ليست المرة الأولى التي يتردّد فيها خبر عن اعتقال ضابط، أو عن انقلاب جرى وأُحبط قبل أن يرى النور. وليست المرة الأولى التي يكتشف فيها السودانيون أن السلطة عندهم، مثل الريح، لا تُمسك باليد، وأنها رهينة سراديب الغموض التي تنسجها المؤامرات في ثكنات الجيش وأقبية السياسة.
اعتقال بكراوي ـ القائد السابق لمحاولة انقلابية ـ بدا كأنه عودة الشبح الذي ظنّ البرهان أنه دفنه. والحديث عن محاولة جديدة لإزاحة الجنرال يفتح الباب على الأسئلة الثقيلة: هل بلغ الغضب داخل المؤسسة العسكرية لحظة الانفجار؟ هل نضجت الظروف لانقلاب مكتمل الأركان؟ أم أننا أمام بروباغندا هدفها الإيحاء بأن البرهان يتطهّر من الكيزان، ويغسل يده منهم، ليكسب رضا الرباعية الدولية: واشنطن والقاهرة والرياض وأبوظبي؟
الجيش الآن ساحة مزدوجة: جنرالات يرفعون المصحف في وجه البرهان، وآخرون يرفعون رايته باعتباره الضمانة الوحيدة لبقاء بورتسودان (العاصمة الرديفة) في يد الدولة. في قلب هذا الصراع يتقاطع العسكري بالمدني، والوطني بالمصلحي، والإسلاموي بالبراغماتي. الانقلاب هنا ليس مشروع مغامرين، بل امتداد لصراع أجنحة متناحرة داخل الجسد الواحد. جناح يريد بقاء الحرب وقوداً لبقائه. وجناح يحلم بتسوية تقطع الطريق على الدعم السريع، ولو بثمن تقليم أظافر الكيزان.
لكن السؤال: هل تحتمل المؤسسة العسكرية انقلاباً آخر؟ الفاشل منه يضاعف الشروخ داخل الجيش، والناجح قد يفتح شهية الدعم السريع ليعلن أنه المنتصر الحقيقي في فوضى الحدود المحروسة بحصار التجويع. في الحالتين، الدم هو القاسم المشترك.
خارج الحدود، ثمة عيون تراقب. حلفاء البرهان في الإقليم يعرفون أنه رجل بلا شرعية، لكنه شرٌّ لا بد منه. بالنسبة لهم، انقلاب ناجح عليه يعني فوضى إضافية في السودان، وانكشاف رهاناتهم. وواشنطن التي تبحث عن يد تُمسك بالمشهد لن تغفر لمن يغامر بمستقبل السلطة من غير وعدٍ بالشرعية الدولية (أين صمود).
لكن كل هذا الضجيج العسكري لا يجب أن يحجب الحقيقة الأوضح: أن لعبة الانقلابات ما عادت تنقذ السودان أو أي بلد آخر في الجوار، بل تقتله ببطء. كل انقلاب يضيف شقاً جديداً في جدار الدولة المتهالك، ويبدّد ما تبقّى من حلم السودانيين بدولة طبيعية. فلا البرهان ولا أي جنرال آخر قادر على أن يمنح السودان شرعية مفقودة، أو أفقاً مسدوداً.
إن الخلاص لن يأتي من مغامرات الثكنات، بل من عودة حقيقية إلى الحكم المدني، حيث يمارس الجيش وظيفته الأصلية: حماية الدولة لا حكمها، وصون الحدود لا رسم خرائط الدولة السياسية. السودان لا يحتاج جنرالاً مغامراً، بل عقداً اجتماعياً جديداً. وما لم ينكفئ العسكر إلى ثكناتهم، ويتركوا السياسة لأهلها، سيظل الوطن رهينة الفوضى والانقلابات المؤجلة.
فالنيل ـ وهو يفيض من الهضبة إلى البحر ـ لا يعترف بالبيادات الثقيلة على ضفافه، بل يعترف بيد المزارع والكاتب والشباب، يوزّع ماءه على مدنٍ يحرسها جيش صامت عن السياسة، منغمس في حماية الحدود. ومن هنا، وحدها المدنية قادرة أن تجري كسيل النيل، حارسة للحياة لا قاتلة لها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم