب كانت من أكبر نقاط ضعف الحركة الوطنية السودانية. فقد كانت المشاركة الجنوبية في المفاوضات السياسية الشمالية محدودة، ولم يحصل الجنوبيون على ضمانات كافية بشأن شكل الدولة المستقبلية. كما أن المطالب بالفيدرالية لم تُدمج بصورة حاسمة في التسوية التي قادت إلى الاستقلال. ولهذا كان الاستقلال بالنسبة إلى قطاعات من النخبة الشمالية تحقيقاً لهدف وطني، بينما لم يكن بالضرورة يحمل المعنى نفسه لدى قطاعات واسعة في الجنوب.

وهذا يقود إلى التمييز بين «الاستقلال» و«التحرر الوطني الكامل». فالاستقلال يعني إنهاء السيادة الأجنبية المباشرة وإنشاء دولة ذات سيادة معترف بها دولياً، بينما يتطلب التحرر الوطني الأوسع بناء دولة تمثل جميع سكانها وتضمن المساواة والمشاركة السياسية والعدالة بين المناطق والجماعات. وقد حقق السودان الهدف الأول في 1956، لكنه دخل منذ البداية تقريباً في أزمة بشأن الهدف الثاني.

ويأتي إعلان البرلمان السوداني في 19 ديسمبر 1955 ليجسد هذه المفارقة. فقد كان الإعلان إجراءً دستورياً وقانونياً، ولم يكن نتيجة معركة عسكرية أخيرة ضد الجيش الاستعماري. وفي الأول من يناير 1956 أصبحت البلاد دولة مستقلة رسمياً. ولذلك يمكن القول إن الاستقلال نفسه كان «تفاوضياً ودستورياً» في صورته النهائية، لكن هذا لا يعني أنه كان بلا نضال سابق، لأن الوصول إلى اللحظة الدستورية كان نتيجة عقود من المقاومة السياسية والتعبئة والتنظيم والصراع والتفاوض.

كما أن الاعتراف الدولي باستقلال السودان، وانضمامه إلى الأمم المتحدة في نوفمبر 1956، أكدا انتقاله من وضع استعماري إلى دولة ذات سيادة دولية. إلا أن هذا الاعتراف القانوني لا يجيب وحده عن سؤال ما إذا كان المجتمع السوداني قد خاض نضالاً وطنياً شاملاً، لأن الاعتراف بالدولة شيء، ودرجة اندماج المجتمع في مشروع الدولة شيء آخر.

ويناقش المقال الحجج التي يستند إليها القائلون بأن السودان نال استقلاله بلا نضال. ومن أهمها أن الاستقلال لم يسبقه جيش تحرير وطني، ولم تحدث حرب تحرير شاملة ضد بريطانيا، وأن القرار النهائي صدر عن البرلمان، وأن بريطانيا ومصر لعبتا دوراً مركزياً في تحديد توقيت الانتقال، وأن القوى السودانية كانت منقسمة ولم تكن هناك حركة وطنية واحدة أو قائد واحد يمثل جميع السودانيين. كما أن انتقال السلطة كان أكثر تفاوضية وأقل عنفاً من تجارب استعمارية أخرى مثل الجزائر وكينيا وأنغولا وغينيا بيساو.

لكن هذه الحجج تصبح مضللة إذا تحولت من وصف طبيعة الاستقلال إلى نفي وجود النضال الوطني. فثورة 1924، ومؤتمر الخريجين، والصحافة، والنقابات، والطلاب، والنساء، والاحتجاجات، والعرائض والمذكرات، والعمل الحزبي، والمفاوضات حول الحكم الذاتي، والصراع السياسي حول الوحدة والاستقلال، كلها كانت أشكالاً مختلفة من الفعل الوطني. ولم تكن القوى الاستعمارية مضطرة إلى التفاوض حول مستقبل السودان لو لم يتحول مستقبل البلاد إلى قضية سياسية لا يمكن تجاهلها.

وفي المقابل، يرفض المقال أيضاً الرواية الرومانسية التي تصور الاستقلال باعتباره انتصاراً كاملاً لحركة وطنية موحدة. فالحركة الوطنية كانت منقسمة طبقياً وطائفياً وفكرياً وجغرافياً، وكانت النخب الشمالية أكثر حضوراً في مؤسساتها من سكان الأطراف، بينما ظل الجنوب في موقع هامشي نسبياً داخل عملية صناعة القرار. ولذلك فإن الاستقلال لم يكن نتاج «إرادة وطنية واحدة»، وإنما نتاج تفاوض وصراع بين مشاريع وطنية متعددة.

ويخلص التحليل إلى أن أفضل تفسير للاستقلال السوداني هو مفهوم «الاستقلال التفاوضي» أو «إنهاء الاستعمار عبر التسوية الدستورية». فقد كانت هناك مقاومة ونضال وطني حقيقيان، لكنهما لم يأخذا شكل حرب تحرير وطنية شاملة. وكانت الحركة الوطنية قادرة على الضغط والتعبئة والتفاوض، لكنها لم تكن وحدها صاحبة القرار. وفي الوقت نفسه، لم تكن بريطانيا صاحبة المبادرة المنفردة التي منحت الاستقلال طوعاً، لأن انسحابها جاء في سياق تغيرات دولية وإقليمية وضغوط سياسية سودانية ومصرية متشابكة.

وتظهر أهمية هذا التفسير في أنه يضع السودان ضمن أنماط أوسع من تجارب إنهاء الاستعمار. فبعض الدول حصلت على استقلالها بعد حروب تحرير طويلة، وبعضها عبر مفاوضات وانتقالات دستورية، وبعضها عبر مزيج من المقاومة والعنف المحدود والتفاوض. ولا توجد قاعدة تاريخية تقول إن الاستقلال يكون أكثر شرعية فقط عندما يتحقق بالسلاح. كما أن غياب حرب التحرير لا يعني غياب الحركة الوطنية، تماماً كما أن وجود حرب تحرير لا يعني تلقائياً أن الدولة الناتجة عنها أصبحت ديمقراطية أو شاملة.

ويؤكد المقال في نهايته أن المشكلة الحقيقية في السؤال ليست فقط «هل ناضل السودانيون أم لم يناضلوا؟»، بل «أي سودانيين ناضلوا، وبأي وسائل، ومن أجل أي سودان، ومن شارك في صناعة الاستقلال، ومن بقي خارجها؟». فهذا السؤال الأكثر دقة يكشف أن تاريخ الاستقلال كان تاريخ نضالات متعددة وليست نضالاً واحداً، وأن الإنجاز القانوني والسيادي في عام 1956 لم يكن مصحوباً بتسوية كاملة لقضايا السلطة والهوية والمركز والهامش والعلاقة بين الشمال والجنوب وشكل الدولة والعدالة الاجتماعية.

وبذلك فإن العبارة الأكثر دقة تاريخياً ليست أن السودان «نال استقلاله بلا نضال»، ولا أنه «حرر نفسه بحركة وطنية موحدة»، وإنما أن السودان وصل إلى الاستقلال من خلال نضال وطني سياسي واجتماعي وفكري حقيقي، لكنه كان منقسماً ومتفاوتاً، وتفاعل مع صراع بريطاني مصري وتحولات دولية، وانتهى إلى تسوية دستورية وبرلمانية جعلت الاستقلال قانونياً وسلمياً نسبياً في لحظته النهائية، بينما بقيت مسائل بناء الأمة والدولة والمواطنة والمساواة والتمثيل السياسي غير محسومة. ولهذا كان الأول من يناير 1956 انتصاراً للاستقلال السياسي، لكنه لم يكن نهاية عملية التحرر الوطني وبناء الدولة السودانية.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: لم يكن السودان بلا نضال، لكنه لم يتحرر بحرب تحرير

يمثل الجدل حول الكيفية التي حصل بها السودان على استقلاله في 1 يناير 1956 واحداً من أكثر الجدل التاريخي والسياسي استمراراً في الذاكرة السودانية. وتختزل إحدى الروايات الشائعة المسألة في أن السودان لم يخض حرب تحرير وطنية ضد بريطانيا، ولم تسقط فيه سلطة استعمارية نتيجة ثورة مسلحة أو انتفاضة شعبية شاملة، وإنما انتهى الحكم الثنائي البريطاني ـ المصري عبر مفاوضات واتفاقات دستورية، ثم أعلن البرلمان السوداني الاستقلال في 19 ديسمبر 1955، واعترفت بريطانيا ومصر به ودخل حيز التنفيذ في 1 يناير 1956. وتستند هذه الرواية إلى عناصر واقعية مهمة، لكنها تتحول إلى استنتاج تاريخي خاطئ عندما تجعل غياب الحرب المسلحة دليلاً على غياب النضال الوطني.

المشكلة الأساسية في هذا الجدل هي الخلط بين النضال من أجل الاستقلال والحرب من أجل الاستقلال. فالحرب المسلحة ليست الشكل الوحيد للنضال المناهض للاستعمار؛ فقد تتخذ المقاومة شكل الانتفاضة، أو العصيان، أو الإضراب، أو الصحافة، أو تأسيس الجمعيات السياسية، أو المطالبة بالتمثيل، أو بناء هوية وطنية، أو التفاوض الدستوري، أو استخدام الانتخابات والمؤسسات التشريعية لانتزاع السيادة. وتؤكد الأدبيات الحديثة حول القومية السودانية أن الحركة المناهضة للاستعمار ظهرت في أشكال متعددة منذ القرن التاسع عشر، وأن ثورة 1924 مثلت تحولاً نوعياً حين أصبحت مفاهيم الأمة وتقرير المصير والإرادة الشعبية لغة مباشرة للاحتجاج السياسي (Kurita, 2018; Vezzadini, 2018).

وفي الوقت نفسه، فإن الاتجاه المعاكس، أي تحويل تاريخ الاستقلال إلى قصة انتصار وطني خالص تقوده حركة سودانية موحدة، لا يصمد أمام الأدلة أيضاً. فقد كان السودان حالة استعمارية استثنائية من حيث خضوعه رسمياً لما سمي «الحكم الثنائي» البريطاني ـ المصري، بينما كانت السيطرة البريطانية هي الأقوى عملياً؛ ولذلك ارتبط مصير السودان منذ وقت مبكر بصراع إمبراطوري ودبلوماسي بين لندن والقاهرة. ويرى دوغلاس جونسون أن توقيت الاستقلال وشروطه كانا أقل ارتباطاً بالتعبئة القومية المباشرة مما كانا مرتبطين بالدبلوماسية الدولية وبوضع السودان كإقليم تحكمه قوتان خارجيتان متنافستان (Johnson, 2003).

ومن ثم فإن الحكم الأكثر اتزاناً هو أن السودان لم يحصل على استقلاله بلا نضال، لكنه لم ينتزع استقلاله بحرب تحرير وطنية شاملة. لقد كان الاستقلال السوداني نتيجة تراكم طويل من المقاومة والوعي والتنظيم السياسي، تداخل مع الصراع البريطاني ـ المصري، ومع تراجع شرعية الإمبراطوريات بعد الحرب العالمية الثانية، ومع تطور مبدأ تقرير المصير، ثم تحول في سنوات 1953–1955 إلى انتقال دستوري تفاوضي انتهى بقرار سوداني برلماني. وكان نجاح الحركة الوطنية هنا قائماً بدرجة كبيرة على تحويل الصراع من سؤال قدرة بريطانيا على البقاء إلى سؤال حق السودانيين في تقرير مصيرهم.

ويعتمد بناء هذه الحجة على منهجية ترتيب تاريخي ـ تحليلي تبدأ بتحديد معنى النضال والاستقلال، ثم تتتبع جذور المقاومة قبل الحكم الثنائي، وانتقالها إلى القومية الحديثة في 1924، ثم تشكل النخب والمؤسسات الوطنية في الثلاثينيات والأربعينيات، ثم تداخل الحركة الوطنية مع الصراع البريطاني ـ المصري، ثم اتفاق 1953 والحكم الذاتي والانتخابات والسودنة، وصولاً إلى أزمة الجنوب وإعلان الاستقلال. وبعد ذلك تُقارن التفسيرات المتنافسة، وتُختبر فرضية «المنحة البريطانية» وفرضية «التحرير الوطني الخالص»، قبل الوصول إلى تركيب يميز بين مصدر النضال، وآلية الاستقلال، ونطاق المشاركة، وطبيعة الدولة التي ورثها السودانيون. وهذا الترتيب يتبع أفضل ممارسة في الكتابة التاريخية التحليلية: الانتقال من المفاهيم إلى التسلسل الزمني، ثم إلى الفاعلين، ثم إلى السببية، ثم إلى نقد السرديات، بدلاً من تجميع الأحداث في قائمة منفصلة.

أولاً: قبل أن نختلف حول «النضال» يجب أن نحدد ما الذي نعنيه بالاستقلال

تبدأ المشكلة من تعريف كلمة «نضال». فإذا قُصر النضال الوطني على الكفاح المسلح الذي يستهدف طرد الجيش الاستعماري، فإن السودان لم يخض حرب استقلال بالمعنى الذي عرفته الجزائر لاحقاً، أو بعض تجارب أنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو. أما إذا عُرّف النضال باعتباره مجموع الأفعال السياسية والاجتماعية والفكرية والمؤسسية التي تستهدف إنهاء السيادة الأجنبية وإقامة حكم وطني، فإن القول بعدم وجود نضال يصبح غير قابل للدفاع عنه تاريخياً.

وهذا التفريق ليس لغوياً؛ بل يغير تفسير التاريخ كله. فالحركة الوطنية السودانية لم تبدأ عندما قررت بريطانيا في الخمسينيات الانسحاب، وإنما تطورت عبر أجيال. وكان من بين عناصرها المقاومة المسلحة للحكم التركي ـ المصري، والمهدية، والمقاومات المحلية ضد إعادة إخضاع البلاد، ثم ظهور القومية الحديثة والصحافة والجمعيات والطلاب والموظفين والعمال، ثم التنظيمات السياسية ومؤتمر الخريجين والأحزاب والانتخابات. وتصف يوشيكو كوريـتا تاريخ السودان الحديث بأنه تميز بسلسلة من النضالات الشعبية المناهضة للاستعمار، أبرزها المهدية وثورة 1924 والحركات السياسية في الأربعينيات والخمسينيات، مع التأكيد على أن الاستقلال لم ينهِ مشكلة القومية السودانية أو بناء الدولة (Kurita, 2018).

والاستقلال نفسه ليس حدثاً أحادي البعد. فهناك استقلال قانوني يعني انتقال السيادة الدولية، واستقلال سياسي يعني أن الحكومة الوطنية هي صاحبة القرار، واستقلال إداري يعني سودنة جهاز الدولة، واستقلال عسكري يعني إنهاء السيطرة الأجنبية على القوات المسلحة، واستقلال اقتصادي يعني التخلص من علاقات التبعية، واستقلال اجتماعي ـ وطني يعني أن الدولة تمثل مختلف الجماعات التي تقع داخل حدودها. وبمقياس هذه المستويات، كان 1 يناير 1956 نجاحاً واضحاً في الاستقلال القانوني والسياسي الخارجي، لكنه لم يكن اكتمالاً لمشروع بناء الأمة أو تصفية الإرث المؤسسي والاجتماعي للاستعمار (Sharkey, 2003; Niblock, 1987).

ومن هنا يمكن صياغة قاعدة منهجية مهمة: غياب الحرب لا يساوي غياب المقاومة، كما أن وجود المقاومة لا يعني بالضرورة أن المقاومة هي العامل الوحيد الذي أنتج الاستقلال. وفي الحالة السودانية يجب الفصل بين أربعة أسئلة مترابطة: هل وُجد نضال وطني؟ نعم. هل كان النضال موحداً؟ لا. هل كان مسلحاً على نطاق واسع حتى 1956؟ لا. وهل كان النضال وحده كافياً لإنتاج الاستقلال في ذلك التوقيت؟ أيضاً لا.

ثانياً: جذور المقاومة أقدم من الحركة الوطنية الحديثة، لكن المهدية ليست القومية السودانية الحديثة

لا يمكن البدء بتاريخ النضال السوداني من مؤتمر الخريجين في 1938، لأن ذلك يحذف قرناً تقريباً من المقاومة والتجارب السياسية التي أسهمت في تشكيل الذاكرة الوطنية. فقد أدى إخضاع السودان للحكم التركي ـ المصري منذ 1821 إلى نشوء أشكال متعددة من المقاومة المحلية، ثم جاءت المهدية في 1881 باعتبارها حركة دينية وسياسية وعسكرية نجحت في إسقاط الحكم التركي ـ المصري وإقامة دولة مستقلة استمرت حتى الغزو البريطاني ـ المصري في 1898.

وكانت المهدية، من هذه الزاوية، تجربة سيادة سودانية مستقلة قبل قيام الحكم الثنائي. لكنها لم تكن حركة قومية حديثة بالمعنى الذي نشأ في القرن العشرين؛ فقد كانت شرعيتها دينية وثورية، وكانت رؤيتها السياسية والاجتماعية مختلفة عن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة القائمة على المواطنة والتمثيل البرلماني. ولذلك يجب تجنب خطأين متناقضين: اختزال المهدية إلى مجرد حركة دينية لا علاقة لها بتاريخ الاستقلال، أو إسقاط مفهوم القومية السودانية الحديثة عليها بأثر رجعي (Warburg, 2003).

ومع ذلك كانت الذاكرة المهدية عاملاً بالغ الأهمية في تشكيل السياسة الوطنية اللاحقة. فأنصار المهدي لم يعتبروا الاستقلال في 1956 مجرد نهاية للحكم البريطاني، بل رأوا فيه في جانب مهم «تحريراً ثانياً» يعيد للسودان استقلالاً سبق أن عرفه في الفترة 1885–1898. وفي المقابل، أصبحت الطريقة الختمية وقادتها جزءاً من المعسكر السياسي المرتبط بالاتحاديين والعلاقة مع مصر، الأمر الذي جعل الإرث الديني ـ السياسي جزءاً من الصراع على معنى الاستقلال نفسه (Warburg, 2003).

ومن ثم فإن الاستقلال لم يكن نتيجة ظهور فكرة وطنية من العدم في منتصف القرن العشرين. كانت هناك طبقات متراكمة من الذاكرة السياسية: مقاومة الحكم التركي ـ المصري، الدولة المهدية، إعادة الاحتلال، الحكم الثنائي، ثم القومية الحديثة. لكن الانتقال من المقاومة الدينية والعسكرية إلى القومية السياسية الحديثة كان تحولاً نوعياً، وكانت ثورة 1924 هي إحدى أهم حلقاته.

ثالثاً: ثورة 1924 كسرت أسطورة غياب النضال الحديث وولّدت لغة الأمة وتقرير المصير

تحتل ثورة 1924 موقعاً مركزياً في أي إجابة علمية عن سؤال ما إذا كان السودان عرف نضالاً وطنياً. فقد مثلت، وفق إيلينا فيزاديني، أول مرة في التاريخ السوداني الحديث أصبحت فيها الأيديولوجيا القومية لغة للسياسة واستُخدمت بنجاح لتعبئة أعداد كبيرة من الناس. وشارك في الاحتجاجات آلاف السودانيين من خلفيات مهنية واجتماعية ودينية متعددة، ورفعت الحركة شعارات مرتبطة بتقرير المصير وإرادة الأمة وحق المواطنين في اختيار مستقبلهم (Vezzadini, 2018).

وكانت جمعية اللواء الأبيض التي قادت الحركة أكثر تعقيداً من الصورة التقليدية التي تجعلها مجرد تجمع من الضباط السودانيين. فقد كان بين أعضائها موظفون وطلاب وعمال وعناصر من خلفيات إقليمية واجتماعية مختلفة، وكان علي عبد اللطيف نفسه ذا أصول مرتبطة بجنوب كردفان والجنوب، في حين جاء آخرون من شمال السودان أو من خلفيات مصرية ـ سودانية مختلطة. وتبين دراسة فيزاديني للقوائم المتاحة أن نحو 90% من الأعضاء المعروفين مهنياً كانوا من السودانيين المتعلمين، مع حضور واضح لموظفي السكك الحديدية والبريد والبرق، إضافة إلى بعض الحرفيين والتجار والعسكريين السابقين (Vezzadini, 2021).

وتزداد أهمية الثورة إذا تجاوزنا قيادة التنظيم إلى قاعدة الاحتجاج. فقد حاولت الإدارة البريطانية التقليل من أهمية مشاركة العمال والطبقات الشعبية، ووصفت المتظاهرين في بعض الوثائق الاستعمارية بعبارات طبقية تحقيرية، لكن الأدلة التي أعيد تحليلها حديثاً تظهر أن العمال والحرفيين والشرائح الشعبية لم يكونوا مجرد جمهور مدفوع من النخب أو مصر، بل شاركوا لأسباب ومظالم متعددة، ووجدوا في خطاب الأمة وسيلة للتعبير عن مطالبهم (Vezzadini, 2021).

ولم تكن ثورة 1924 حدثاً محلياً منعزلاً؛ فقد تأثرت بالأفكار المناهضة للاستعمار التي انتشرت عبر الصحافة والاتصالات بين مصر والسودان والعالم الأوسع بعد الحرب العالمية الأولى. وقد أعادت فيزاديني تفسيرها ضمن مفهوم «الوطنية العابرة للحدود من الأسفل»، حيث لم تكن الأفكار تنتقل فقط عبر النخب والدبلوماسيين، بل عبر الصحف والأخبار والروابط الاجتماعية وشبكات الاحتجاج (Vezzadini, 2015). كما أن تأثير مصر كان حقيقياً، لكن هذا لا يلغي أن السودانيين أعادوا صياغة الأفكار الواردة من الخارج وفق صراعاتهم المحلية (el-Amin, 1986; Vezzadini, 2015).

وفشلت الثورة في إسقاط الحكم الاستعماري؛ فقد قمعتها السلطات خلال أشهر، وارتبطت نهايتها أيضاً بأزمة العلاقات البريطانية ـ المصرية واغتيال الحاكم العام سير لي ستاك في القاهرة في نوفمبر 1924. لكن معيار النجاح هنا لا ينبغي أن يكون فقط إسقاط الاستعمار فوراً. فقد أدخلت الثورة مفردات الأمة والمواطنة وتقرير المصير إلى الحياة السياسية السودانية، وخلقت ذاكرة احتجاجية أصبحت جزءاً من تاريخ القومية الوطنية (Daly, 1977; Vezzadini, 2015).

ولهذا فإن القول إن السودان لم يشهد نضالاً وطنياً قبل الخمسينيات يصطدم بواقعة موثقة: في 1924، أي قبل الاستقلال بأكثر من ثلاثة عقود، كان سودانيون ينظمون احتجاجاً سياسياً ضد الحكم الاستعماري مستخدمين لغة تقرير المصير والأمة والإرادة الشعبية.

رابعاً: من الثورة التي هُزمت إلى النخبة التي بنت أدوات الاستقلال داخل مؤسسات الاستعمار

بعد قمع ثورة 1924 لم تختفِ الوطنية السودانية، لكنها غيرت أدواتها. انتقلت الحركة تدريجياً من الانتفاضة المباشرة إلى التعليم والصحافة والجمعيات والمجالس والوظيفة العامة والعمل الثقافي، ثم إلى التنظيم السياسي. وهذا التحول مهم لأن الاستقلال السوداني في النهاية لم يُنتزع بإسقاط الإدارة الاستعمارية، وإنما جرى جزء كبير من انتزاعه من داخل المؤسسات التي أنشأها الحكم الاستعماري نفسه.

كان التعليم أحد أهم هذه المؤسسات. فقد شهد العقد الاستعماري الأخير توسعاً تعليمياً ملحوظاً، وارتبط التعليم بتكوين طبقة جديدة من الموظفين والمحامين والمعلمين والأطباء والمهنيين الذين امتلكوا أدوات الدولة الحديثة، ثم بدأوا في استخدامها للمطالبة بزيادة تمثيل السودانيين في الإدارة وتقرير مستقبل البلاد (Berridge, 2018; Sharkey, 2003).

وهنا تبرز إحدى أكثر مفارقات الاستعمار السوداني أهمية: الأشخاص الذين ساعدوا في تشغيل الدولة الاستعمارية أصبحوا من أهم من طالبوا بإزاحتها. وتؤكد هذر شاركي أن تاريخ ما بعد الاستعمار ركز كثيراً على الحكام البريطانيين والثوار الفلاحين، بينما أغفل الموظفين والكتبة والفنيين والمعلمين والأطباء المحليين الذين جعلوا الدولة الاستعمارية تعمل يومياً. هؤلاء لم يكونوا جميعاً مناضلين، لكنهم كانوا في الوقت نفسه جزءاً من الجهاز الاستعماري وحاملين تدريجياً لمشروع إزاحة السلطة الإمبراطورية (Sharkey, 2003).

وقد ظهر مؤتمر الخريجين العام في 1938 في هذا السياق. وكان في البداية مرتبطاً بالمصالح التعليمية والاجتماعية للمتعلمين، لكنه تحول سريعاً إلى منصة سياسية، واستطاع أن يضع مطالب السودانيين أمام الإدارة البريطانية. وتؤكد دراسة محمد علي محمد سليمان أن المؤتمر كان أول هيئة سياسية منظمة ذات قاعدة من الخريجين استطاعت جمع اتجاهات متعددة، وأن مذكرة 1942 كانت من أهم أدواته السياسية، بينما يبين جيراسيموف وبابكر أن نشاطه الصحفي والثقافي ساعد على تحويل النقاش العام من المطالب الاجتماعية إلى قضايا الحكم والتمثيل والاستقلال (سليمان، 2020؛ Gerasimov & Babiker, 2021).

وفي 3 أبريل 1942 قدم المؤتمر مذكرته الشهيرة التي طالبت، ضمن مطالب أخرى، بزيادة مشاركة السودانيين في الإدارة وبالاعتراف بحقهم في الحكم الذاتي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وكان ذلك انتقالاً واضحاً من المطالبة بالإصلاح الإداري إلى المطالبة بمستقبل سياسي يقرره السودانيون (Abushouk, 2011).

غير أن مؤتمر الخريجين لم يكن حركة جماهيرية ديمقراطية بالمعنى الحديث. فقد كان متمركزاً أساساً بين المتعلمين وسكان المدن، وتداخل مع الزعامات الطائفية والمصالح الاجتماعية للنخب. وهذه المحدودية مهمة جداً؛ لأنها تفسر لماذا كان الاستقلال وطنياً من جهة، ونخبوياً من جهة أخرى. ومن الخطأ استخدام نخبوية الحركة لنفي وطنيتها، كما من الخطأ استخدام وطنيتها لنفي نخبوية بنيتها الاجتماعية.

وفي الوقت نفسه لم يكن مؤتمر الخريجين الفاعل الاجتماعي الوحيد. فقد لعب الطلاب دوراً متزايداً منذ إضراب كلية غوردون التذكارية في 1931، ثم تأسيس أول اتحاد طلابي في 1941، وأصبح الطلاب أحد روافد الوعي السياسي والحركة الوطنية. كما تطورت الحركة العمالية في الأربعينيات، وتحولت النقابات من المطالب الاقتصادية إلى استخدام قدرتها على التنظيم والاحتجاج في سياق المطالبة بتغيير علاقة العمل والدولة والمجتمع بالاستعمار (عز الدين، 2006؛ Curless, 2021).

وتوضح الدراسات الحديثة أن الحركة العمالية السودانية لم تكن مجرد حركة مطلبية منفصلة عن السياسة. فقد أدى إضراب عمال السكك الحديدية وغيرها من القطاعات إلى تطوير مفهوم «انتزاع المطالب» من الدولة الاستعمارية، ثم أصبح النشاط النقابي جزءاً من التحولات السياسية التي رافقت نزع الاستعمار. لكن المفارقة أن النخب السياسية الوطنية بدأت بعد ذلك تنظر أحياناً إلى استقلال الدولة وبناء الأمة باعتبارهما سبباً لتقييد استقلالية الحركة العمالية (Curless, 2021).

كما ظهرت الحركة النسائية السودانية في السنوات السابقة للاستقلال، ولا سيما مع تأسيس الاتحاد النسائي السوداني عام 1952، وبدأت الصحافة النسائية تناقش التعليم وحقوق المرأة ودورها في بناء الأمة. وهذا يوسع مفهوم النضال الوطني خارج الصورة التقليدية التي تحصره في الرجال والسياسيين والعسكريين (Vezzadini, 2025).

وهكذا فإن مرحلة 1938–1952 لا تسمح بوصف السودان بأنه بلا نضال؛ بل تكشف انتقال النضال إلى بناء القدرة الوطنية على إدارة الدولة.

خامساً: الحركة الوطنية لم تكن جبهة واحدة؛ فقد اختلف السودانيون على معنى التحرير نفسه

من أكثر الأخطاء شيوعاً في الروايات المبسطة افتراض وجود حركة وطنية سودانية موحدة كانت تعرف منذ البداية أنها تريد «الاستقلال» بالمعنى نفسه. الواقع كان أكثر تعقيداً. فقد انقسمت الحركة السياسية بين تيار استقلالي مرتبط بحزب الأمة والأنصار بقيادة السيد عبد الرحمن المهدي، وتيار اتحادي ارتبط بالختمية وبالحزب الوطني الاتحادي وبفكرة وحدة وادي النيل، إلى جانب تيارات يسارية ومهنية ونقابية وحركات سياسية جنوبية ومستقلة.

كان السؤال الأساسي في الأربعينيات والخمسينيات: هل تحرير السودان يعني الاستقلال الكامل، أم الاتحاد مع مصر، أم صيغة أخرى من العلاقة بين البلدين؟ ولذلك لم تكن مصر مجرد قوة خارجية تواجه حركة وطنية سودانية متحدة؛ فقد كان لها حلفاء سودانيون حقيقيون، كما أن بعض السودانيين رأوا في مصر وسيلة للخلاص من بريطانيا. وفي المقابل، رأى آخرون أن استبدال السيطرة البريطانية بسيادة مصرية لا يمثل استقلالاً وطنياً (Mills, 2015; Johnson, 2003).

وكان حزب الأمة والاستقلاليون أكثر تشدداً في رفض السيادة المصرية، بينما استفادت الحركة الاتحادية من الدعم المصري. وفي الانتخابات البرلمانية التي جرت في 2 و25 نوفمبر 1953 فاز الحزب الوطني الاتحادي بقيادة إسماعيل الأزهري بـ51 مقعداً من أصل 97 في مجلس النواب، مقابل 22 لحزب الأمة، مع تمثيل للقوى الجنوبية والمستقلين والحزب الجمهوري الاشتراكي. وقد سمح ذلك للأزهري بتشكيل الحكومة الوطنية الأولى (Abushouk, 2011).

والأهم أن نتائج الانتخابات نفسها لا يمكن اختزالها في «اختيار الوحدة مع مصر». فقد فسرها بعض المعاصرين باعتبارها انتصاراً للاتحاديين، بينما تظهر الدراسات أن التصويت كان أكثر تعقيداً، وأن العلاقة بمصر لم تكن التفسير الوحيد للسلوك الانتخابي. كما أن بعض الوثائق البريطانية والأمريكية رأت أن نتائج الانتخابات عكست بدرجة كبيرة رفضاً للسيطرة البريطانية أكثر مما مثلت تفويضاً نهائياً بالوحدة مع مصر (CIA, 1953).

وتكشف أحداث مارس 1954، المعروفة بـ«أحداث مارس»، عمق هذا الصراع. فعندما جاء الرئيس المصري محمد نجيب إلى الخرطوم لافتتاح البرلمان، احتشد أنصار حزب الأمة، ولا سيما من غرب السودان، للاحتجاج، ووقعت اشتباكات مع الشرطة أسفرت عن قتلى، من بينهم بريطاني وسوداني. وأظهرت الأحداث كيف تداخلت المنافسة بين الوحدة والاستقلال مع التفاوت الإقليمي والطبقي والعرقي، وكيف بدأت صورة «السوداني» نفسها تتعرض للصراع داخل الحركة الوطنية (Berridge, 2024).

وهكذا فإن الاستقلال لم يكن ثمرة إجماع سياسي سابق، بل كان نتيجة إعادة ترتيب تدريجية للمواقف. فقد انتقل الأزهري نفسه من موقع اتحادي قوي إلى إعلان الاستقلال، بينما كان حزب الأمة أصلاً أكثر التصاقاً بالخيار الاستقلالي. وهذا التحول يدل على أن الوطنية السودانية لم تكن عقيدة جامدة، بل عملية سياسية تشكلت عبر التجربة والصراع والتفاوض.

سادساً: بريطانيا ومصر والنظام الدولي — الاستقلال لم يكن سودانياً خالصاً ولا بريطانياً ممنوحاً

لا يمكن فهم استقلال السودان من دون الصراع البريطاني ـ المصري. فالحكم الثنائي الذي تأسس عام 1899 كان قانونياً صيغة مشتركة، لكنه عملياً منح بريطانيا موقعاً مهيمنًا في الإدارة. وظلت مصر تعتبر السودان جزءاً من مجالها السياسي والتاريخي، بينما رأت بريطانيا أن بقاء السودان خارج السيطرة المصرية يخدم مصالحها الاستراتيجية في وادي النيل وشرق إفريقيا.

وفي هذا السياق يجب رفض تصورين متطرفين. الأول هو أن بريطانيا كانت منذ البداية تريد منح السودان استقلاله؛ والثاني هو أن بريطانيا كانت قادرة على الاحتفاظ بالسودان إلى الأبد لولا النضال السوداني وحده. فقد تغيرت حسابات الإمبراطورية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت تكلفة الإمبراطورية السياسية والدبلوماسية أعلى، كما تغيرت البيئة الدولية، وصعد مبدأ تقرير المصير، وأصبحت بريطانيا بحاجة إلى إعادة ترتيب علاقتها بمصر وقناة السويس والشرق الأوسط.

وقد أبرز هانز أن السودان كان جزءاً من استراتيجية دبلوماسية أوسع في مرحلة تفكك الإمبراطوريات، وأن التنافس البريطاني ـ المصري كان حاسماً في تحديد توقيت وشروط الانتقال (Hanes, 1995). كما يرى وودوارد أن السودان كان مضطراً إلى التعامل مع قوتين إمبراطوريتين لا مع قوة استعمارية واحدة، وهو ما جعل الحركة الوطنية السودانية تقضي جزءاً كبيراً من طاقتها في المناورة بين لندن والقاهرة (Woodward, 2011).

أما مصر، فقد لعبت دوراً مزدوجاً. فالقومية المصرية ساعدت بصورة غير مباشرة على إدخال قضية السودان إلى مركز الصراع ضد بريطانيا، لكن مطالبة القاهرة بالسيادة على السودان أثارت أيضاً مخاوف لدى كثير من السودانيين. وتوضح دراسة ديفيد ميلز أن فشل مصر في بناء روابط اقتصادية واجتماعية متماسكة مع السودان أسهم في إضعاف مشروع وحدة وادي النيل، وأن الاقتصاد كان أحد العوامل التي جعلت الوحدة المصرية ـ السودانية أقل قابلية للاستمرار (Mills, 2015).

ومن هنا يمكن فهم لماذا كان للصراع الخارجي تأثير متناقض على الحركة الوطنية. فقد أتاح للسودانيين مساحة للمناورة، لأن بريطانيا ومصر لم تكونا متفقتين على مستقبل السودان. لكنه في الوقت نفسه جعل الحركة الوطنية مضطرة إلى التعامل مع قوة استعمارية وقوة إقليمية تدعي حقاً تاريخياً في البلاد، بينما كان السودانيون أنفسهم منقسمين حول العلاقة مع مصر.

وهذا هو السياق الذي جعل الاستقلال السوداني حالة نزع استعمار متعدد الأطراف. فلم يكن على الحركة الوطنية أن تهزم بريطانيا عسكرياً؛ كان عليها أن تمنع أيضاً انتقال السودان من الهيمنة البريطانية إلى السيادة المصرية، وأن تحول الصراع بين الإمبراطوريتين إلى اعتراف بحق السودانيين في اختيار مستقبلهم.

سابعاً: اتفاق 1953 حوّل النضال من معركة على الوجود إلى معركة على آلية تقرير المصير

كان اتفاق 12 فبراير 1953 بين بريطانيا ومصر نقطة التحول القانونية والسياسية الكبرى. فقد نص الاتفاق على فترة انتقالية للحكم الذاتي وعلى ترتيبات لسودنة الإدارة وانسحاب القوات البريطانية والمصرية، وعلى أن يقرر السودانيون مستقبل السودان، إما بالارتباط بمصر في صيغة ما أو بالاستقلال الكامل (Egypt; United Kingdom, 1953).

وتكمن أهمية الاتفاق في أنه غيّر طبيعة القضية. قبل ذلك كان السؤال هو: «هل ستقبل بريطانيا ومصر باستقلال السودان؟». بعد الاتفاق أصبح السؤال: «كيف سيقرر السودانيون مستقبل السودان؟». وهذه نقلة استراتيجية هائلة في مسار النضال الوطني، لأن الحركة الوطنية لم تعد مطالبة بإسقاط الإدارة الاستعمارية بالقوة، وإنما بالسيطرة السياسية على المؤسسات التي ستتولى تقرير المصير.

وقد نصت المادة 12 من الاتفاق على أن الجمعية التأسيسية ستقرر مستقبل السودان كوحدة واحدة، وأن الخيارات تشمل الارتباط بمصر أو الاستقلال الكامل، بينما تعهدت الحكومتان باحترام القرار وتنفيذه (Egypt; United Kingdom, 1953).

وكانت هذه الآلية في حد ذاتها انتصاراً مهماً لمبدأ السيادة السودانية، حتى وإن كان الاتفاق نتاجاً للتفاوض بين بريطانيا ومصر. فالمسألة لم تعد قابلة للحسم بين قوتين خارجيتين دون مشاركة سودانية. ولهذا فإن القول إن بريطانيا «منحت» السودان الاستقلال يتجاهل أن الاتفاق نفسه جعل القرار النهائي متعلقاً بإرادة مؤسسات سودانية.

لكن الاتفاق يكشف في الوقت نفسه محدودية الحركة الوطنية. فعملية تقرير المصير كانت إلى حد كبير عملية نخبوية مؤسسية، ولم تكن استفتاءً شعبياً مباشراً لجميع سكان السودان. كما أن معظم قادة الجنوب لم يكونوا شركاء متساوين في المفاوضات التي سبقت الاتفاق، وهو ما سيصبح أحد أكبر عيوب عملية الاستقلال.

وقد كان الحكم الذاتي نفسه مرحلة انتقالية؛ فأُجريت الانتخابات، وشُكلت المؤسسات الحكومية، وبدأت عملية السودنة. وفي الانتخابات التي جرت في نوفمبر 1953 انتُخب البرلمان الذي أصبح مركز القرار الوطني، ثم تولى إسماعيل الأزهري رئاسة الحكومة في يناير 1954 (Abushouk, 2011).

وبذلك أصبحت الانتخابات والسودنة والبرلمان أدوات نضال وطني، لا مجرد إجراءات إدارية. فالاستقلال السوداني لم ينتظر سقوط الإدارة الاستعمارية ثم يبدأ بناء الدولة، بل استخدم عملية انتقال السلطة نفسها لتكوين الدولة الوطنية.

ثامناً: السودنة والبرلمان والعمال والطلاب — الاستقلال انتُزع أيضاً من داخل مؤسسات الدولة

كانت السودنة أحد أكثر عناصر الاستقلال أهمية وأقلها حضوراً في الروايات الشعبية. فالاستقلال لا يصبح فعلياً إذا ظلت الإدارة العليا والجيش والقضاء والمالية والتعليم تحت قيادة أجنبية. ولذلك كان نقل الوظائف والمسؤوليات إلى السودانيين جزءاً من نقل السيادة نفسها.

وتوضح الدراسات أن العقد الأخير من الحكم الثنائي شهد عملية توسع وتعريب وتوحيد وتعزيز للتعليم، بينما أصبح السودانيون أكثر حضوراً في الإدارة. وكان هذا التوسع مزدوج الأثر: فمن جهة ساعد على إعداد كوادر الدولة الوطنية، ومن جهة أخرى خلق طبقة متعلمة أكثر قدرة على نقد الحكم الاستعماري والمطالبة بالسلطة (Berridge, 2018; Sharkey, 2003).

وهذا يفسر المفارقة التي تبدو في ظاهرها تناقضاً: الدولة الاستعمارية نفسها أنتجت بعض الأدوات البشرية والمؤسسية التي ساعدت على إنهائها. فالموظف السوداني الذي يدير السكك الحديدية أو التعليم أو الصحة أو المالية لم يكن بالضرورة ثورياً، لكنه كان يكتسب خبرة الدولة الحديثة، ثم يصبح قادراً على تولي الدولة بعد خروج البريطانيين.

أما الحركة العمالية، فقد أصبحت في الأربعينيات قوة اجتماعية أكثر وضوحاً. فقد أظهرت إضرابات العمال أن المطالب الاقتصادية يمكن أن تتحول إلى مطالب سياسية، وأن الدولة الاستعمارية كانت في الوقت نفسه أكبر رب عمل وأداة للحكم. ويبين غاريث كيرلس أن النقابات السودانية استخدمت «المطالبة» كأداة تفاوضية، وربطت الاستقرار الصناعي والإنتاج بحقوق العمال، ثم أصبحت هذه القدرة السياسية جزءاً من ديناميات نزع الاستعمار (Curless, 2021).

وكان الطلاب بدورهم قوة سياسية مهمة. فإضراب كلية غوردون في 1931، ثم تكوين التنظيمات الطلابية، ثم ارتباط الخريجين بالحركة السياسية، ساعد على نشر الوعي الوطني خارج نطاق الزعامات التقليدية. ولذلك لم تكن الحركة الوطنية مجرد صراع بين حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي، بل كانت شبكة أوسع من المؤسسات الاجتماعية التي أنتجت المجال السياسي الجديد (عز الدين، 2006).

كما أن الصحافة كانت أداة مركزية في تكوين المجال الوطني. فقد سمحت الصحف للسودانيين بتبادل الأفكار، ونشر النقد السياسي، ومناقشة العلاقة بمصر وبريطانيا، وصياغة صورة جديدة للأمة السودانية. وكانت هذه الصحافة جزءاً من الانتقال من الوطنية النخبوية المحدودة إلى المجال العام السياسي.

وبهذا المعنى، فإن «النضال» الذي أدى إلى الاستقلال لم يكن حدثاً واحداً، بل عملية بناء لقدرة وطنية: بناء التنظيم، وبناء الصحافة، وبناء التعليم، وبناء النقابات، وبناء الخبرة الإدارية، وبناء الأحزاب، وبناء البرلمان، ثم استخدام هذه الأدوات للحصول على السيادة.

تاسعاً: الجنوب يختبر صدق الرواية الوطنية — الاستقلال تحقق قبل أن يتحقق الإجماع على الدولة

إذا كان السؤال هو ما إذا كان السودان حصل على استقلاله «بوصفه أمة موحدة»، فإن قضية الجنوب تكشف حدود هذا النجاح بوضوح. فقد كان الجنوب حاضراً في ترتيبات الدولة، لكنه لم يكن شريكاً مساوياً في صياغة مفهوم الاستقلال. وكانت هناك اختلافات عميقة في التعليم والدين واللغة والإدارة والتنمية والتمثيل السياسي، إضافة إلى إرث سياسات الحكم الاستعماري التي فصلت الجنوب إدارياً وتعليمياً لفترات طويلة.

وتشير الدراسات إلى أن الحركة الوطنية الشمالية كانت في الغالب أكثر تقدماً في تنظيمها السياسي من الجنوب، بينما كان الوعي السياسي الحديث في الجنوب أقل تطوراً من حيث المؤسسات الحزبية، مع وجود مخاوف عميقة من انتقال السلطة من البريطانيين إلى نخبة شمالية. وقد طالب سياسيون جنوبيون في أوائل الخمسينيات بضمانات اتحادية وبوقت أطول للتحول السياسي، ولم تكن هذه المطالب مجرد رفض للاستقلال، بل محاولة لتجنب ما اعتبروه «استعماراً شمالياً» (Johnson, 2003; Woodward, 2011).

وفي مؤتمر جوبا وغيره من التحركات السياسية، تطورت المطالبة الجنوبية من الإصلاح والتنمية إلى الفيدرالية، ثم إلى التهديد بحق تقرير المصير إذا لم تُضمن صيغة اتحادية. وفي أكتوبر 1954 اجتمعت القوى السياسية الجنوبية وقررت دعم استقلال السودان عن مصر، لكن ضمن نظام اتحادي يمنح الجنوب حكماً إقليمياً واسعاً. وقد أصبح هذا أحد أهم الاختبارات لمدى شمول الحركة الوطنية السودانية (Johnson, 2003).

وجاءت عملية السودنة لتزيد المخاوف الجنوبية. فقد اعتبر كثير من الجنوبيين أن استبدال الموظفين البريطانيين بموظفين شماليين لا يمثل «تحريراً» إذا لم يصاحبه تمثيل متساوٍ وضمانات سياسية. ولذلك أصبحت السودنة، التي كانت من أدوات الاستقلال الوطني في منظور الشمال، مصدراً للقلق في الجنوب.

وفي أغسطس 1955، قبل الاستقلال بأقل من ستة أشهر، اندلع تمرد توريت في قوات الاستوائية. وتظهر الدراسات الحديثة أن الأحداث كانت عنيفة للغاية؛ فقد قتل خلال أسبوعين نحو 261 من الشماليين من الرجال والنساء والأطفال، وفرّ كثير من الجنوبيين، واعتُقل عدد كبير منهم، ونُفذت أحكام إعدام بحق عشرات من المتهمين بالتمرد (Rolandsen & Leonardi, 2014).

لكن من المهم عدم ارتكاب خطأ تاريخي آخر بتحويل تمرد توريت مباشرة إلى «الحرب الأهلية الأولى». فقد خلص رولاندسن إلى أن الحرب الأهلية المنظمة واسعة النطاق لم تبدأ فعلياً إلا في أواخر 1963، وأن الفترة بين 1955 و1962 كانت مرحلة من التوتر السياسي والعنف منخفض الشدة والركود الاجتماعي والاقتصادي التي جعلت الحرب اللاحقة أكثر احتمالاً (Rolandsen, 2011).

وهنا تظهر المفارقة المركزية: السودان استطاع إنهاء السيادة الأجنبية قبل أن ينجح في بناء اتفاق وطني حول شكل الدولة. لذلك لا يمكن اعتبار استقلال 1956 دليلاً على اكتمال الأمة السودانية؛ لقد كان في جانب منه انتقالاً للسيادة قبل اكتمال عملية بناء الدولة الوطنية الجامعة.

عاشراً: 19 ديسمبر 1955 — انتصار البرلمان أم قفزة فوق آلية تقرير المصير؟

في 19 ديسمبر 1955 اتخذ البرلمان السوداني القرار الحاسم بإعلان استقلال السودان. وفي اليوم التالي أبلغ وزير الخارجية البريطاني هارولد ماكميلان مجلس العموم أن مجلس النواب السوداني أقر إعلان الاستقلال وطلب من بريطانيا ومصر الاعتراف به، وأن الحكومة البريطانية رحبت بالقرار بعد التشاور مع الحكومة المصرية (United Kingdom Parliament, 1955).

وتكتسب هذه الواقعة أهمية استثنائية في الجدل حول «منح» الاستقلال. فلم تعلن بريطانيا استقلال السودان من طرف واحد، ولم تعلن مصر استقلاله، بل صدر القرار من المؤسسة التشريعية السودانية التي نشأت خلال مرحلة الحكم الذاتي. ثم اعترفت القوتان الخارجيتان به، ودخل الاستقلال حيز التنفيذ في 1 يناير 1956. وفي نوفمبر من العام نفسه قبلت الأمم المتحدة السودان عضواً، وصدر قرار مجلس الأمن في فبراير 1956 بالتوصية بقبوله عضواً، ثم اعتمدت الجمعية العامة عضويته في 12 نوفمبر 1956 بالإجماع (United Nations Security Council, 1956; United Nations General Assembly, 1956).

لكن هذا النجاح الدستوري يخفي إشكالية مهمة: اتفاق 1953 كان يتصور آلية تقرير مصير تتضمن الجمعية التأسيسية وربما الاستفتاء، بينما انتهى الأمر إلى قرار برلماني بالإجماع. وهنا تبرز إحدى أكثر المسائل إثارة للجدل في تاريخ الاستقلال.

يرى محمد وردام أن إسماعيل الأزهري عجّل بإعلان الاستقلال قبل استكمال آلية الاستفتاء المقررة، partly بسبب هشاشة تحالفه السياسي ورغبته في تثبيت موقعه، مع وجود تعهدات سياسية للقاهرة. كما أن حزب الأمة والأنصار رأوا الاستقلال «تحريراً ثانياً»، بينما وافق الجنوبيون على القرار بعد الحصول على وعود بأن تتم دراسة النظام الاتحادي بعد الاستقلال (Waal, 2021).

وهذا يعني أن قرار 19 ديسمبر كان في الوقت نفسه انتصاراً وطنياً وخطوة سياسية تكتيكية. فقد وحد القوى السودانية المختلفة حول هدف واحد في لحظة حاسمة، لكنه فعل ذلك قبل تسوية الخلافات المتعلقة بالدستور والجنوب وشكل الدولة.

ومع ذلك، لا ينبغي وصف القرار بأنه «إجراء شكلي». فقد كان قراراً سيادياً حقيقياً صادرًا عن مؤسسة سودانية، وكانت بريطانيا ومصر مضطرتين إلى احترامه. وتؤكد الوثائق البريطانية أن الحكومة البريطانية أعلنت صراحة أنها تريد الاستجابة للرغبات السودانية في العملية الدستورية النهائية (United Kingdom Parliament, 1955).

لذلك فإن الصياغة الأدق هي أن الاستقلال أُنجز عبر فعل دستوري سوداني داخل إطار تفاوضي دولي؛ وهذا يختلف جذرياً عن القول بأنه مُنح للسودان من بريطانيا.

الحادي عشر: ماذا تقول النظريات المقارنة؟ الاستقلال السوداني حالة «نزع استعمار تفاوضي» لا «تحرير مسلح» ولا «منحة استعمارية»

تساعد نظريات القومية ونزع الاستعمار وبناء الدولة على تجاوز الثنائية التقليدية بين «الاستقلال المجاني» و«الاستقلال الثوري».

وفق نظرية القومية، لا تظهر الأمة بالضرورة قبل الدولة، بل يمكن أن تتشكل تدريجياً عبر الصحافة والتعليم والمؤسسات السياسية والذاكرة والاحتجاج. وهذا ينطبق بدرجة كبيرة على السودان؛ فقد كانت «السودانية» في بداية القرن العشرين فكرة غير مكتملة، ثم أصبحت خطاباً سياسياً في 1924، ثم مؤسسة سياسية في مؤتمر الخريجين والأحزاب، ثم أساساً للسيادة البرلمانية في 1955 (Vezzadini, 2018; Sharkey, 2003).

وفق نظرية نزع الاستعمار التفاوضي، لا يشترط إنهاء الاستعمار إسقاط النظام بالقوة. فقد يحدث عندما يصبح الاستمرار الاستعماري غير قابل للاستدامة، وتستطيع النخب الوطنية بناء مؤسسات قادرة على استلام الدولة، وتتوفر بيئة دولية تعترف بحق تقرير المصير، ثم يجري التفاوض على شروط الانتقال. وهذه النظرية تفسر بصورة جيدة الحالة السودانية، خاصة اتفاق 1953 والسودنة والانتخابات والقرار البرلماني.

أما نظرية الاعتماد على المسار فتوضح لماذا لم يؤد الاستقلال إلى قطيعة مؤسسية. فقد ورث السودان جهازاً إدارياً مركزياً وحدوداً إقليمية وبنية اقتصادية ومؤسسات قانونية وقوات مسلحة وطرقاً في إدارة الأطراف نشأت خلال الحكم الاستعماري. وقد بيّنت شاركي أن الدولة الوطنية السودانية ظلت تحمل آثاراً عميقة من الدولة الاستعمارية، وأن الحدود والهياكل المركزية والتجزئة الاجتماعية والإدارة السلطوية تركت أثراً بعيد المدى (Sharkey, 2003).

وتساعد نظرية الحركات الاجتماعية في تفسير ثورة 1924 والحركة العمالية والطلابية والصحافة، لأنها لا تجعل الحرب معياراً وحيداً للنضال. فالتعبئة والهوية والرموز والاحتجاجات والإضرابات والشبكات والعرائض والمذكرات كلها أدوات ضغط يمكن أن تغير علاقة المجتمع بالدولة الاستعمارية (Vezzadini, 2015; Curless, 2021).

وتضيف مقاربة «بناء الدولة» بعداً أكثر عمقاً: فالاستقلال لا يعني فقط من يملك السيادة الدولية، بل من يستطيع إدارة المؤسسات. وفي هذا الجانب كانت السودنة والتعليم وتكوين الكادر الإداري والقوات الوطنية والبرلمان عناصر جوهرية. لكن هذه العملية نفسها كانت غير متوازنة، وهو ما ساهم في إنتاج التفاوت بين المركز والأطراف.

وأخيراً تكشف مقاربة «السيادة المقيدة» أن استقلال الدولة الجديدة لم يكن مطلقاً. فقد كانت النخبة السودانية بعد 1956 تدرك أن السيادة الخارجية لا تعني القدرة المطلقة على اتخاذ القرار؛ إذ كانت هناك علاقات اقتصادية ومائية وأمنية وإقليمية مرتبطة بمصر وبريطانيا وبالقوى الدولية. وقد أظهرت دراسة حديثة أن السياسيين السودانيين في السنوات 1956–1958 كانوا يتعاملون مع السيادة باعتبارها عملية تفاوضية ومقيدة بالاعتماد الخارجي (Berridge, 2021).

وبذلك يصبح السودان مثالاً على الاستقلال التفاوضي ذي الجذور النضالية: نضال حقيقي، لكنه لم يكن الوسيلة الوحيدة؛ تفاوض حقيقي، لكنه لم يكن منحة؛ وانتقال دستوري حقيقي، لكنه لم يكن إجماعاً شعبياً كاملاً.

الثاني عشر: الحكم التاريخي النهائي — الاستقلال كان وطنياً في مصدره السياسي، تفاوضياً في آليته، ونخبوياً جزئياً في قاعدته، وناقصاً في بناء الأمة

يمكن الآن اختبار الروايات الأربع الرئيسية التي تحكم الجدل.

الرواية الأولى، التي تقول إن السودان حصل على استقلاله «بلا نضال»، صحيحة فقط إذا كان المقصود أن السودان لم يخض حرب تحرير مسلحة واسعة أدت مباشرة إلى انسحاب بريطانيا. أما إذا كان المقصود أن السودانيين لم يقاوموا الاستعمار ولم يطوروا حركة وطنية، فهي خاطئة. فهي لا تستطيع تفسير المهدية، ولا ثورة 1924، ولا مؤتمر الخريجين، ولا مذكرة 1942، ولا الحركة العمالية والطلابية، ولا الصحافة، ولا الانتخابات، ولا السودنة، ولا الصراع السياسي الذي سبق إعلان الاستقلال.

الرواية الثانية، التي تقول إن الحركة الوطنية السودانية وحدها حررت السودان، أقرب إلى الذاكرة الوطنية لكنها تبالغ في استقلالية العامل السوداني. فبريطانيا ومصر كانتا صاحبتَي القرار في بنية الحكم الثنائي، والتحولات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وصعود تقرير المصير، وتغير الموقف المصري بعد ثورة 1952، وإعادة ترتيب المصالح البريطانية، كلها عوامل حاسمة في توقيت الاستقلال وشكله (Johnson, 2003; Hanes, 1995).

الرواية الثالثة، التي تجعل الاستقلال نتيجة للصراع البريطاني ـ المصري أساساً، تفسر كثيراً من تفاصيل التسوية، لكنها تقلل من قدرة السودانيين على تحويل التنافس الخارجي إلى مشروع سيادي. فمصر وبريطانيا كانتا تستطيعان التنافس، لكن النتيجة لم تكن بالضرورة استقلال السودان؛ كان يمكن أن تكون استمرار الحكم الثنائي أو عودة الهيمنة المصرية أو ترتيبات أخرى. العامل السوداني كان ضرورياً لتحويل الإمكان الدبلوماسي إلى دولة مستقلة.

أما الرواية الرابعة، والأكثر توافقاً مع مجموع الأدلة، فتعتبر الاستقلال نتيجة تفاعل أربعة مستويات: نضال وطني سوداني طويل؛ صراع بريطاني ـ مصري على السيادة؛ تغير دولي في شرعية الاستعمار؛ وبناء تدريجي لمؤسسات سودانية قادرة على تولي السلطة. وهذا التفسير لا يضخم أي عامل منفرد ولا يلغي العوامل الأخرى.

والأهم أن هذه النتيجة تسمح بفهم التناقض بين ثورة 1924 وإعلان 1955. فالثورة كانت أكثر صراحة في الاحتجاج الشعبي لكنها فشلت في إسقاط الاستعمار، بينما كان إعلان الاستقلال أقل درامية وأكثر بيروقراطية لكنه نجح قانونياً وسياسياً. لا يوجد تناقض هنا؛ فالحركات الوطنية لا تنجح دائماً بالطريقة التي تبدأ بها. وقد يكون فشل احتجاج مبكر جزءاً من المسار الذي يقود لاحقاً إلى تسوية ناجحة.

ومن هذه الزاوية، كان استقلال السودان نهاية لمرحلة من النضال وبداية لمرحلة أصعب بكثير. لقد نجح السودانيون في انتزاع الاعتراف بحقهم في إدارة دولتهم، لكنهم لم يحسموا قبل 1956 أسئلة أساسية حول المواطنة، والدستور، والفيدرالية، والجنوب، والمركز والأطراف، والدين والدولة، والعلاقة بين الجيش والسياسة، وتوزيع الموارد والتنمية.

وتكشف قضية الجنوب بصورة خاصة أن الاستقلال السياسي لا يساوي بالضرورة بناء أمة سياسية. فقد كان السودان في 1956 مجتمعاً شديد التنوع، ولم يكن أي مكون واحد يشكل أغلبية مطلقة من جميع السكان. وتشير بيانات الفترة إلى تعدد اللغات والهويات والأديان والمناطق، وإلى أن النخبة التي قادت الاستقلال كانت متمركزة بدرجة كبيرة في وادي النيل الأوسط والشمال الحضري (Human Rights Watch, 2003; Johnson, 2016).

وهنا يكمن الدرس الأكثر أهمية: نجاح الاستقلال الخارجي لم يكن مصحوباً بنجاح مماثل في بناء عقد وطني داخلي. لقد تمكنت الحركة الوطنية من الإجابة عن سؤال «من يملك السودان؟» لكنها لم تستطع بالقدر نفسه الإجابة عن سؤال «لمن ينتمي السودان وكيف تُدار سلطته وثروته وهويته؟».

ولهذا لا ينبغي الاحتفال بذكرى الاستقلال باعتبارها مجرد لحظة خروج البريطانيين والمصريين، ولا ينبغي في المقابل التقليل من أهميتها بحجة أنها لم تكن نتيجة حرب تحرير. فقد كان القرار البرلماني في 19 ديسمبر 1955، والاحتفال في 1 يناير 1956، إنجازاً تاريخياً حقيقياً؛ لكنه كان إنجازاً في إنهاء السيادة الأجنبية أكثر منه إنجازاً في إكمال بناء الدولة الوطنية.

إن الوصف الأكثر دقة، والأقرب إلى الأدلة التاريخية المتاحة، هو أن السودان لم ينل استقلاله بلا نضال، ولم ينتزعه بحرب تحرير، ولم يحصل عليه كمنحة استعمارية؛ بل حقق استقلالاً تفاوضياً كانت له جذور وطنية عميقة، ونجح فيه النضال السياسي والدستوري والدبلوماسي أكثر مما نجح فيه الكفاح العسكري. وكانت ثورة 1924 ومؤتمر الخريجين والحركة الطلابية والعمالية والصحافة والأحزاب والسودنة والانتخابات حلقات في سلسلة واحدة، حتى وإن اختلفت أهدافها وأدواتها وقواعدها الاجتماعية.

ومن ثم فإن السؤال التاريخي الصحيح ليس «هل ناضل السودان أم لم يناضل؟»، وإنما: أي سودانيين ناضلوا، وبأي أدوات، ومن أجل أي سودان، ومن الذي كان ممثلاً في عملية تقرير المصير، ومن الذي ظل خارجها؟. وهذه الصياغة تكشف الحقيقة الأكثر تعقيداً: كان هناك نضال وطني حقيقي، لكنه كان متفاوتاً طبقياً وإقليمياً وسياسياً؛ وكان هناك استقلال حقيقي، لكنه لم يكن نهاية للاستعمار بوصفه إرثاً مؤسسياً واجتماعياً؛ وكانت هناك وحدة وطنية لحظة إعلان الاستقلال، لكنها لم تكن إجماعاً مكتمل الأركان على طبيعة الدولة.

خاتمة نقدية: «الاستقلال المجاني» أسطورة، لكن «التحرير الكامل» أسطورة مقابلة

يُظهر الفحص المتكامل للتاريخ أن العبارة القائلة إن السودان نال استقلاله «بدون نضال وطني» لا تصمد أمام الأدلة، إذا كان المقصود بها نفي وجود حركة وطنية أو تقليل شأنها إلى الصفر. فقد كانت المهدية تجربة سابقة للسيادة السودانية، وكانت ثورة 1924 أول تعبير حديث واضح عن القومية المناهضة للاستعمار، ثم ظهر مؤتمر الخريجين ومذكرته عام 1942، وتطورت الصحافة والحركة الطلابية والعمالية والنسائية والأحزاب، وتراكمت الخبرة الإدارية والسياسية، حتى أصبح الاستقلال خياراً سودانياً مؤسسياً لا مجرد رغبة خارجية.

لكن الأدلة نفسها تمنع بناء أسطورة مقابلة تقول إن السودان حقق الاستقلال نتيجة ثورة شعبية موحدة أو حرب تحرير وطنية. فقد كانت الحركة الوطنية منقسمة، وكانت النخبة الحضرية والمتعلمة صاحبة الدور الأكبر، وكان الجنوب والأطراف أقل تمثيلاً، وكانت بريطانيا ومصر والنظام الدولي عوامل لا يمكن الاستغناء عنها في تفسير التوقيت والشروط. ولذلك فإن الاستقلال السوداني لا يندرج ضمن نموذج «التحرير العسكري»، بل ضمن نموذج أكثر تعقيداً يمكن تسميته نزع الاستعمار التفاوضي المدعوم بتراكم نضالي وطني.

والأهم أن الاعتراف بهذا التعقيد ليس تقليلاً من الوطنية السودانية، بل حماية لها من الأسطرة. فالنضال الوطني الحقيقي لا يحتاج إلى اختراع حرب لم تقع، ولا إلى إنكار المفاوضات التي حدثت. كما أن الاعتراف بالدور البريطاني والمصري والدولي لا يحول الاستقلال إلى منحة؛ فالاعتراف الخارجي لا يفسر وحده لماذا أصبحت المؤسسات السودانية صاحبة القرار النهائي، ولماذا اختار البرلمان الاستقلال، ولماذا اضطرت بريطانيا ومصر إلى احترام القرار.

والحكم التاريخي النهائي يمكن صياغته في جملة واحدة: استقلال السودان كان استقلالاً تفاوضياً لا استقلالاً ممنوحاً، وطنياً لا ثورياً، دستورياً لا عسكرياً، ونخبوياً جزئياً لا جماهيرياً شاملاً؛ وقد أنهى الحكم الأجنبي بنجاح، لكنه ترك مهمة بناء الدولة الوطنية الجامعة دون إنجاز كامل.

وهذا هو السبب في أن 1956 ينبغي ألا تُقرأ فقط باعتبارها سنة انتهاء الاستعمار، بل باعتبارها بداية الاختبار الحقيقي للوطنية السودانية. فقد انتقل السؤال من «كيف نخرج البريطانيين والمصريين؟» إلى «كيف نبني دولة يشعر جميع السودانيين بأنها دولتهم؟». ولم يكن الجواب جاهزاً في 1 يناير 1956، ولذلك استمرت بعد الاستقلال الصراعات حول الجنوب والأطراف والدستور والجيش والدين والهوية والتنمية والسلطة.

ومن هنا فإن القيمة العلمية والسياسية لإعادة قراءة الاستقلال ليست في استبدال أسطورة «الاستقلال بلا نضال» بأسطورة «الاستقلال الذي انتزعته ثورة موحدة»، وإنما في استعادة التاريخ كما كان: مقاومات متعاقبة، وقومية ناشئة، ونخب متنافسة، وحركات اجتماعية، وصراع إمبراطوريات، وتسوية دولية، وانتقال دستوري، ثم دولة وطنية ورثت كثيراً من مؤسسات الدولة الاستعمارية قبل أن تنجح في إعادة تأسيسها على قاعدة مواطنة سودانية جامعة.

المراجع

  1. Abushouk IA. The Anglo-Egyptian Sudan: From collaboration mechanism to party politics, 1898–1956. Northeast Afr Stud. 2011;13(2):1–24.
  2. Berridge W. Colonial education and the shaping of Islamism in Sudan, 1946–1956. Br J Middle East Stud. 2018;46(4):583–601.
  3. Berridge W. Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty, 1956–1958. J East Afr Stud. 2021;15(2):196–215.
  4. Berridge W. Western Sudanese marginalization, coups in Khartoum and the structural legacies of colonial military divide and rule, 1924–present. J East Afr Stud. 2024;18(1):1–24.
  5. Curless G. Decolonisation and claim-making in the Sudan, c.1945–1958. In: Béliard Y, Kirk N, editors. Workers of the Empire, Unite: Radical and Popular Challenges to British Imperialism, 1910s–1960s. Liverpool: Liverpool University Press; 2021. p.167–196.
  6. Daly MW. The Governor-Generalship of Sir Lee Stack in the Sudan, 1917–1924 [dissertation]. London: School of Oriental and African Studies, University of London; 1977.
  7. Daly MW. Imperial Sudan: The Anglo-Egyptian Condominium, 1934–1956. Cambridge: Cambridge University Press; 2003.
  8. el-Amin MN. Britain, the 1924 Sudanese uprising, and the impact of Egypt on the Sudan. Int J Afr Hist Stud. 1986;19(2):235–260.
  9. Egypt; United Kingdom. Agreement concerning self-government and self-determination for the Sudan. United Nations Treaty Series. 1953;161:63–93. [Internet]. [accessed 14 September 2026].
  10. Gerasimov IV, Babiker MMT. The Sudanese Graduates’ General Congress and the press. Proc Petrozavodsk State Univ. 2021;43(4):17–25.
  11. Hanes WT. Imperial Diplomacy in the Era of Decolonization: The Sudan and Anglo-Egyptian Relations, 1945–1956. Westport: Praeger; 1995.
  12. Human Rights Watch. Sudan, Oil, and Human Rights. New York: Human Rights Watch; 2003. [Internet]. [accessed 14 September 2026].
  13. Johnson DH. The Root Causes of Sudan’s Civil Wars: Peace or Truce. Oxford: James Currey; 2003.
  14. Johnson DH. South Sudan: A New History for a New Nation. Athens: Ohio University Press; 2016.
  15. Kurita Y. The history of Sudanese nationalism. In: Oxford Research Encyclopedia of African History. Oxford: Oxford University Press; 2018.
  16. LeBaron JE. For God or Country: Mahdists and Nationalists in Sudan, 1900–1956. Princeton: Princeton University; 2006.
  17. Mills DE. Dividing the Nile: Egypt’s Economic Nationalists in the Sudan, 1918–56. Cairo: American University in Cairo Press; 2015.
  18. Niblock T. Class and Power in Sudan: The Dynamics of Sudanese Politics, 1898–1985. London: Macmillan; 1987.
  19. Rolandsen ØH. A false start: Between war and peace in the Southern Sudan, 1956–62. J Afr Hist. 2011;52(1):105–123.
  20. Rolandsen ØH, Leonardi C. Discourses of violence in the transition from colonialism to independence in southern Sudan, 1955–1960. J East Afr Stud. 2014;8(4):609–625.
  21. Sharkey HJ. Living with Colonialism: Nationalism and Culture in the Anglo-Egyptian Sudan. Berkeley: University of California Press; 2003.
  22. Sharkey HJ. Language and conflict: The political history of Arabisation in Sudan and Algeria. Stud Ethn Natl. 2012;12(3):427–449.
  23. Sikainga AA. Slaves into Workers: Emancipation and Labor in Colonial Sudan. Austin: University of Texas Press; 1996.
  24. United Kingdom Parliament. Sudan (Declaration of Independence). Parliamentary Debates, House of Commons. London: UK Parliament; 1955. [Internet]. [accessed 14 September 2026].
  25. United Nations General Assembly. Admission of the Sudan to membership in the United Nations. Resolution 1110(XI). New York: United Nations; 1956. [Internet]. [accessed 14 September 2026].
  26. United Nations Security Council. Resolution 112 (1956): Admission of the Sudan to membership in the United Nations. New York: United Nations; 1956. [Internet]. [accessed 14 September 2026].
  27. Vezzadini E. Lost Nationalism: Revolution, Memory and Anti-Colonial Resistance in Sudan. Woodbridge: James Currey; 2015.
  28. Vezzadini E. The 1924 Revolution in Sudan. Oxford Research Encyclopedia of African History. Oxford: Oxford University Press; 2018.
  29. Vezzadini E. Lost Nationalism: Revolution, Memory and Anti-Colonial Resistance in Sudan. Cambridge: Cambridge University Press; 2021.
  30. Vezzadini E. Emancipation through the press: The women’s movement and its discourses on the “women’s problem” in Sudan on the eve of independence, 1950–1956. In: Ordinary Sudan, 1504–2019: From Social History to Politics from Below. Leiden: Brill; 2025.
  31. Waal A. The ambiguities of self-determination: IGAD and the secession of South Sudan. Nations Natl. 2021;27(3):852–870.
  32. Warburg G. Islam, Sectarianism, and Politics in Sudan Since the Mahdiyya. Madison: University of Wisconsin Press; 2003.
  33. Woodward P. Sudan’s fragile state, 1956–1989. In: Waal A, editor. The Sudan Handbook. London: Rift Valley Institute; 2011. p.149–162.
  34. عز الدين إ. تاريخ الحركة الطالبية السودانية. الخرطوم: جامعة النيلين؛ 2006.
  35. سليمان م ع م. مؤتمر الخريجين العام في السودان (1938–1952م) [رسالة ماجستير]. الخرطوم: جامعة النيلين؛ 2020.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
البروفسور عواطف أحمد عثمان.. ملاك الرحمة في رحاب الله .. بقلم: إمام محمد إمام
الأخبار
حول حرب النظام المزعومة ضد الإرهاب وإستقبال الداعشيّن العائدين للخرطوم .. بقلم: ناصف بشير الأمين
منبر الرأي
عزومة كبيرة، لكن على حساب الوطن
حوارات
د. إسماعيل حسين زعيم المعارضة بالبرلمان.. بعد طرده من الجلسة:
منبر الرأي
داعش أين يفور التنور ؟ .. بقلم حسن محمد صالح

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

العلاّمة إحسان عباس: السودانيون وتخليد ذكراه .. بقلم: بروفيسور عبدالرحيم محمد خبير

بروفيسور عبد الرحيم محمد خبير
منبر الرأي

الي اين يسير البشير بالسودان !!!؟؟؟ .. بقلم: الطيب محمد جاده

طارق الجزولي
منبر الرأي

حتى تكون صنفرة دائمة يا دكتورة نقد الله ! .. بقلم: د. على حمد إبراهيم

د. على حمد إبراهيم
منبر الرأي

في تشريح العقل الرعوي (4) .. بقلم: د. النور حمد

د. النور حمد
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss