(اقتصاد الفكي) .. الإسلام الإفريقي في السودان (3) .. بقلم: غسان علي عثمان
5 مارس, 2015
منشورات غير مصنفة
38 زيارة
ghassanworld@gmail.com
عطفاً على ما نكتب حول (اقتصاد الفكي) :”لقد تشكلت الذهنية السودانية على أساس من بنية خرافية، تتجول فيها أرواح تائهة وأخرى ممسوسة، وهذه الذهنية مرعية بالكامل من قبل أوهام معلبة تتحرك في صميم الوعي، ما دعى السوداني أن يتوسع في التكور والاندساس فوق التبرير، كمن يعتلى الجبل ويهمس طالبا الدعم، وهنا فكل القوانين والسياسات مشلولة تنتظر الأذن الذي لا يأتي”.
(اقتصاد الفكي) الحضور بالإكراه:
هذه طبيعة العقلية المشغولة بالنتائج.. شيء شبيه بأحكام الكهنة منه لطلاب المعنى، فمن مشكلات المنطق ثنائي القيمة، أنه تراجعي وانكفائي وقياسه بعين واحدة، وذلك لأن تكوين الوعي السوداني تغيب فيه خصيصة التفلسف، فالتكوين الفلسفي يوفر ميزة مهمة وهي.. الاحتفاء بالسؤال أكثر، ولو برهنا على ما يميزنا كسودانيين سنجده في الانخراط أعمق للاحتماء بالإجابة، كأن العالم يتحرك في شكل دائري وعلمه غير متحقق، ولا مساءلة نحتفظ بها لأنفسنا، كأننا ولدنا في الكمال، وفي ذلك يغيب النقد ونقده، والشخصية التي لم تتضح ملامحها بعد للسوداني جعلته يختبأ خلف اللامعقول، وما ليس فيه لبس أن الذي يُشكل على الوجود الاجتماعي هو عدم وجود ضمانات للمعرفة، هكذا ضمانات مجردة، من أي سلطة معرفية، ولأن العقل السوداني ظل ويظل مشغول بالنتيجة فأن فيه خصيصة التسليم بالمطلق، نلمح ذلك في أصغر تجمع لنا، ففي الأسرة يحتل الأب أو الجد أو الجدة قمة هرم السلطة، ففيه لابد أن تتوفر القدرة على التعبير عن كل شيء، فهو يمثل حالة من (الحل والعقد) بالتعبير التراثي، وفوق ما يملكه من سلطة مادية هناك سلطة روحية خفية، فهو أو هي مكمن الجدة والفرادة، إنه مطلق لمن هم دونه، يمارس حضوره بالكامل وإن كان مؤذياً وممداً منظومته القيمية على الكل، شاؤا أم أبوا! وهنا يتركب العقل منذ نشأته على فكرة (الطاعة والحاجة إلى المطلق) فيربط بين تكوينات المعنى المتمثل في السلطة الأبوية مع خصائص صاحب السلطة والتي عادت ما تكون متجاوزة للواقع بل تهيمن عليه وإن ترك الحياة. إنه عقل يمارس الهروب باستمرار..
وهنا لكل منا (فكي) أي فقيه المحرفة، وهو الشخصية التي تمارس علينا حضورها المادي والمعنوي، هي الملجأ عند كل سؤال، فنهرع إليها طالبين الحكمة والمعرفة، ما يجعل مساحة الحرية في التفكير ضيقة أشد ما تكون، وإن أردنا تجنب هذا الوعي المركب لصالح فقداننا الحرية، وجب حينها كشف الغطاء على شخصية الفكي المختبئ في دواخلنا..
وجدان تديني مهترئ:
إن أزمة الوجدان السوداني تتلخص في اهترائه مزدوجاً بين ولاء متخلف لشخصيات روحية ماتت وشبعت موت، ولكن ذكرها المُذب عن حضورها يأبى إعلان الصمت، وكذلك يقف هذا الوجدان حائراً ودون أية رغبة في السؤال أمام ممثلين لهذه الشخصيات، فقط لأنهم نالوا حظهم إما بالوراثة وإما بالوهم، ولتخليص سودانيتنا الدينية والروحية من عبء التوسل المزيف بفلان وفلان، فإن لمن مزالق ما نسطر هنا أن نقع أيضاً في ربقة (سلفنة = من سلفية) الوعي السوداني المتصف بالإريحية والجمالية، ولذا نرى أن نحدد موقفنا بعناية. من المهم جداً الاعتراف بأننا نبت صوفي في مراحلنا الأولى من تشكلنا الإسلامي، ولن ننكر الآثار العظيمة التي خلفها التصوف، فقد جسّر الصوفية بين إفريقيا وإسلام العرب، وليعذرني البعض في استخدام عبارة (إسلام العرب) فالإسلام لا قبيلة له، ولكنني أشير إلى طبيعة المزاج الثقافي الذي كان سائداً حينها، أي حين دخل العرب السودان، ولن أجاري السير هارولد ماكمايكل صاحب كتاب (تاريخ العرب في السودان) وهو وعي خبيث إذ يستخدم الأداة الاستشراقية في دراسة السكان وكأنهم كائنات فضائية، أي لا اعتراف بإنسانية الإنسان إلا عبر تحديد هويتهم المتمثلة في النسب والقرابة والقبيلة والأصل، وهذه من بقايا الأسى في المعرفة الأوروبية، قلت أننا لا نجارى مضمون كتاب الرجل، ولكن أيضاً وجب الاعتراف بأنه كتب هذا الكتاب وفق أفقه؛ وأفق المستعمر، بل وإمكان المدروسين، فلولا أشجار النسب التي ابتدعها السودانيون لأنفسهم ما امتلك ماكمايكل أن يؤثر شيئاً عنهم، لذا لن نشيطن إنتاجه وأيضاً لن نمنحه الخلود، ومن عجيب القول أن ننكر إفريقيتنا، ونتجه بالكامل إلى هوية عربية معطوبة، بسبب من أنه لا توجد هوية عربية، توجد هوية إسلامية، هي التي جمعت سلمان الفارسي الذي يسمى بـ(سلمان المحمدي نسبة للمصطفى صلى الله عليه وسلم) والهوية الإسلامية ضايفت في تضاعيفها بلال بن رباح مولى بن جمح الذي منح الخطاب بأن بات مؤذن الجماعة المسلمة الأولى، أي فضل أوسع من هذا، والأمثلة كثيرة.
تتصل إشارتنا لكتاب القس الإنجليزي سبنسر ترمينجهام (1904 – 1987م( في مؤلفه Islam in the Sudan (الإسلام في السودان) الصادر في يونيو 1946م، ونعتمد هنا ترجمة فؤاد محمد عكود، ولأهمية هذا الكتاب على الأقل باعتباره يتمتع لنقل بمصداقية علمية بعد أن نخفف فيه من بعض الأحكام التي لا نتهمها بقدر ما نضعها في سياقها الزماني والمعرفي، وترمينجهام مؤرخ وأنثروبولوجي ومن مؤلفاته (الفرق الصوفية في الإسلام)، نقرأ : (لقد كانت عملية الاستيعاب في السودان متقدمة مع خلوها من عيوب العملية الطبيعية التي كانت من جهة تحولاً للثقافة الإسلامية – التي فيها العوامل الدينية أقل حسماً من النظام، وكانت من جهة أخرى عملية امتصاص العناصر الدينية الثقافية الأرواحية المحلية وإلباسها الأشكال والصياغات الإسلامية، وتوجهها نحو الاستشراف العالمي، لذا فقد حدثت بشكل بطئ عملية استيعاب متبادلة، إذ كانت العناصر الأرواحية (الكلمات القادمة مهمة لبحثنا) “تشبثت بعناد شديد خلال الامتصاص داخل النظام الإسلامي”) الكتاب،صفحة 111. وأيضاً يعترف ترمينجهام بأن الحالة السودانية ليست فريدة أو مبتدعة فيما يتصل بتداخل ثقافي بين الوافد والمحلي من المعرفة يقول: ” إن دين الشعوب المسلمة في كل مكان مليء بالعادات غير الإسلامية والخرافات التي امتصتها، ولكن هذه العادات اضعفت بالتأكيد تماسكه الديني – الاجتماعي، وهو كنظام له قوة داخلية غير عادية لاستيعاب العوامل الأجنبية التي أغنت مفاهميه الأصلية الساذجة، كما يحتفظ في الوقت ذاته بإرادته الداخلية للقوة والوحدة العنصرية والاستشراف الكوني” صفحة 110. ألا يظل (الساحر) الإفريقي حاضراً ؟ أنه فقط بدل ثيابه ليصبح (الفكي)؟
بالاعتماد على النص أعلاه فإن الذي هاجر من المعنى الإسلامي في الثقافة العربية إلى سوداننا لم يكن بن رشد ولا بن خلدون ولا حتى الغزالي في شكله العقلاني، بل ولوجود متماثلات ثقافية استوعب التدين السوداني أسوء نسخ العرفان، وعبارة أسوء ليست علمية في نظري لكنها مهمة في سياق هذا المقال/الدراسة، فالحلاج بروحيته الرفيعة المسنودة بخطاب ثقافي (أشعاره وأحاديثه) لم يدخل النظام التديني للسودانيين، ولا السهروردي بإشراقيته المتقدمة في ظل نظام العرفان الشيعي/الإسماعيلي لم يحضر كذلك، ولا بن عربي المسنود بتراث أرسطي مخلط بأفلاطونية ماجّة وجد الباب مفتوحاً ليدلف، بل ولأن أرواحية السودانيين الأفارقة متشكلة بأضلاع ناقصة أدخلت إلى روعها نماذج منحولة بل ومؤذية في الذاكرة، فهل أنت واجد في سلسلة العرفاني الإفريقي السوداني نصوصاً متقدمة؟ أشك، فلو عرضنا لما كان يكتب من أشعار فأنه تمثل انحطاطاً لغوياً وتشوهات بلاغية لا تخطئها العين، لم نقع على شعر شبيه بما كتبه السهروردي القتيل، يقول:(وَمِمّا شَجاني أَنَّها يَومَ وَدّعت، تَوَلَّت وَماءُ العَينِ في العَينِ حائرُ، فَلَمّا أَعادَت مِن بَعيدٍ بِنَظرَةٍ إِلَيّ اِلتفاتاً أَسلَمَته المَحاجرُ) أو غيره، بل إن الركاكة وضعف اللغة وقلة الذخيرة هي جملة أمراض التدين العرفاني في السودان الإفريقي، واللغة في ضعفها تعكس خيبة الوعي.