اغلاق مضيق هرمز بين الواقع والقانون

بروفيسور ماهر البنا
مضيق هرمز, هذا الممر البحري الضيق، الذي تعبره يوميا كميات هائلة من النفط والغاز، تحول من طريق حيوي للتجارة الدولية إلى شريان استراتيجي حساس للغاية يعتمد عليه توازن الأسواق واستقرار الاقتصاد العالمي. ووفقا للحرس الثوري الإيراني، فإن مضيق هرمز، أصبح “مغلقا بحكم الأمر الواقع” منذ صباح السبت 28 فبراير2026. وهذا الإغلاق -برأي بعض المحللين- بالنسبة لإيران، يُعدّ شكلاً من أشكال “القوة الرادعة” – وهو أشبه بامتلاك سلاح نووي او بإعلان حرب اقتصادية عالمية، فلم يتم تأكيد الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز بالقوة العسكرية فحسب، بل وأيضاً بانسحاب شركات التأمين العالمية من تغطية المخاطر في المنطقة, ففي 5 مارس 2026، ألغت شركات التأمين البحري الرائدة، بما في ذلك Skuld و Gardو I&P في لندن، تغطية مخاطر الحرب للسفن التي تعبر الخليج والمياه المجاورة، وبالتالي تحويل المضيق من ممر جغرافي إلى « منطقة اقتصادية محظورة ».
نحن أمام العديد من التساؤلات القانونية : ما هو النظام القانوني للمضيق؟ هل يجد هذا الإغلاق شرعية في القانون الدولي؟ أم يعطي الحق في اللجوء لاستخدام القوة؟
في غياب اتفاقية دولية محددة (مثل اتفاقية مونترو لمضيق البوسفور لعام 1936)، تخضع حركة المرور في مضيق هرمز لقانون عرفي غير مكتوب واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)التي تضم أكثر من ثلاثمئة مادة تنظم استخدام البحار، بما في ذلك قواعد الملاحة وحقوق المرور في المضائق الدولية، المعروفة أيضًا باسم اتفاقية مونتيغو باي، وهي معاهدة دولية تم توقيعها في جامايكا عام 1982. دخلت حيز التنفيذ في عام 1994 وصدقت عليها 162 دولة، بما في ذلك عمان. وقد وقعت الإمارات العربية المتحدة وإيران على الاتفاقية ولكن لم تصادقا عليها بينما لم توقع الولايات المتحدة عليها.
إن إغلاق إيران لمضيق دولي أثناء النزاع المسلح الحالي يثير التساؤل حول مدى قانونية هذا العمل في إطار القانون الدولي. وقبل شرح وتوضيح الطبيعة القانونية المعقدة لمضيق هرمز يمكن الإجابة على هذا التساؤل من خلال قانون المعاهدات والقواعد العرفية والفقه الدولي والقواعد التي تحكم النزاعات المسلحة في البحار .
يشكل الإعلان الإيراني في بداية مارس 2026، في أعقاب الضربات الأمريكية والإسرائيلية في 28 فبراير ، والتي هددت الملاحة ومنعت السفن من عبور مضيق هرمز، اختباراً عملياً للإجابة عن هذا التساؤل. ويؤدي التحليل القانوني، على الرغم من اختلاف الأطر القانونية التي يمكن الاستناد إليها، إلى نتيجة مفادها: لا يوجد إطار قانوني دولي قابل للتطبيق يسمح بالإغلاق الكامل للمضيق.
وبالنظر الى نظام المعاهدات الذي ينظم الملاحة عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية تكمن بعض الإجابات على التساؤل الرئيس اذ ينص الجزء الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على حق المرور العابر عبر هذه المضائق, ويسمح بأن تتمتع جميع السفن والطائرات بهذا الحق لأغراض العبور المستمر والسريع، عبر مضيق بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة في حين يؤكد على أنه لا يمكن لدول المضيق أن تعيق عبور السفن الملزمة لممارسة حقوقهم المشروعة , كما يسمح للدول المشاطئة باعتماد لوائح محددة تتعلق بسلامة الملاحة وتنظيم الحركة البحرية ومنع التلوث وبعض المسائل المتعلقة بصيد الأسماك والرقابة الجمركية والصحة ، دون تحويل هذه السلطة التنظيمية إلى سلطة للتعطيل أو منع ولذلك، لا يمكن تكييف الإغلاق الكامل باعتباره مجرد تنظيم للملاحة، بل هو نقيض مباشر للنظام القانوني الذي تحكمه الاتفاقية.
الدوامة القانونية
يعود التعقيد القانوني لمضيق هرمز إلى طبيعة القواعد التي تنظم الملاحة في المضائق الدولية.
وبالنظر لمضيق هرمز تحديداً، تزداد هذه التعقيدات بسبب موقعه الجغرافي والقانوني. فالمضيق يقع بين المياه الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عُمان، كما تخضع حركة السفن فيه لنظام يعرف بـ فصل حركة الملاحة، وهو نظام يشبه المسارات المرورية على الطرق السريعة حيث تسير السفن في ممرات محددة لتجنب التصادم. وفي أضيق نقطة من المضيق تقع هذه الممرات بالكامل تقريباً داخل المياه الإقليمية العُمانية، ولا تدخل السفن المياه الإيرانية إلا بعد تجاوز هذه النقطة ودخول الخليج. وبذلك تمر السفن عملياً داخل نطاق السيادة البحرية لكل من عُمان وإيران في مراحل مختلفة من عبورها المضيق.
ويضيف إلى هذا التعقيد أيضاً الجدل القانوني المرتبط بموقف إيران من بعض قواعد الملاحة في المضيق. ففي القانون الدولي يوجد مفهوم يعرف بـ “المعترض الدائم”، ويشير إلى أن الدولة التي تعترض باستمرار على قاعدة قانونية دولية قد تعتبر نفسها غير ملزمة بها. ويرى بعض الباحثين أن هذا المفهوم قد يفسر موقف إيران من حق المرور العابر بالنسبة لبعض الدول. ومع ذلك، يشير خبراء القانون البحري إلى أن إيران تظل مطالبة بمراعاة قواعد الملاحة الدولية وضمان مرور السفن في المضيق، بما في ذلك سفن الدول التي تستخدم هذا الممر الحيوي للتجارة العالمية.
كما يوضح أن القواعد القانونية لا تميز كثيراً بين السفن التجارية والسفن الحربية في أوقات السلم، إذ يحق لكليهما الاستفادة من أنظمة الملاحة مثل المرور العابر أو المرور البريء. غير أن الوضع يتغير في حالات النزاع المسلح، حيث تدخل قواعد قانون الحرب البحرية حيز التطبيق، ويصبح التمييز بين الدول المتحاربة والدول المحايدة عاملاً مهماً في تحديد وضع السفن. ففي هذه الحالة قد يتغير الوضع القانوني للسفينة التجارية ليس فقط بحسب العلم الذي ترفعه، بل أيضاً بحسب طبيعة حمولتها والجهة التي تتجه إليها، وهو ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى الوضع القانوني للملاحة في المضيق.
على الرغم من الولايات المتحدة وإيران (وقعت على الاتفاقية ولم تصادق عليها) ليسا ضمن أطراف اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فانهما يختلفان حول تطبيق المعاهدة على العلاقات بينهما في مضيق هرمز وهو ما يشكل دوامة قانونية حسب جيمس كراسكا.
في الواقع وفي سياق الاتفاقيات القانونية الدولية الحالية، يبدو أن هناك درجة من الغموض فيما يتعلق بحقوق السفن التي تعبر مضيق هرمز. ورغم أن “المرور البريء” يمكن اعتباره جزءا من القانون الدولي العرفي، فإن الوضع أقل وضوحا فيما يتعلق بالحق في “المرور العابر”. ورغم أن الدول المشاطئة مثل إيران ليس لها الحق، وفقا للمعايير الدولية، في عرقلة الملاحة، إلا أن هذه الدول كما ذكرنا سابقا لا تزال تحتفظ بحقوق سيادية على مياهها الإقليمية، وهي حقوق أكدتها بعض السوابق القانونية الدولية.
فتزعم إيران أن الأحكام الملاحية السخية الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لا يجوز التمتع بها إلا من قبل الدول الأطراف في الاتفاقية، بينما تدعي الولايات المتحدة أن حق المرور العابر في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والذي يسمح بحق غير مقيد في السفر على السطح أو تحت الماء أو أثناء الطيران عبر المضائق الدولية يعكس القانون الدولي العرفي، وبالتالي ينطبق على غير الأطراف. إن النزاع معقد بسبب مطالبة إيران ببحر إقليمي يبلغ عرضه اثني عشر ميلاً بحرياً — وهو حكم رئيسي آخر من أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والذي يبتعد عن القاعدة التاريخية المتمثلة في ثلاثة أميال بحرية. تدعي إيران أن البحر الإقليمي الذي يبلغ طوله اثني عشر ميلاً بحريًا أصبح الآن جزءًا من القانون العرفي، لكنها ترفض فكرة أن الدول الأخرى تتمتع بحق المرور العابر. ومع ذلك، فإن النظامين لا ينفصلان — قد لا يكون لإيران بحر إقليمي يبلغ طوله اثني عشر ميلاً بحريًا، ومع ذلك تتجاهل حقوق الدول الأخرى في ممارسة المرور العابر في مضيق هرمز.
استخدام القوة
حتى ولو سلمنا بأن استخدام القوة لحماية الملاحة في مضيق هرمز يتطلب تفويضاً من مجلس الأمن فان حماية الملاحة قد لا تندرج ضمن اختصاصات مجلس الأمن في الحفاظ على السلام والأمن الدوليين.
وفي غياب تفويض من مجلس الأمن، هناك حجج قوية ضد شرعية مثل هذا الإجراء اذ ان مضيق هرمز ليس مياهًا دولية، بل هو مضيق دولي تغطيه المياه الإقليمية لإيران وعمان وتتمتع الدول الساحلية فيه بالسيادة على البحر الإقليمي وتتمتع الدول الأخرى بما يعرف بحق المرور العابر، في مثل هذه المضائق الدولية وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. ان سيادة الدول الساحلية في البحر الإقليمي تعني أنها قادرة على وضع القوانين وتنفيذها، في غياب قيود خاصة في القانون الدولي ومع ذلك، لا تستطيع هذه الدول منع المرور عبر المضائق الدولية كما أشرنا أعلاه. وينطبق هذا أيضًا على مرور السفن العسكرية وتوجد أيضًا حدود للتشريعات والتنفيذ التي يمكن للدولة الساحلية تطبيقها على الملاحة لكن من الثابت أن حق المرور العابر لا يغير الوضع القانوني للمناطق لذلك فهي تظل مياهًا إقليمية كما تم تحديد واجبات المرور ويكون الغرض حصراً هو العبور المستمر والسريع، ويجب على السفن الامتناع عن أي نشاط آخر. وعليه لا يجوز للسفن التهديد أو استخدام القوة ضد دول المضيق وهذا يعني أنه على الرغم من أن السفن العسكرية لها الحق في الإبحار عبر مضيق هرمز، إلا أنها لا تستطيع استخدام القوة العسكرية أثناء المرور – ولا حتى لحماية سفنها.
تبقى الخيارات المتاحة للدول المتضررة من الاجراءات غير القانونية التي تتخذها إيران هو تنفيذ التدابير المضادة القانونية، مثل العقوبات. ومع ذلك، فإن الأساس الوحيد الممكن للرد الذي يتضمن استخدام القوة غير المصرح بها من قبل مجلس الأمن، هو اللجوء لحق الدفاع الشرعي وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة وفقا لدولة علم السفينة. أثيرت مسألة اللجوء للدفاع الشرعي كإجراء ضد الهجمات على السفن التجارية في قضية منصات النفط Oil Platforms case أمام محكمة العدل الدولية. وتتميز هذه القضية بتوضيح الحدود القانونية لاستخدام القوة بموجب القانون الدولي، والتأكيد على مبدأي الضرورة والتناسب، كما تتعلق القضية بـ ‘حرب الناقلات’ المرتبطة بالحرب بين العراق وإيران 1980-1988. وكانت الدولتان المتحاربتان آنذاك قد هاجمتا ناقلات النفط في الخليج، بما في ذلك السفن البحرية التي ترفع العلم الأمريكي والتي تعرضت أيضاً لأضرار, وأدى ذلك إلى قصف الولايات المتحدة وتدمير منصات النفط الإيرانية. وقد رفعت إيران دعوى قضائية ضد الولايات المتحدة في عام 1992، وصدر الحكم النهائي في عام 2003 حيث لم تنكر الولايات المتحدة مطلقًا أن أفعالها ضد المنصات الإيرانية ترقى إلى استخدام القوة بموجب المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة. وأشارت المحكمة الى أن احتجاز إيران للسفن – حتى وان كان غير قانونيا – فلا يمكن اعتباره هجوماً مسلحاً, فالهجمات ضد السفن العسكرية موجهة ضد الدولة نفسها وبالمقابل لا ينبغي النظر إلى الهجمات على السفن التجارية على أنها تستهدف الدولة في حد ذاتها. وهنا يشير قرار محكمة العدل الدولية إلى أن الهجمات على السفن التجارية لا تعتبر هجمات مسلحة إلا إذا كانت خطيرة إلى الحد الذي يهدد المصالح الأمنية للدولة.
وعليه فان التصدي للإجراءات غير القانونية التي تتخذها إيران ضد سلامة الملاحة يكون باستخدام تدابير مضادة لا تنطوي على استخدام القوة فمن شأن اللجوء للقوة انتهاك الحظر المفروض في الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة والاستثناء القانوني الوحيد المعقول لاستخدام القوة في هذه الحالة هو الحق في الدفاع الشرعي ضد الهجوم المسلح المنصوص عليه في المادة الواحدة والخمسين من الميثاق.
وفي الختام ينبغي الإشارة الى أن إغلاق مضيق هرمز سلاح ذو حدين: فإيران، الدولة المصدرة للنفط، سوف تواجه تحديات إذا توقفت صادرات النفط، وسوف يكون لأسعار النفط التي تتجاوز 100 دولار تأثيرات كبيرة على الاقتصاد العالمي. لأن 90% من النفط الخام الإيراني يمر عبر هرمز: وان الحصار من شأنه أن يقلل بشكل أكبر من فرصها المحدودة بالفعل في البيع لعملائها الآسيويين. بينما تُعتبر كل من الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية من بين أكبر مستوردي النفط الخام الذي يمر عبر المضيق, فان اثنين على الأقل من المنتجين القريبين من طهران سوف يتأثران بشكل مباشر: العراق، بالنسبة لمعظم نفطه (تدفق خط أنابيب النفط العراقي إلى ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط محدود)، وقطر (بدعم من تركيا)، بالنسبة لجميع غاز الخليج من القبة الشمالية. وتعتبر الصين من أكبر مستهلكي النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز، إذ تبيع إيران جزءاً كبيراً من هذا النفط بأسعار أقل من أسعار السوق العالمية، ويعتبر شريان حياة اقتصادياً حيوياً يساعد طهران على مواجهة العقوبات الأمريكية و التي تعتمد إلى جانب شركائها في منظمة أوبك، مثل السعودية والإمارات والكويت والعراق، على المضيق لتصدير الجزء الأكبر من إنتاجها النفطي، لا سيما إلى الأسواق الآسيوية.

yarranile@hotmail.com

عن ماهر البنا

ماهر البنا