الإسلام السياسي بين السُّنّة والشيعة: حين تتشابه المشاريع وتختلف اللافتات

بقلم: محمد داؤد بنداك
لم تعد مسألة الإسلام السياسي قضية فكرية معزولة، بل أصبحت سؤالًا مصيريًا يتعلق بشكل الدولة ومستقبل المجتمعات في منطقتنا. وعلى الرغم من الانقسام التقليدي بين السُّنة والشيعة، فإن التجربة العملية خلال العقود الماضية تكشف أن الفارق المذهبي لا يمنع تشابهًا عميقًا في المنهج السياسي والسلوك السلطوي.
تبدأ معظم حركات الإسلام السياسي بخطاب إصلاحي أخلاقي، يرفع شعارات العدالة ومحاربة الفساد وتطبيق الشريعة. لكنها، ما إن تقترب من السلطة أو تصل إليها، حتى تنتقل من مرحلة “الدعوة” إلى مرحلة “التمكين”. والتمكين هنا لا يعني مجرد المشاركة في الحكم، بل إعادة تشكيل الدولة وفق رؤية تنظيمية مغلقة، تضع الولاء العقائدي فوق الكفاءة الوطنية، وتُحِلّ كوادرها في مفاصل المؤسسات الحساسة.
في هذا السياق، تتشابه التجارب السنية والشيعية في ثلاث نقاط جوهرية:
أولًا: احتكار تفسير الدين، بحيث يصبح التنظيم هو المعبّر الوحيد عن “الإسلام الصحيح”.
ثانيًا: ربط شرعية السلطة بشرعية دينية، بما يجعل معارضة النظام أقرب إلى معارضة الشريعة ذاتها.
ثالثًا: السعي إلى تأبيد الحكم عبر السيطرة على القضاء والتعليم والإعلام وأجهزة الأمن.
وهنا تكمن الخطورة الكبرى. إذ يتحول الخلاف السياسي الطبيعي إلى صراع أخلاقي أو عقدي. فالمعارض لا يُقدَّم بوصفه منافسًا سياسيًا، بل يُصوَّر أحيانًا كخصم للدين أو معادٍ للمشروع الإسلامي. وبذلك يُغلق المجال العام، ويُختزل الوطن في رؤية واحدة، وتُصادر التعددية التي هي جوهر أي دولة حديثة.
إن المشكلة ليست في الإسلام كدين، ولا في تدين الناس، بل في تحويل الدين إلى أداة احتكار سياسي. فالدين قيمة روحية وأخلاقية جامعة، بينما الدولة كيان مدني يقوم على المواطنة المتساوية وتداول السلطة. وعندما تُختزل الدولة في مشروع أيديولوجي أحادي، فإنها تدخل في صراع دائم مع مجتمعها.
لقد أثبت التاريخ أن السلطة التي تُقدَّس لا تُحاسَب، والسلطة التي لا تُحاسَب تفسد، أياً كان شعارها. والاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر احتكار الحقيقة، بل عبر عقد اجتماعي يضمن حرية الاختلاف ويجعل الولاء للوطن فوق الولاء للتنظيم.
إن معركتنا اليوم ليست بين مذهبين، بل بين نموذجين للدولة: دولة تحتكر السماء لتُحكم الأرض، ودولة مدنية تترك السماء لعقيدة الناس وتحكم الأرض بالقانون والعدل.
محمد داؤد بنداك
رئيس حركة تحرير كوش السودانية
3 مارس 2026

bendakoka.66@gmail.com

عن محمد داؤد بنداك