عبد الله علي إبراهيم
ملخص
(وقع مفهوم الإرهاب في بيئة صفوة سودانية لم يعد التمكث عند المصطلح شاغلاً من شواغلها. فلم يتوقف أي منهم ليرى، من فوق مفهوم للإرهاب أشقت مباحثه علماء القانون والسياسة، إن انطبق المفهوم على الإسلاميين بغض النظر عن القرار الأميركي. فليس من خطاب لهذه الصفوة توتد في مصطلحه حتى دمدمت علينا الزعازع كما نرى).
صدر في التاسع من مارس الجاري بيان وزارة الخارجية الأميركية الذي قرر أن جماعة “الإخوان المسلمين” السودانية، المكونة من “الحركة الإسلامية” وجناحها العسكري “البراء” (تلقى بعضهم التدريب في إيران)، منظمة إرهابية لاستخدامها العنف ضد المدنيين وإعاقة مساعي السلم مدفوعة بأيدولوجيتها الإسلامية. فمقاتلوهم، ضمن نص القرار، قاموا بمَقاتِل جماعية في مناطق سيطرتهم وأعدموا فوراً مدنيين على أساس العرق والإثنية أو شبهة الانتماء للمعارضة.
وقع مفهوم الإرهاب في بيئة صفوة سودانية لم يعد التمكث عند المصطلح شاغلاً من شواغلها. فلم يتوقف أي منهم ليرى، من فوق مفهوم للإرهاب أشقت مباحثه علماء القانون والسياسة، إن انطبق المفهوم على الإسلاميين بغض النظر عن القرار الأميركي. فليس من خطاب لهذه الصفوة توتد في مصطلحه حتى دمدمت علينا الزعازع كما نرى.
وعوضاً عن التفكير بالمصطلح في الإرهاب، جنحوا إلى ما يُعرف في الإنجليزية بـ”وماذا عن ذاكwhataboutism “، أي كيف جاز تصنيف الإسلاميين ولم يجز في الوقت تصنيف ” الدعم السريع “؟ فخاض حتى بيان وزارة الخارجية في “وماذا عن ذاك؟”، فقال البيان إن الحكومة مع تصنيف الإرهاب لكل الجماعات التي تنتهك القانون الدولي والإنساني وترتكب الإرهاب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في السودان. وعليه تطلب الاستجابة لدعوتها القائمة إلى تصنيف قوات “الدعم السريع” منظمة إرهابية لجرائمها وانتهاكاتها للقانون الدولي الإنساني وارتكابها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والإرهاب.
ولما لم تجد صفوة الرأي والقلم تعريفاً لمصطلح الإرهاب تقايس عليه صحة إرهابية الحركة الإسلامية من عدمها، انصرفوا إلى التكسب الحزبي السياسي من القرار الأميركي. فأشفى القرار غليل جماعة “لا للحرب” ودوائر أخرى من الإسلاميين من لدن ما عانوه في دولتهم (1989-2019) وخلال الثورة وفي يومنا. كما أغناهم القرار، ما دام أن حيثياته في التعريف والوقائع لم تكن شاغلهم، عن التفكر في انطباق التصنيف على “الدعم السريع” بطرق غير ذكية.
فبين قادة تحالف “صمود” اتفاق أن ليس من الحكمة تصنيف “الدعم السريع”، بما ارتكبت من جرائم، كمنظمة إرهابية بينما لا يمانعون، يل يلحون، على تصنيف الإسلاميين بتلك الصفة. فسأل القيادي في “صمود” جعفر حسن حتى قبل القرار الأميركي إن كان تصنيف “الدعم السريع” منظمة إرهابية سيوقف الحرب؟ فهذا هو السؤال الصحيح في اعتقاده الذي ينبغي أن يُطرح، فإن أوقف التصنيف الحرب فبها. إلا أنه يُخشى من تجربتهم في السودان وغير السودان، أن ذلك التصنيف ربما زاد نار الحرب أواراً. وما سُئل من قبل عن رأيه عن “المؤتمر الوطني”، الحزب الإسلامي الحاكم في “دولة الإنقاذ”، من جهة الإرهاب، حتى قال إنه إرهابي ويسعون جميعاً إلى تصنيفه بالصفة مثل “داعش”. فالإرهاب لا يقع من فوق خصائص في الفعل نفسه، بل لأنه وافق طبقة.
وساق المتحدث باسم “صمود” بكري الجاك العذر نفسه لـ”الدعم السريع” من دون تصنيفها كمنظمة إرهابية. فقال إنه لا يمانع من تصنيف “الدعم السريع” منظمة إرهابية في يومنا هذا. وسأل، ولكن هل من الحكمة فعل هذا مع جماعة قوامها 80 ألف مقاتل مسلح وتملك المداخل إلى شرايين العون الإنساني في ولايتين يسكنهما 12 مليون مواطن؟ فإن فعلنا، في قوله، أغلقنا أمامها خيار السلام، مما يجعلها أكثر عنفاً. وأضاف أنه، متى وصفت “الدعم” بالإرهاب، فما دافعها لتقبل على السلام وهي التي ظلت تجنح له في حين كانت القوات المسلحة هي من يتعنت. وفي مقارنة بين “الدعم” والإسلاميين قال إنه صح تصنيف الأخيرين كإرهابيين لأن لهم أيديولوجيا من وراء إجرامهم، بينما خلت منها “الدعم” لأنها مجرد آلة للقتل أهدرت دماء وولغت فيها. وزاد أنه ليست لـ”الدعم السريع” أيديولوجيا مثل تلك التي تملي على “الإخوان” القتال لقضية الأفغان مثلاً.
وعاد الجاك لحجة عدم استفزاز “الدعم” بتصنيفها إرهابية طلباً للسلامة منها. فقال إن “الدعم السريع” ارتكبت جرائم تصل إلى حد الإبادة وتورطت في الإرهاب، ولكن، والأمر كذلك، فما قولنا عنها، أي “الدعم السريع”، حين كانت تعمل ضمن منظومة نظام الفريق حسن أحمد البشير. فقضية تصنيف “الدعم” في زعمه تتطلب تفكيراً. فبينما لا يمانع الجاك أن تصنّف قوات “الدعم السريع” إرهابية، إلا أنه تصنيف سيعقّد وصول المساعدات الإنسانية إلى دارفور وكردفان. ودعا إلى التوقف عند الحسابات السياسية قبل تصنيف “الدعم السريع”، في حين ساغ تصنيف “الإخوان” بالإرهاب لأنهم كانوا من يمنعون الوصول إلى سلام.
وبدا أن فكرة تصنيف الإرهاب على بينة الأيديولوجيا شائعة بين “صمود” وشيعتها. فقال الإعلامي عزام إبراهيم إن القرار صنف الحركة الإسلامية إرهابية وليس الجيش على رغم انتهاكاته المعروفة بما فيها استخدام الكيماوي، كما قال. ولم يصنف حتى “درع السودان” التي قال إنها سفكت الدماء مدراراً في “الدعم السريع” ثم مع الجيش حين انفصلت عن “الدعم”. وأرجع السبب في تصنيف الإسلاميين دون سواهم إلى أنهم أهل فكر أيديولوجي متشدد. فوجهة الولايات المتحدة بعد حرب إيران هي إضعاف الإسلام السياسي الذي يشكل الإسلاميون قسماً مهماً فيه. وسنتناول في فقرة لاحقة مروراً إن كانت الأيديولوجيا من وراء القتل مما يعتبر في ميزان الإرهاب.
كنا ربما اقتربنا من مقاربة مفهوم الإرهاب في لقاء بين الصحافي ضياء البلال والمحامي وجدي صالح من “حزب البعث” على موقع “الطريق 18” مع علي فارساب، لو لم يتحول إلى جدال “وماذا عن ذاك”، أي ضرورة تصنيف قوات “الدعم السريع” كمنظمة إرهابية إسوة بتنظيم “الإخوان المسلمين”. فالمشاهد، في قول ضياء، إن “الدعم السريع” ارتكبت جرائم ضد الإنسانية، بل صارت حكومة بذاتها استحقت بهما أن تصنَّف إرهابية. ومن رأيه في موقع آخر ضرورة القسط في التصنيف بالإرهاب. فتصنيف “الحركة الإسلامية” تنظيماً إرهابياً من دون إتباعه بتصنيف “الدعم السريع” بالصفة نفسها، ظلم.
فجاء في رد وجدي على ضياء خلال اللقاء أن “الدعم السريع” بالحق ارتكبت جرائم حرب ضد الإنسانية، ولكن تهمة الإرهاب تعلق بالمنظمات المدنية لا الكيانات العسكرية مثل “الدعم السريع” التي تحكمها اتفاقات جنيف الأربعة للحرب وملاحقها. ولو لم يظل ضياء يعيد السؤال على وجدي إن كانت استحقت “الدعم” أن توصف بالإرهاب لربما كان في ما قاله وجدي باباً للأخذ في تعريف الإرهاب.
ففي واقع الحال جاء وجدي بدفع عن “الدعم السريع” من دون أن تصنَّف كمنظمة إرهابية مما في الوسع أن يأخذنا إلى تصنيفها بالإرهاب على غير ما أراد. فصحّ السؤال هنا لوجدي عن منذ متى صح عندهم كثوار “ديسمبريين” أن “الدعم السريع” كيان عسكري مستحق. فلم يعدوها في “قوى الحرية والتغيير” (قحت) التي قادت الحراك الثوري منذ عام 2018، جسماً عسكرياً طوال ما كانت شريكة لهم في الحكم الانتقالي. كان في رأيهم أنها “ميليشيات الجنجويد” سيئة السمعة التي خرجت من رحم نظام مباد ولا مكان لها في نظم دولة حديثة. وشقت شعارات “محو الدعم من خريطة السياسة السودانية” عنان سماء الخرطوم، “الجنجويد (الدعم السريع) ينحل، وما في ميليشيات بتحكم دولة”. وما تعاقد “قحت” على خطة للإصلاح العسكري والأمني في يناير عام 2023 حتى قرروا دمج “الدعم السريع” في القوات المسلحة، أي محوها من ظهر البسيطة ككائن مستقل. واندلعت الحرب.
فمن أين لوجدي النأي بـ”الدعم السريع” عن التصنيف بالإرهاب، بقرينة أنها كيان عسكري، وهم من اعتزلها بأنفة ثورية حداثية حتى قيام الحرب؟ وليس إبعاداً للنجعة القول إن وجدي وجماعته هم من غيّروا رأيهم عن “الدعم السريع”، فكسبت الأخيرة بالحرب الاعتراف بها جيشاً ثانياً في الدولة. وكان تنازل الدولة بالتصالح مع “الدعم السريع” كجيش في حد ذاته هي عزيمة محمد حمدان دقلو (حميدتي) منذ المفاوضات التي أدارها مع الرئيس عمر حسن أحمد البشير حول قانون “الدعم السريع” ومع البرلمانيين الإنقاذيين عام 2017. ورأى من الثورة ومطلبها إلغاء “الدعم” تحدياً وجودياً خرج بالحرب ليدرأ خطرها عليه. فكسب “حميدتي” بالحرب التي شنها على المدنيين والعسكريين اعترافاً به كقوة عسكرية مستقلة حتى قال وجدي إنها مما ينجيه من التصنيف بالإرهاب.
وليس من مفهوم للإرهاب متى طبقناه هنا لن يصنّف حرب “حميدتي ” ومغنمه منها، وهو أن تكون “الدعم السريع” جيشاً بذاته، من ألف باء الإرهاب. فمن طلب غرضاً بالترويع كان ابتزازاً إرهابياً بإجماع تعاريف الإرهاب. فالقانون البريطاني للإرهاب (2000) يعد أفعال الإرهاب تلك التي يقوم بها قائم يريد مغنماً سياسياً أو دينياً أو أيديولوجياً بأفعال يترتب عليها موت أو إيذاء جسدي بليغ للمدنيين أو غير المحاربين. وتقع صفة الإرهاب حين يكون الهدف من هذه الأفعال ترويع السكان، أو أن تفرض على الحكومة القيام بأمر ما أو الامتناع عنه. واتفق القانونان الأميركي والألماني مع البريطاني في هذه الناحية غير أنهما لم يشترطا صدور الدافع للقتل إرهاباً عن دين أو سياسة. وفصّل القانون الألماني في موضوع حمل الحكومة أو غيرها على مراد الإرهابي بالتهديد بالعنف، فقال إن “من وجوه الإرهاب التعطيل الماحق للبنيات السياسية والدستورية والاقتصادية والاجتماعية الأساسية للدولة”.
وغير خافٍ أن وجدي وصحبه من الثوريين هم من جاؤوا للاعتراف بـ”الدعم السريع” بعد حربها بعد أن حملوا عليها منذ أيام معارضتهم لـ”حكومة الإنقاذ” وبعد الثورة يريدون منها أن تذوب كفص الملح ككيان عسكري في القوات المسلحة. وأشعلها “حميدتي” حرباً في أدق ما يتصف به فعلاً بالإرهاب وهو كسب المغنم بالابتزاز بجعل عاليها سافلها، بالإيذاء الجسدي للمدنيين والتعطيل الماحق للبنيات السياسية والاقتصادية والدستورية والاجتماعية الأساسية للدولة.
يغلب في ترتيبات ما بعد إنهاء الحرب في السودان واستبعاد العسكريين حسن ظن كبير بالصفوة المدنية. فهي التي ستُترك لها إدارة دفة البلد في حكومة مدنية انتقالية. ولم تنهض الشواهد على صمامة هذه الجماعة أو حنكتها. فالحرب القائمة في يومنا من عوس يدها خلال ولايتها على حكومة الفترة الانتقالية بعد الثورة. ولا غضاضة. فيحدث في الثورات. إلا أن العلة في هذه الصفوة لم تجد لا تزال الدماثة في نفسها ولا النبالة لامتلاك تبعة انكسار تلك الحكومة الأمانة في عنقها.
وبدا من تفرج هذه الصفوة بمصطلح الإرهاب كما رأينا أنها مصابة في طرائق التفكير نفسها. فلا تلجم الفكر بالأوتاد وهي المصطلح فيستحيل هرجاً. فتتكاثر عليها الزعازع وتنقص الأوتاد كما في عنوان جاذب لكتاب لمنصور خالد.
ibrahima@missouri.edu
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم