lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
رغم أن جنوب السودان يمتلك واحدًا من أغنى الموارد الطبيعية والزراعية في المنطقة، إلا أن ملايين الجنوبيين يعانون من انعدام الأمن الغذائي. إنها مفارقة صادمة؛ أرض واسعة خصبة وأنهار دافقة، لكن المعدة الجائعة لا تزال سيدة المشهد. هذا التناقض يجسد معاناة الإنسان الجنوبي حيث يتقاطع العامل السياسي مع الاقتصادي والاجتماعي ليصنع أزمة غذاء في بلد يُفترض أن يكون سلة غذاء لشرق ووسط إفريقيا. جنوب السودان يتمتع بأراضٍ زراعية شاسعة صالحة لزراعة الذرة الرفيعة والأرز والسمسم والفول السوداني، فضلًا عن الثروة الحيوانية الكبيرة والموارد المائية الوفيرة، غير أن هذه الإمكانيات بقيت في معظمها معطلة بسبب غياب الاستثمارات الزراعية، ضعف البنية التحتية، وانعدام الاستقرار الأمني. الحروب الأهلية المتكررة أدت إلى نزوح ملايين السكان عن مناطقهم الزراعية، وتعطلت أنماط الإنتاج التقليدي، كما أن غياب الطرق المعبدة وصعوبة الوصول إلى الأسواق جعل إنتاج الغذاء غير مجدٍ اقتصاديًا فانخفضت الإنتاجية وزاد الاعتماد على المساعدات الإنسانية. تتأجج الأزمة بفعل عوامل سياسية واقتصادية متشابكة. استمرار النزاعات بين المجموعات المختلفة أدى إلى فقدان الأمن وهجرة المجتمعات الزراعية أراضيها الخصبة خوفًا من القتال أو النهب. كما أن غياب استراتيجية وطنية للأمن الغذائي جعل القطاع الزراعي بلا أفق واضح، إذ انشغلت الدولة بقضايا السلطة أكثر من انشغالها بالتنمية الريفية. الاعتماد المفرط على العائدات النفطية جعل الدولة تهمل التنويع الاقتصادي، فأصبح الأمن الغذائي رهينة تقلبات أسعار النفط وأزمات التصدير، بينما أدى غياب التخزين البارد والمخازن الحديثة إلى تلف المحاصيل، وزاد انعدام الطرق المعبدة من عزلة المناطق الزراعية عن المراكز الحضرية. انعدام الأمن الغذائي لا يعني فقط الجوع بل يقود إلى حلقات متتالية من سوء التغذية وتدهور الصحة العامة وارتفاع معدلات وفيات الأطفال والأمهات وزيادة التوترات الاجتماعية. في بيئة يغيب فيها الاستقرار يصبح الطعام أداة للسيطرة السياسية وتتعاظم السوق السوداء ويزداد اعتماد الناس على المعونات الإنسانية الطارئة بدل الاعتماد على إنتاجهم المحلي. المرأة الريفية تقف في قلب هذه الأزمة؛ فهي تشكل العمود الفقري للإنتاج الزراعي في جنوب السودان ومع ذلك تعاني من نقص الدعم والتدريب وضعف الحماية القانونية لحقوقها في الأرض. إن تمكين النساء الريفيات اقتصاديًا يشكل خطوة استراتيجية نحو تحقيق الأمن الغذائي، إذ يسهم دعم قدراتهن الإنتاجية مباشرة في زيادة الغذاء وتحسين الوضع المعيشي للأسر. تتطلب مواجهة هذه المعضلة جهودًا شاملة تبدأ بإرساء السلام والاستقرار بوصفهما شرطًا أساسيًا لإعادة الناس إلى أراضيهم واستئناف النشاط الزراعي، وتمر بوضع استراتيجية وطنية واضحة للأمن الغذائي تتضمن استصلاح الأراضي ودعم الإنتاج المحلي وتحفيز الاستثمار الزراعي، وتشمل كذلك إنشاء طرق وأسواق ومخازن وشبكات ري لتقليل فاقد المحاصيل وتحسين الوصول إلى الأسواق. ولا بد من تمكين المزارعين خاصة النساء والشباب عبر التدريب على التقنيات الحديثة وتوفير التمويل الصغير لشراء البذور والمعدات، إضافة إلى تقليل الاعتماد على النفط عبر دعم قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية، والاستفادة من الشراكات الإقليمية في مجالات البحوث الزراعية وتبادل الخبرات وإقامة مشاريع تكاملية. إن معضلة الأرض الخصبة والمعدة الجائعة في جنوب السودان ليست قدَرًا محتومًا، بل هي نتيجة سياسات وأوضاع يمكن إصلاحها. يتطلب الأمر إرادة سياسية جادة واستثمارات موجهة وإشراك المجتمعات المحلية في القرار الزراعي. في بلد يمتلك إمكانات هائلة يصبح تحقيق الأمن الغذائي ليس مجرد هدف تنموي بل مسألة سيادة وطنية وكرامة إنسانية. إن تحويل جنوب السودان من متلقٍ للمساعدات إلى مُصدِّر للغذاء هو تحدٍ تاريخي يمكن تجاوزه إذا ما توفرت الإرادة والقيادة والرؤية الاستراتيجية. فحينما تصبح الأرض الخصبة مصدرًا للغذاء الكافي يمكن للمعدة الجائعة أن تنام أخيرًا وهي شبعان وتبدأ رحلة بناء الدولة على أسس من الاكتفاء والاستقلال.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم