أحمد إبراهيم أبوشوك
الأستاذ السر أحمد خليفة (تاج السر)، من مواليد مروي شرق (1954)، إداري في مجال الطيران والسياحة، وكاتب مهتم بالتوثيق الاجتماعي والثقافي لمنطقة منحنى النيل. تلقّى تعليمه الأولي والمتوسط والثانوي في مدارس مروي، قبل أن ينال درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة القاهرة. بدأ مسيرته المهنية في الخطوط الجوية السودانية (سودانير) في قسم تخطيط الهندسة بمطار الخرطوم، ثم انتقل إلى التخطيط التجاري والحجز، وشارك في تمثيل الشركة في مؤتمرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) في مونتريال وسنغافورة.
عمل لاحقًا مديرًا إقليميًا لشركة عطَّار للسياحة ووكيلًا للخطوط الجوية البريطانية في أبها بالمملكة العربية السعودية، ويشغل حاليًا إدارة شركة “عبر القارات” للسفر والسياحة بالخرطوم. وقد تلقّى دورات متخصصة في التخطيط التجاري بدبلن (الخطوط الإيرلندية)، وفي أنظمة الحجز والتذاكر بمعهد لوفتهانزا في فرانكفورت. وأسهمت خبراته المهنية في إتاحة فرص زيارة عدد من الدول الأوروبية والآسيوية والأفريقية بدعوات رسمية في إطار تنمية السياحة، منها ماليزيا، والنمسا، واليونان، وجنوب أفريقيا، وقبرص، والإمارات العربية المتحدة، ولبنان، فضلًا عن زيارات لبلدان أخرى مثل تايلاند والهند وإندونيسيا.
حكايتي مع الزمان
على الرغم من أهمية السيرة المهنية والمعرفية للأستاذ السر أحمد خليفة، فإن الأبرز في تجربته -من وجهة نظري التأريخية-يتمثل في اهتمامه بالكتابة عن منطقة منحنى النيل وتراثها. فقد ابتدع سلسلة بعنوان “حكايتي مع الزمان”، وهي عمل توثيقي سردي يجمع بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الاجتماعي للمنطقة، ولا سيما مروي شرق وما جاورها. وقد قدّم المؤلف عبر هذه السلسلة أكثر من (140) حكاية، شكّلت لوحات حيّة للمجتمع المحلي، مستعيدةً ملامح الحياة اليومية، والعادات والتقاليد، وطقوس المناسبات مثل الأعراس والأعياد والمولد النبوي الشريف، إلى جانب سير شخصيات بارزة من أبناء المنطقة من شعراء وفنانين ووجهاء.
ويمتاز هذا العمل بطابعه الشفاهي–السردي، الذي يحوّل الذاكرة الفردية إلى سجل جماعي، ويزاوج بين التوثيق التاريخي والانطباع الأدبي؛ إذ يستحضر المؤلف مشاهد من مراحل دراسته في مروي، وتجربته المهنية في الطيران والسفر، وانعكاس ذلك على رؤيته للعالم. كما يتناول بعض جوانب التاريخ المحلي، مشيرًا إلى أدوار مروي شرق في فترات سابقة، ومكانتها ضمن التحولات الإدارية والسياسية في السودان. ومن يقرأ حكايات السر قراءة متعمقة، في ضوء البيئة التي عاش في كنفها، يجد فيها متعةً ومؤانسة؛ إذ لا يكتفي المؤلف بالبوح الشخصي، بل يقدم صورًا حيةً متكاملة لعالم قروي سوداني زاخر بالعادات والطقوس: بعضها جميل في دفئه وبساطته، وبعضها الآخر محكوم بسطوة التقاليد وأغلال العادات. وتتجلّى براعة السرد في مزج ذاكرة الحنين بوعي التغيير؛ فالأيام الماضية تُستعاد بصفائها ودفئها-حمل الماء على الرؤوس، والسهر في الأعراس على أنغام “الطنبور، وإيقاعات الدليب”، والمناحات الشعبية التي تمزج الشعر بالدمع، والاحتفالات التي اندثرت مع الزمن-في مقابل شُخوص الحاضر بكل قسوته: الحرب، والتهجير، وانقطاع الكهرباء، وتسارع وتيرة الحياة، وتلاشي التحايا التقليدية التي كانت تبث المودة في النفوس.
وتتجلى جماليات “حكايتي مع الزمان” كذلك من لغتها التي تجمع بين البساطة الشعبية الممزوجة بروح الدعابة والمرارة، وبين نبرة حزنٍ مشوبة بالأمل. فكلمة عابرة مثل “هووي”، أو دمعة خالةٍ مُسنّة، أو أغنية قديمة تردّدها الجموع، تعكس تشبّع النص برموز كبرى تختزن قصة وطن وأهله. ومن ثمّ، فإن “حكايتي مع الزمان” ليست مجرد حكايات عابرة، بل شهادة ثقافية وتاريخية على تحولات مجتمع بأسره، يواجه قسوة الواقع بالتكافل والصبر، ويسعى إلى الموازنة بين إرثه العريق وضغوط الحداثة المتسارعة. ولعل أعظم ما تمنحه هذه الحكايات للقارئ هو الإحساس بأن الحياة-مهما تغيّرت-تظل محمولة على حكايات تُروى، وذاكرة تُحفظ، وأمل لا ينطفئ.
أهمية حكايتي مع الزمن
تبرز أهمية هذا العمل في كونه مساهمة أصيلة في حفظ التراث المحلي غير المكتوب، وتوثيق تفاصيل الحياة الاجتماعية التي غالبًا ما تغيب عن السرديات التاريخية الرسمية؛ مما يجعله مصدرًا ذا قيمة للباحثين في التاريخ الاجتماعي والثقافي للسودان، فضلًا عن كونه نصًا ذا بُعد وجداني يعكس علاقة الإنسان بالمكان والزمان.
وإلى جانب توثيق تراث المنطقة الشعبي وفولكلورها، يولي الأستاذ السر اهتمامًا بجمع الوثائق وحفظها رقميًا، وهو جهد يستحق الالتفات المؤسسي. ومن المؤمّل أن يحظى هذا العمل الفردي باهتمام وحدة التراث بمركز دراسات الحضارات السودانية بجامعة مروي التكنولوجية-عبد اللطيف الحمد؛ لما تمثّله هذه الوثائق من أهمية في بناء معرفة تاريخية رصينة، إذ تمكّن الباحث من الربط بين الذاكرة الشفوية والأدلة المادية، وتقديم سردية دقيقة ومتوازنة تعكس تعقيد الواقع المحلي وتنوّعه. كما يسهم حفظ هذه الوثائق وصيانتها في حماية التراث من الضياع، لا سيما في ظل التحولات السياسية والاجتماعية، وظروف النزاعات التي يشهدها السودان.
خاتمة
تمثّل تجربة الأستاذ السر في “حكايتي مع الزمان” نموذجًا مميزًا لعطاء المثقف المحلي، الذي وظف جهده الفردي في صون الذاكرة الجماعية وإعادة بناء التاريخ الاجتماعي من أسفل، حيث تتقاطع الذاكرة الفردية مع الخبرة الجمعية لتنتج نصًا هجينًا يجمع بين التوثيق والتحليل والانطباع. وتكمن قيمة حكايتي المعرفية في قدرتها على سدّ فجوات السرديات الرسمية، عبر استعادة تفاصيل الحياة اليومية وبُنى الثقافة المحلية التي غالبًا ما تُهمَّش في الكتابة التاريخية التقليدية. كما تكشف هذه التجربة عن أهمية المبادرات الفردية في حفظ التراث غير المادي، وما تتيحه من إمكانات لإعادة قراءة الماضي في ضوء تحولات الحاضر. وعليه، فإن هذا العمل لا يقتصر على كونه سجلًا للذاكرة، بل يُعدّ أيضًا مدخلًا منهجيًا لدراسة المجتمع السوداني في تحولاته، بما يفتح آفاقًا لبحوث مستقبلية تربط بين الذاكرة الشفوية، والأرشيف، والتحليل التاريخي المقارن. كما تعكس تجربة الأستاذ السر طبيعة العلاقة التي نشأة بين الخبرة المهنية والانتماء للمكان، حيث شكل الطرفان ملامح مشروع معرفي يسدّ فراغًا في كتابة التاريخ المحلي. ومن ثم، فإن دعم مثل هذه المبادرات، ودمجها في مشاريع بحثية ومؤسسية أوسع، يظل ضرورة ملحّة لتعزيز كتابة تاريخ سوداني أكثر شمولًا وتوازنًا، يحفظ ذاكرة المكان ويمنحها امتدادها في الوعي الوطني.
ahmedabushouk62@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم