الأزمة الحقيقية في دولتي السودان: حين نصنع من الماضي قيداً للحاضر

lualdengchol72@gmail.com

الأزمة الحقيقية في دولتي السودان: حين نصنع من الماضي قيداً للحاضر بقلم: لوال كوال لوال ما من شعب في الدنيا يعيش أسيراً لماضيه كما يعيش السودانيون شمالاً وجنوباً. نتباهى بتاريخ طويل من البطولات، ونغني لأمجاد الأجداد، لكننا نغفل – عن قصد أو عن هروب – أن هذا الماضي هو ذاته الذي أوصلنا إلى حاضرٍ ممزق وإلى مستقبلٍ مهدد بالضياع. منذ الاستقلال عام 1956، لم يعرف السودان استقراراً حقيقياً. صحيح أننا نفاخر بأننا أول دولة إفريقية جنوب الصحراء تنال استقلالها، لكننا نتناسى أن ذلك الاستقلال جاء هشاً، محكوماً بتوازنات ضيقة، وتغذيه نزعات إقصائية زرعت بذور الحروب الأولى. فبدلاً من أن يكون الاستقلال بدايةً لمشروع وطني جامع، صار بداية لسلسلة من الانقلابات، والتمردات، والاقتتال الأهلي. في الشمال، يفاخر الناس بتاريخ الممالك القديمة، وبالثورة الوطنية التي طردت المستعمر. لكن ماذا أنتج هذا التاريخ؟ نخبة سياسية عجزت عن بناء دولة حديثة، وانشغلت بالصراع على السلطة أكثر من انشغالها بخدمة الشعب. وفي الجنوب، يفاخر الناس بتاريخ المقاومة والنضال ضد التهميش، بدءاً من تمرد توريت 1955، مروراً بالحرب الأهلية الأولى والثانية، وصولاً إلى الاستقلال عام 2011. لكن هذه المسيرة البطولية، برغم تضحياتها العظيمة، لم تتحول إلى أساس لبناء دولة مستقرة، بل إلى ساحة جديدة للصراع القبلي والسياسي الذي مزّق أحلام الاستقلال قبل أن تجف دموع الفرح والأمثلة كثيرة: 1. اتفاقية أديس أبابا 1972 التي أنهت الحرب الأهلية الأولى، لكنها سقطت سريعاً بسبب نقض العهود وضعف الثقة، فعادت الحرب أشد شراسة. 2. اتفاقية نيفاشا 2005 التي أنهت الحرب الثانية وفتحت الطريق لاستقلال الجنوب، لكنها فشلت في خلق سودانين مستقرين: الشمال غرق في أزماته، والجنوب دخل في حرب أهلية جديدة بعد أقل من عامين من الاستقلال. 3. انفصال الجنوب 2011 الذي اعتبره البعض نصراً تاريخياً، لكنه في الحقيقة كان اعترافاً بفشل مشروع الدولة السودانية الموحدة، وولادة دولتين مثقلتين بنفس أمراض الماضي. ولم يتوقف الأمر عند نقض العهود والمواثيق. بل ظهر خلل أخطر: إنشاء المليشيات على حساب تطوير الجيش الوطني. فبدلاً من بناء مؤسسة عسكرية قومية تحمي الدولة وتوحد المواطنين، جرى إضعاف الجيش لصالح قوى موازية وولاءات شخصية. وهكذا تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراعات المسلحة. ولعل أوضح مثال هو حرب الدعم السريع التي اندلعت في 2023. هذه الحرب لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل نتيجة تراكمات تاريخية من تفكيك الدولة، وإضعاف الجيش، وتفضيل الولاءات القبلية والجهوية على الولاء للوطن. فالمليشيا التي أُنشئت أصلاً لتكون أداة بيد السلطة تحولت إلى وحش خارج السيطرة، يهدد وجود الدولة نفسها. الماضي الذي نحتفل به هو ذاته الذي حمل بذور الكارثة: 1. هو الماضي الذي أسس للانقسام على أسس الهوية والعرق والدين. 2. هو الماضي الذي جعل كل طرف ينظر إلى نفسه باعتباره الضحية الوحيدة، بينما يتجاهل جراح الآخر. 3. وهو الماضي الذي جعلنا نكرر أخطاءنا جيلاً بعد جيل، دون أن نملك شجاعة الاعتراف أو قوة التغيير. لقد تحوّل التمسك بالماضي إلى لعنة، لأنه يغذي عقلية التبرير بدلاً من عقلية المسؤولية. وبدلاً من أن نسأل: كيف نصنع مستقبلاً أفضل؟ ننشغل بالسؤال العقيم: من خان ومن انتصر ومن أخطأ في الماضي؟ إن الأزمة الحقيقية في السودان ليست الفقر وحده، ولا الحروب وحدها، ولا حتى الفساد وحده. الأزمة الأعمق تكمن في هذا “الوعي الزائف” الذي يجعلنا نتمسك بالماضي كدرع وهمي، بينما هو في الحقيقة السكين التي تذبح حاضرنا وتقطع أوصال مستقبلنا. ولن ينهض السودان شمالاً أو جنوباً إلا إذا: 1. تحرر من أسر الماضي، واعتبر التاريخ مجرد درس لا قدراً مقدساً. 2. بنى جيشاً وطنياً موحداً، لا مكان فيه للمليشيات ولا الولاءات الضيقة. 3. احترم العهود والمواثيق، لأن الدولة التي لا تلتزم بوعودها تحكم على نفسها بالانهيار. 4. أطلق مشروع مصالحة وطنية شاملة، لا يقوم على المحاصصة بل على الاعتراف المتبادل بالمسؤولية وبحق الجميع في الوطن. إن الطريق إلى مستقبل جديد يبدأ حين نمتلك الشجاعة لنقول: نعم، الماضي مسؤول عن مآسينا، ولن نسمح له بعد اليوم أن يحكم حاضرنا. السودان شمالا وجنوبا لن ينهض طالما الماضي هو القائد، والحاضر هو الضحية، والمستقبل هو الأسير. إن لحظة التحرر تبدأ عندما ندرك أن الأوطان لا تُبنى بالذكريات، بل بالإرادة الحية والشجاعة في مواجهة الذات

لوال كوال لوال
lualdengchol72@gmail.com

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …