من يستمع إلى الحوار الذي أُجري مع العميد الدكتور محمد عوض فضل الله حول ملفات الفساد في شركات الجيش السوداني، يصاب بالصدمة والذهول أمام صورة قاتمة لاقتصادٍ موازٍ تمدّد في الظل، بعيداً عن أعين الشعب ورقابته. حديث الرجل لا يثير الدهشة والذهول فحسب، بل يضع الإصبع على جرحٍ ظل ينزف لسنوات دون مساءلة حقيقية.
مليارات الدولارات كانت تتحرك خارج القنوات الرسمية: أنشطة معفاة من الضرائب والرسوم، وإيرادات لا تعود إلى خزينة الدولة، بل تتسرب إلى جيوب قلة من المتنفذين. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة التي يُدار كل ذلك باسمها، أي الجيش، لم تكن هي المستفيد الحقيقي. فبينما يدور المال في دوائر ضيقة، يعاني الجنود من الإهمال وضيق الحال، وتُترك المؤسسة نفسها رهينة إدارة مغلقة لا تخضع لشفافية ولا لمساءلة. لتتحول المؤسسة التي يفترض ان تصون وحدة البلاد وحدودها الى بقرة حلوب لنظام فاسد.
المسألة هنا ليست أرقاماً فقط، (والمشكلة لا تقتصر على مؤسسة الجيش وحده) بل فلسفة حكم كاملة. حين يتحول الاقتصاد إلى أداة احتكار، وتُحتجز الموارد داخل تنظيم سياسي، يصبح الوطن بأكمله رهينة لمصالح ضيقة.
في عهد المؤتمر الوطني جرى التعامل مع الوطن وكأنه ضيعة خاصة، تُستنزف مواردها حتى آخر قطرة. لم يعد الأمر يتعلق بشركات أو استثمارات، بل بنمط سيطرة يُقصي المواطن المقهور من حقوقه في التعليم المجاني، والعلاج، والدعم، والعيش الكريم. من حقوقه في العدالة والحرية وحكم القانون.
الأخطر من ذلك أن هذا التشابك بين السياسة والاقتصاد والأمن لم يتفكك بسقوط رأس النظام بعد ثورة ديسمبر.
بقيت شبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة والقوات النظامية، تعمل ( بصورة مباشرة أو غير مباشرة وبتواطؤ معلن مع لجنة العسكر الأمنية) على إبطاء التحول الديمقراطي. وعندما شرعت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو في فتح ملفات الفساد، دخلت البلاد مرحلة صراع مكشوف بين مشروع الدولة المدنية ومصالح الدولة العميقة التي دبرت ونفذت مع العسكر الانقلاب ضد الحكومة المدنية.
لم يكن الانقلاب حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة دفاع عن امتيازات فساد لم يشهد له التاريخ مثيلا. انقلاب أعاد عقارب الساعة إلى الوراء، ومهّد (بصورة مأساوية) لانفجار الحرب التي لا تزال البلاد تدفع ثمنها من دم أبنائها وخراب بنيتها.
قد يختلف الناس في التفاصيل، لكن ما لا خلاف عليه أن غياب الشفافية، واحتكار الاقتصاد، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات حزبية، هو طريق مختصر إلى الانهيار.
الدول لا تُدار بالغرف المغلقة، ولا تُبنى على اقتصاد الظل. ما تحتاجه بلادنا ليس فقط كشف الملفات، بل إعادة تعريف العلاقة بين الجيش والدولة، بين السياسة والاقتصاد، وبين السلطة والمواطن.
ما تحتاجه بلادنا هو انهاء هذه الحرب، إيقاف معاناة المدنيين وتعويضهم، ومحاسبة كل من انتهك حقوقهم، بل ومحاسبة لا تستثني أحدا شغل وظيفة عامة في العقود الثلاثة الأخيرة. والتي قادت الممارسات غير المسئولة فيها الى الدمار الذي تشهده بلادنا الآن.
لا_للحرب
أحمد الملك
ortoot@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم