باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 23 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عمر سيد احمد
عمر سيد احمد عرض كل المقالات

الإسلام السياسي ورأس المال الهارب

اخر تحديث: 23 أغسطس, 2026 11:10 صباحًا
شارك

الإسلام السياسي ورأس المال الهارب
السودان بعد ثلاثة عقود من التمكين وتفكك الدولة
قراءة خديجة صفوت في مرآة السودان المنهار
إعداد: عمر سيد أحمد |باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل
Email: o.sidahmed09@gmail.com
أغسطس 2026
تمهيد
إذا أُعيدت قراءة كتاب الدكتورة خديجة صفوت، “الإسلام السياسي ورأس المال الهارب: السودان نموذجاً” ، من موقع السودان بعد أكثر من ثلاثة عقود على صدوره، فإن أهميته لا تكمن في أنه تنبأ تفصيلاً بما سيحدث، بل في أنه التقط مبكراً بنية سياسية واقتصادية يمكن أن تقود إلى إضعاف رأس المال الوطني، وتحويل الدولة إلى أداة لإعادة توزيع الموارد لمصلحة فئة مسيطرة، وتسييس المؤسسة العسكرية، وإضعاف المجتمع المدني والطبقة الوسطى، بالتوازي مع صعود رأس المال الريعي والتجاري على حساب القطاعات الإنتاجية.
ومنذ انقلاب 30 يونيو 1989، لم تكن تجربة الإسلام السياسي في السودان مجرد تجربة حكم أخفقت في إدارة الاقتصاد، بل مشروعاً لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع والاقتصاد. وقد ارتبطت هذه التجربة بانفصال جنوب السودان عام 2011، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وتراجع مؤسسات الدولة، ثم انقلاب أكتوبر 2021، قبل اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.
وتستند هذه القراءة إلى التمييز بين مستويين: ما طرحته خديجة صفوت بوصفه إطاراً تفسيرياً لعلاقة الإسلام السياسي برأس المال والدولة، وما كشفت عنه الوقائع اللاحقة في السودان من نتائج سياسية واقتصادية وأمنية.
أولاً: من رأس المال الهارب إلى الدولة المختطفة
ربطت خديجة صفوت بين صعود رأس المال العابر للحدود وتراجع قدرة الدولة الوطنية على الرقابة والتنظيم. فكلما أصبح رأس المال أكثر قدرة على الحركة بين الدول، ازداد نفوذه على السياسات العامة، ولا سيما في الدول الضعيفة أو المنهكة اقتصادياً.
لكن التجربة السودانية أضافت بُعداً أكثر تعقيداً إلى هذه الفكرة. فلم يعد الأمر متعلقاً بهروب رأس المال من الدولة فحسب، بل بقيام جماعة سياسية بالسيطرة على الدولة، ثم استخدام مؤسساتها لإعادة توزيع الموارد والفرص لمصلحة شبكة سياسية واقتصادية محددة.
جاء نظام الإنقاذ إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، ثم بدأ إعادة تشكيل مؤسسات الدولة والسوق معاً. وبذلك أصبح الوصول إلى الثروة مرتبطاً، بدرجة كبيرة، بالوصول إلى السلطة، كما أصبح النفوذ السياسي عاملاً حاسماً في الحصول على التمويل المصرفي، والتراخيص التجارية، والعقود الحكومية، والأراضي، والإعفاءات الجمركية والضريبية، وفرص الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية.
وتصف دراسات أكاديمية وسياسية هذا النمط بأنه اقتصاد سياسي قائم على المحسوبية والريع وتداخل المصالح الحزبية والعسكرية والتجارية.
ثانياً: التمكين وإعادة تشكيل الدولة
كان «التمكين» من أهم آليات نظام الإنقاذ. ولم يقتصر على تعيين كوادر الحركة الإسلامية في مؤسسات الدولة، بل شمل الخدمة المدنية، والقطاع المصرفي، والشركات العامة، وأجهزة الأمن، والإعلام، والجامعات، والنقابات، والقوات المسلحة.
وتشير أبحاث تناولت تفكيك الدولة العميقة في السودان إلى أن النظام أقال أعداداً كبيرة من الموظفين والعسكريين، وأعاد توزيع الوظائف والامتيازات وفقاً للولاء السياسي.
اقتصادياً، أدى التمكين إلى نقل مركز الثقل من المنافسة الإنتاجية إلى المنافسة على القرب من الدولة. وأصبح السؤال الأساسي في قطاعات واسعة من الاقتصاد هو: من يملك العلاقة السياسية التي تتيح له الوصول إلى التمويل أو الاستيراد أو العقود؟
وعندما يتحول النفوذ السياسي إلى وسيلة أساسية لتكوين الثروة، لا يعود الفساد مجرد مخالفات فردية، بل يتحول إلى آلية لإنتاج طبقة اقتصادية جديدة مرتبطة بالنظام.
ثالثاً: المصرفية الإسلامية بين النموذج المالي والتوظيف السياسي
ينبغي التمييز بين المصرفية الإسلامية بوصفها نموذجاً مالياً، وبين استخدامها داخل بيئة سياسية مغلقة. فالمشكلة لم تكن في أدوات مثل المرابحة أو المشاركة أو المضاربة في حد ذاتها، بل في خضوع المؤسسات المالية والائتمانية لشبكات الولاء والنفوذ.
وأظهرت دراسات عن صعود الإسلام السياسي في السودان أن الحركة الإسلامية تمكنت، قبل انقلاب 1989، من بناء قاعدة تجارية ومالية مهمة عبر شبكات التمويل غير الرسمي والمصارف الإسلامية. وبعد السيطرة على الدولة، تداخلت هذه القاعدة الاقتصادية مع السلطة السياسية والأمنية.
تمثلت المفارقة في أن النظام رفع شعارات العدالة والزكاة ومحاربة الربا، لكنه ركز التمويل والامتيازات في أيدي فئات مرتبطة بالسلطة، الأمر الذي أدى إلى تراجع القطاعات الإنتاجية وتوسع النشاط التجاري والوسيط والمضاربي. وهكذا تحولت «أسلمة الاقتصاد» في أجزاء مهمة من التجربة إلى أسلمة للخطاب والأدوات، لا إلى بناء اقتصاد إنتاجي عادل ومستقل.
رابعاً: النيوليبرالية المقنّعة بالخطاب الأيديولوجي
تمثلت إحدى مفارقات النظام في الجمع بين خطاب سياسي معادٍ للغرب وللرأسمالية العالمية، وسياسات اقتصادية اتسمت بخصائص قريبة من برامج التحرير والخصخصة وتوسيع السوق.
وشملت هذه السياسات بيع بعض المؤسسات العامة، وتحرير التجارة، وتقليص الدعم، وتوسيع القطاعين التجاري والمالي، وإضعاف الدور الإنتاجي للدولة، والاعتماد على تصدير الموارد الخام، وتشجيع الاستثمارات المرتبطة بالشبكات السياسية.
وتشير الأدبيات المتعلقة بالاقتصاد السوداني إلى أن الشركات المرتبطة بالنظام استفادت من الخصخصة والإعفاءات والامتيازات، بينما تعرضت الشركات غير المرتبطة بالنظام لضغوط تنافسية ومؤسسية.
ولم يتشكل اقتصاد إنتاجي إسلامي بديل قادر على إحداث تحول زراعي وصناعي واسع، بل أُعيد تشكيل الرأسمالية السودانية في صورة أكثر ارتباطاً بالسلطة. وهكذا انتقل الاقتصاد من المنافسة في السوق إلى المنافسة على القرب من الدولة.
خامساً: النفط والريع وتأجيل الإصلاح
مثل النفط فرصة تاريخية لإعادة بناء الاقتصاد السوداني عبر الاستثمار في الزراعة والصناعة والبنية التحتية والتعليم والصحة. وقد ارتفع إنتاج السودان النفطي خلال العقد السابق لانفصال جنوب السودان، فبلغ نحو نصف مليون برميل يومياً تقريباً في عام 2008.
لكن العائدات النفطية لم تُستخدم بما يكفي لتنويع الاقتصاد أو بناء قاعدة إنتاجية قادرة على مواجهة الصدمات. وقد أشار البنك الدولي إلى أن النفط كان يمثل نحو نصف إيرادات الحكومة السودانية ونحو 95% من الصادرات قبل انفصال جنوب السودان.
وبعد الانفصال عام 2011، فقد السودان نحو ثلاثة أرباع إنتاجه النفطي ونحو نصف إيراداته المالية، وتعرض الاقتصاد لعجز مالي، وتدهور في الميزان التجاري، وانخفاض حاد في قيمة العملة.
وتشير تحليلات الاقتصاد السياسي للسودان إلى أن عائدات النفط أسهمت في توسيع شبكات الولاء وتمويل مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، بدلاً من تحويلها بصورة كافية إلى استثمارات مستدامة في القطاعات الإنتاجية.
وكشف هذا الانهيار هشاشة النموذج الاقتصادي القائم على الريع. فحين تعتمد الدولة على مورد واحد، وتتراجع مساءلة المؤسسات، تتحول عائدات المورد إلى وسيلة لتأجيل الإصلاح بدلاً من أن تكون أساساً للتنويع الاقتصادي.
سادساً: الجيش والدولة الأمنية
من أبرز جوانب تحليل خديجة صفوت اهتمامها بعلاقة المؤسسة العسكرية بالاقتصاد. فالجيش ليس بالضرورة مؤسسة محايدة خارج الصراع الطبقي والسياسي، بل يمكن أن يصبح فاعلاً اقتصادياً يمتلك مصالح وشركات وموارد مستقلة.
وفي السودان، أدت عقود من التسييس والتمكين إلى تحويل المؤسسة العسكرية والأمنية إلى أحد مراكز القوة الأساسية في الدولة. وتشير أبحاث حول الاقتصاد العسكري إلى أن المؤسسة العسكرية السودانية توسعت من الصناعات الدفاعية إلى قطاعات مدنية وتجارية متعددة.
وبذلك لم يعد السؤال مقتصراً على من يقود الجيش، بل أصبح متعلقاً أيضاً بحجم الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية، ومدى خضوعها للموازنة العامة، وطبيعة علاقاتها بالقطاع الخاص، ومستوى الرقابة البرلمانية والقضائية عليها، وقدرتها على التأثير في السياسة والاقتصاد معاً.
وأصبح إصلاح الجيش، لذلك، قضية اقتصادية ودستورية، وليس مجرد قضية أمنية.
سابعاً: تعدد الجيوش وصناعة الصراع
اعتمد نظام الإنقاذ على تعدد مراكز القوة المسلحة. فإلى جانب القوات المسلحة، ظهرت أو توسعت أجهزة أمنية وميليشيات وقوات موازية، من بينها الدفاع الشعبي والجنجويد، ثم قوات الدعم السريع.
واستخدم النظام هذه التشكيلات لإدارة الحروب، وموازنة مراكز القوة، وحماية السلطة. لكن تعدد الجيوش أضعف احتكار الدولة للسلاح، وجعل كل قوة تمتلك قيادة مستقلة، ومصادر تمويل خاصة، وشبكات ولاء، وعلاقات خارجية، ومصالح اقتصادية، وطموحات سياسية.
ويرى أليكس دي وال أن السودان تطور إلى «ساحة أمنية» تضم منظمات مسلحة متعددة ذات قيادات ومصادر تمويل شبه مستقلة، وهو ما جعل بناء دولة مؤسسية أمراً بالغ الصعوبة.
وبعد سقوط عمر البشير في أبريل 2019، سقط الرئيس، لكن البنية العسكرية والاقتصادية التي تشكلت خلال عقود ظلت قائمة. ولذلك كان الصراع الحقيقي متعلقاً بمن يملك السلاح والموارد والقدرة على تعطيل الانتقال المدني.
ثامناً: انقلاب أكتوبر 2021 والطريق إلى الحرب
عندما أطاح المكوّن العسكري بالشراكة المدنية في أكتوبر 2021، لم يكن الأمر مجرد خلاف إجرائي حول المرحلة الانتقالية، بل ارتبط أيضاً بمقاومة مراكز القوة العسكرية والأمنية لمحاولات إخضاع شركاتها ومواردها لرقابة وزارة المالية والمؤسسات المدنية.
وظل التحالف بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع هشاً، لأن الطرفين امتلكا السلاح والموارد والعلاقات الخارجية والطموحات السياسية. وفي غياب سلطة مدنية قادرة على توحيد المؤسسة العسكرية، تحول التنافس إلى حرب مفتوحة في أبريل 2023.
وبعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، لم يعد الصراع يدور حول مستقبل المرحلة الانتقالية فحسب، بل حول محاولة إعادة إنتاج النظام القديم بصورة كاملة. فقد أجهض الانقلاب الشراكة المدنية ـ العسكرية، وأعاد السلطة الفعلية إلى قيادة عسكرية حافظت على بنية الدولة العميقة ومصالحها، وأغلق الطريق أمام التحول الديمقراطي وتفكيك شبكات الإسلام السياسي داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والأمن.
ولم يكن سقوط عمر البشير يعني سقوط النظام الذي أقامه؛ فقد بقيت مؤسسات التمكين، وشبكات المصالح، والاقتصاد العسكري، والقوى الأمنية، والكوادر التنظيمية، قادرة على التأثير في مسار المرحلة الانتقالية. وقد اختُطفت ثورة ديسمبر بواسطة قيادة عسكرية مؤدلجة حافظت على جوهر النظام القديم، وقدمت تنازلات شكلية للرأي العام من دون تفكيك شبكاته السياسية والاقتصادية والأمنية.
وعندما تعذر استعادة السلطة عبر التسويات السياسية أو السيطرة المباشرة على المرحلة الانتقالية، اتجهت قوى الإسلام السياسي وشبكات النظام السابق إلى تعطيل المسار المدني، والاستفادة من الفوضى، وتغذية الصراع داخل بنية القوى المسلحة، تمهيداً لإسقاط الانتقال والعودة إلى الحكم. وهكذا أصبح العنف والحرب خياراً سياسياً لاستعادة السلطة بعد أن أسقطت ثورة ديسمبر رأس النظام.
تاسعاً: الحرب بوصفها انفجاراً لتناقضات متراكمة
وفي هذا السياق، لم تكن حرب أبريل 2023 خلافاً مفاجئاً بين قائدين عسكريين، ولا نتيجة تنافس شخصي منفصل عن تاريخ السودان السياسي. فقد نشبت داخل بنية صنعها نظام الإسلام السياسي نفسه: دولة عسكرة السياسة، وإنشاء قوى مسلحة موازية، وإضعاف المؤسسات المدنية، وإخراج قطاعات واسعة من الاقتصاد من الرقابة العامة، وترك موارد الحرب والأمن خارج الموازنة والشفافية.
لقد أسهم النظام السابق في بناء واقع عسكري متعدد المراكز، استخدم فيه القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والميليشيات والقوى الموازية لإدارة الصراع وحماية السلطة. وحين سقط البشير، بقي هذا الواقع قائماً، بل انتقل إلى المرحلة الانتقالية بوصفه مركز الثقل الحقيقي في الدولة. وفي ظل غياب سلطة مدنية قادرة على إعادة تنظيم القطاع الأمني والعسكري، تحولت التناقضات المتراكمة بين القوى المسلحة إلى صراع مفتوح على الدولة ومواردها ومستقبلها.
لذلك فإن المسؤولية عن الحرب لا تنحصر في لحظة إطلاق النار، ولا في التنافس المباشر بين القيادات العسكرية، بل تمتد إلى المشروع الذي عسْكر الدولة، وأنشأ القوى الموازية، وأضعف مؤسسات المجتمع المدني، وأخرج المؤسسة العسكرية من الرقابة الديمقراطية، ثم رفض قبول نتائج الثورة.
لا يمكن تفسير الحرب السودانية بعامل واحد. فهي مواجهة مباشرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ويتحمل الطرفان مسؤولية قراراتهما وأفعالهما والانتهاكات المنسوبة إليهما.
لكن الحرب ارتبطت أيضاً ببنية تاريخية نشأت خلال عهد الإنقاذ، وشملت تسييس القوات المسلحة، وإنشاء قوى مسلحة موازية، واستقلال قطاعات عسكرية وأمنية عن الموازنة العامة، والاعتماد على الميليشيات في إدارة الحروب الطرفية، وتحويل الموارد الطبيعية إلى مصادر لتمويل القوة، وإضعاف مؤسسات المجتمع المدني والرقابة العامة.
وقد وثقت الأمم المتحدة انتهاكات واسعة ارتكبها طرفا الحرب بحق المدنيين والبنية التحتية، وأكدت أن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مسؤولتان عن هجمات واسعة وانتهاكات خطيرة.
وعليه، لا يصح إعفاء أي طرف من مسؤوليته عن الانتهاكات، كما لا يصح اختزال الحرب كلها في مؤامرة سياسية واحدة. غير أن فهم جذورها يتطلب تحليل العلاقة بين السلطة والسلاح والموارد.
عاشراً: الذهب واقتصاد الحرب
بعد فقدان معظم الإيرادات النفطية، أصبح الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في السودان. وكان يمكن لهذا القطاع أن يمول التنمية إذا أُخضع للرقابة والشفافية، لكن ضعف الدولة وتعدد مراكز القوة جعلاه مورداً للصراع.
ويشير تشاتام هاوس إلى أن الذهب أصبح مرتبطاً بشبكات عسكرية وأمنية وتجارية عابرة للحدود، وأن التعدين الأهلي يمثل الجزء الأكبر من الإنتاج، بينما يتسرب جزء مهم من الذهب عبر قنوات غير رسمية.
كما يشير التقرير إلى أن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع أنشأتا شركات وشبكات تجارية مرتبطة بالتنقيب عن الذهب وتجارته، الأمر الذي جعل القطاع جزءاً من بنية القوة العسكرية والاقتصادية.
وهكذا أصبح الذهب وسيلة لتمويل العمليات العسكرية، وأداة لشراء الولاءات، ومصدراً للعملة الأجنبية خارج الرقابة الكاملة، وعاملاً في جذب التدخلات الإقليمية، وجزءاً من اقتصاد الحرب.
وبذلك تحولت فكرة «رأس المال الهارب» إلى ثروة طبيعية هاربة من الدولة والمجتمع، لا عبر تحويلات مالية فقط، بل عبر تهريب الموارد نفسها.
الحادي عشر: رأس المال الهارب والسيادة القابلة للاختراق
تحدثت خديجة صفوت عن تراجع الدولة أمام رأس المال العابر للحدود. أما السودان اليوم، فيواجه تراجعاً أمام رأس المال والسلاح والمصالح الإقليمية في الوقت نفسه.
فالذهب، والموانئ، والأراضي الزراعية، والمياه، وطرق التجارة، والموقع الجغرافي، أصبحت جميعها عناصر في حسابات قوى خارجية. ويحلل تشاتام هاوس قطاع الذهب السوداني باعتباره جزءاً من منظومة صراع إقليمية تتداخل فيها شبكات اقتصادية وأمنية وسياسية.
ولا يعني ذلك أن كل ما يحدث نتيجة مؤامرة خارجية. فالدول تتدخل لأنها ترى مصالحها، لكن التدخل الخارجي يصبح أكثر تأثيراً عندما تكون الدولة الداخلية منقسمة، وتفاوض القوى الخارجية عبر مراكز قوة متعددة بدلاً من مؤسسة وطنية واحدة.
الثاني عشر: الخسائر تتجاوز الدمار المادي
تُقاس الحروب عادة بعدد المنازل والمصانع والطرق التي دُمرت، لكن الخسائر الأعمق تتعلق برأس المال البشري والمؤسسي.
فالطفل الذي يفقد سنوات التعليم يمثل خسارة مستقبلية. والطبيب أو المهندس الذي يهاجر قد لا يعود. والشركة التي تغلق تفقد عمالها وخبرتها وأسواقها. والمزارع الذي يترك أرضه يفقد دورة إنتاجية ومعرفة تراكمية.
وقد وصف البنك الدولي الحرب بأنها تسببت في انكماش حاد للاقتصاد السوداني، نتيجة تدمير البنية التحتية والنزوح وانهيار الإنتاج والتجارة.
وأفادت الأمم المتحدة في أبريل 2026 بأن نحو 14 مليون شخص أُجبروا على الفرار من منازلهم منذ اندلاع الحرب، منهم نحو 9 ملايين نازح داخلياً ونحو 4.4 مليون لاجئ عبر الحدود، وأن نحو 33.7 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، فيما حذرت منظمات الأمم المتحدة المعنية بالغذاء في مايو 2026 من أن نحو 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، من بينهم نحو 135 ألف شخص في مرحلة الكارثة الغذائية.
لذلك، لا تدمر الحرب الناتج الحالي فقط، بل تخفض الناتج المحتمل لعقود قادمة.
الثالث عشر: ما الذي ينبغي أن يتعلمه السودان؟
من أهم دروس الكتاب أن الديمقراطية السياسية لا تستقر إذا ظل الاقتصاد خارج الرقابة الديمقراطية.
فلا معنى لحكومة مدنية إذا بقيت الموارد الكبرى خارج وزارة المالية، ولا معنى لموازنة عامة إذا ظلت مؤسسات اقتصادية مؤثرة خارج التدقيق، ولا معنى لانتخابات حرة إذا احتكرت جماعات محددة السلاح والمال والإعلام.
ويحتاج السودان إلى إعادة بناء العلاقة بين الدولة والاقتصاد على أسس جديدة، أهمها:
● إخضاع جميع المؤسسات الاقتصادية العامة والعسكرية للمراجعة.
● إدخال الإيرادات خارج الموازنة في النظام المالي العام.
● توحيد القوات المسلحة وإنهاء التشكيلات الموازية.
● بناء نظام لا مركزي يضمن توزيعاً عادلاً للموارد.
● إنشاء نظام شفاف لإدارة الذهب والتعدين.
● توجيه عائدات الموارد إلى الزراعة والصناعة والتعليم والصحة.
● إعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة.
● حماية استقلال القضاء والنيابة وأجهزة المراجعة.
● إشراك المجتمعات المحلية في إدارة الموارد.
● دعم منظمات المجتمع المدني وغرف الطوارئ والمبادرات الشعبية.
الرابع عشر: من إعادة الإعمار إلى إعادة تأسيس الدولة
سيكون من الخطأ اختزال مستقبل السودان في إعادة بناء الخرطوم أو إصلاح الطرق والمباني. فالسؤال الأهم ليس فقط: كيف نعيد بناء ما دمرته الحرب؟ بل: أي دولة سيُعاد بناؤها، ولصالح من، وبأي مؤسسات وقواعد؟
إذا أُعيد بناء البنية التحتية مع الإبقاء على تعدد الجيوش، والاقتصاد العسكري، والامتيازات السياسية، والشركات غير الخاضعة للرقابة، فسوف يُعاد إنتاج أسباب الأزمة. ولذلك فإن إعادة الإعمار لا يمكن فصلها عن إعادة تأسيس الدولة، وإعادة تعريف علاقة الجيش بالسلطة، وعلاقة الموارد بالمصلحة العامة، وعلاقة المركز بالأقاليم والمواطنين.
آثار النظام السابق ومسؤولية الإسلام السياسي
لا تعني الإشارة إلى وجود أزمات وحروب وتفاوتات سبقت عام 1989 الانتقاص من المسؤولية التاريخية والسياسية الكاملة لنظام الإسلام السياسي عن الكارثة التي أصابت السودان. فقد ورث النظام مشكلات حقيقية في علاقة المركز بالأقاليم، وفي توزيع السلطة والثروة، وفي بناء الدولة الوطنية، لكنه لم يعمل على معالجتها؛ بل حوّلها إلى أدوات لإحكام السيطرة وتوسيع النفوذ وإعادة هندسة المجتمع والدولة وفق منطق الإقصاء والتمكين والحرب.
وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود، لم يكن ما جرى مجرد فشل في إدارة الأزمات، بل مشروعاً منظماً لتفكيك مؤسسات الدولة وإخضاعها للحركة السياسية والأمنية، وتدمير استقلال الخدمة المدنية والقضاء والتعليم والصحة والصناعة والإعلام والنقابات، وتحويل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية إلى أدوات لحماية النظام وتصفية الخصوم. كما أسهم النظام في عسكرة المجتمع، وإنشاء قوى مسلحة موازية، وتوسيع الحروب في الجنوب ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، واستعمال الانقسامات الإثنية والجهوية والدينية في إدارة الصراع.
ولم يتوقف أثر ذلك عند انفصال جنوب السودان أو اتساع رقعة الحروب، بل امتد إلى تقويض فكرة الدولة نفسها. فقد جرى التعامل مع المجتمع بمنطق الولاء والخيانة، ومع المجال السياسي بمنطق دار الإسلام ودار الحرب، فأصبح المواطن المعارض يُعامل بوصفه عدواً داخلياً، وأصبح العنف وسيلة مشروعة لإدارة الخلاف السياسي. كما فتح النظام السودان أمام شبكات الإسلام السياسي والجماعات المسلحة والمتطرفة، وحوّل البلاد إلى فضاء قابل للاختراق من جماعات ومصالح عابرة للحدود.
لذلك فإن مسؤولية نظام الإسلام السياسي لا تتمثل في أنه أخفق في إصلاح دولة مأزومة فحسب، بل في أنه أعاد بناء الأزمة داخل مؤسسات الدولة، وحوّلها إلى نظام حكم واقتصاد وأمن وثقافة سياسية. وقد أدى هذا المشروع إلى إضعاف الروابط الوطنية، وتدمير قطاعات الإنتاج والخدمات، واستباحة الإنسان وكرامته، وتقويض معايير العدالة والمواطنة، وإنتاج بنية من العنف والانقسام سيستمر أثرها عقوداً، وربما يمتد إلى أجيال.
ومن ثم، فإن الحروب والتفاوتات التي سبقت عام 1989 تمثل سياقاً تاريخياً لا عذراً سياسياً. أما المسؤولية عن تعميقها وتعميمها وتحويلها إلى بنية مستدامة لتفكيك السودان، فتقع أساساً على عاتق نظام الإسلام السياسي وشبكاته ومؤسساته وتحالفاته العسكرية والاقتصادية والأمنية.
من سقوط رأس النظام إلى إعادة إنتاجه
بعد سقوط رأس النظام في أبريل 2019، لم يقبل الإسلام السياسي بخسارة السلطة، بل عمل على إعادة إنتاجها من داخل مؤسسات الدولة العميقة، ولا سيما المؤسسة العسكرية والأمنية والاقتصادية. فإسقاط عمر البشير لم يكن يعني سقوط النظام الذي أقامه؛ إذ بقيت مؤسسات التمكين، وشبكات المصالح، والاقتصاد العسكري، والقوى الأمنية، والكوادر التنظيمية، قادرة على التأثير في مسار المرحلة الانتقالية.
وقد اختُطفت ثورة ديسمبر بواسطة قيادة عسكرية مؤدلجة حافظت على جوهر النظام القديم، وقدمت تنازلات شكلية للرأي العام من دون تفكيك شبكاته السياسية والاقتصادية والأمنية. ولم يُسمح للثورة بأن تتحول إلى مشروع كامل لتأسيس دولة مدنية ديمقراطية؛ بل جرى احتواؤها داخل بنية عسكرية أبقت الجيش والأجهزة الأمنية والاقتصاد المرتبط بهما خارج الرقابة المدنية الفعلية.
ومن ثم تحولت الثورة من مشروع لتفكيك النظام وبناء دولة المواطنة إلى ساحة صراع بين قوى الثورة من جهة، ومراكز النظام القديم والقوى المسلحة المتنافسة من جهة أخرى. فقد حافظت قيادة الجيش على نفوذ المؤسسة العسكرية ومصالحها، وأبقت البنية الأساسية للدولة العميقة، بينما واصلت شبكات الإسلام السياسي العمل على تعطيل الانتقال واستعادة مواقعها داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
ولم يكن الإسلام السياسي مستعداً لقبول انتقال ديمقراطي يضع حداً لاحتكاره الطويل للسلطة. وعندما تعذر استعادة الحكم عبر التسويات السياسية أو السيطرة المباشرة على المرحلة الانتقالية، اتجهت قوى النظام القديم إلى تعطيل المسار المدني، والاستفادة من الفوضى، وتغذية الصراع داخل بنية القوى المسلحة، تمهيداً لإسقاط الانتقال والعودة إلى السلطة.
انقلاب 25 أكتوبر 2021 واختطاف الثورة
في 25 أكتوبر 2021، انقلبت القيادة العسكرية على الشراكة المدنية ـ العسكرية، منهية عملياً المرحلة الانتقالية ومُبقية على البنية الأساسية للنظام القديم. ولم يكن الانقلاب حدثاً منفصلاً عن مسار ما بعد سقوط البشير، بل كان محاولة لإعادة إحكام السيطرة على الدولة ومنع تفكيك شبكات الإسلام السياسي ومصالح المؤسسة العسكرية.
بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، لم يعد الصراع يدور حول مستقبل المرحلة الانتقالية فحسب، بل حول محاولة إعادة إنتاج النظام القديم بصورة كاملة. فقد أجهض الانقلاب الشراكة المدنية ـ العسكرية، وأعاد السلطة الفعلية إلى قيادة عسكرية حافظت على بنية الدولة العميقة ومصالحها، وأغلق الطريق أمام التحول الديمقراطي وتفكيك شبكات الإسلام السياسي داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والأمن.
وعندما تعذر استعادة السلطة عبر التسويات السياسية أو السيطرة المباشرة على المرحلة الانتقالية، اتجهت قوى الإسلام السياسي وشبكات النظام السابق إلى تعطيل المسار المدني، والاستفادة من الفوضى، وتغذية الصراع داخل بنية القوى المسلحة، تمهيداً لإسقاط الانتقال والعودة إلى الحكم. وهكذا أصبح العنف والحرب خياراً سياسياً لاستعادة السلطة بعد أن أسقطت ثورة ديسمبر رأس النظام.
من عسكرة الدولة إلى انفجار الحرب
لم تكن حرب أبريل 2023 خلافاً مفاجئاً بين قائدين عسكريين، ولا نتيجة تنافس شخصي منفصل عن تاريخ السودان السياسي. فقد نشبت داخل بنية صنعها نظام الإسلام السياسي نفسه: دولة عسكرة السياسة، وإنشاء قوى مسلحة موازية، وإضعاف المؤسسات المدنية، وإخراج قطاعات واسعة من الاقتصاد من الرقابة العامة، وترك موارد الحرب والأمن خارج الموازنة والشفافية.
لقد أسهم النظام السابق في بناء واقع عسكري متعدد المراكز، استخدم فيه القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والميليشيات والقوى الموازية لإدارة الصراع وحماية السلطة. وحين سقط البشير، بقي هذا الواقع قائماً، بل انتقل إلى المرحلة الانتقالية بوصفه مركز الثقل الحقيقي في الدولة. وفي ظل غياب سلطة مدنية قادرة على إعادة تنظيم القطاع الأمني والعسكري، تحولت التناقضات المتراكمة بين القوى المسلحة إلى صراع مفتوح على الدولة ومواردها ومستقبلها.
وفي هذا السياق، لم تكن الحرب قطيعة مع إرث الإنقاذ، بل كانت ذروة لهذا الإرث. فقد استفادت قوى الإسلام السياسي وشبكات النظام السابق من الانقسام بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ومن هشاشة القيادة السياسية، ومن عجز القوى المدنية عن تفكيك بنية الدولة العميقة، حتى انفجر الصراع المسلح في أبريل 2023.
ولذلك فإن المسؤولية عن الحرب لا تنحصر في لحظة إطلاق النار، ولا في التنافس المباشر بين القيادات العسكرية، بل تمتد إلى المشروع الذي عسْكر الدولة، وأنشأ القوى الموازية، وأضعف مؤسسات المجتمع المدني، وأخرج المؤسسة العسكرية من الرقابة الديمقراطية، ثم رفض قبول نتائج الثورة. لقد أصبح العنف، في ظل هذا الإرث، وسيلة لإعادة ترتيب السلطة حين تعجز النخب العسكرية والسياسية عن فرضها عبر السياسة.
الحرب بوصفها محاولة للعودة إلى السلطة
بعد أن أسقطت ثورة ديسمبر رأس النظام، حاول الإسلام السياسي العودة إلى السلطة من خلال الدولة العميقة والتحالفات العسكرية وشبكات الاقتصاد والأمن. وحين تعذر تحقيق ذلك عبر المسار السياسي، أصبحت الفوضى والحرب وسيلتين لإسقاط المرحلة الانتقالية وإعادة إنتاج الحكم القديم في صورة جديدة.
ولم تكن الغاية من الحرب محصورة في حسم خلاف بين طرفين مسلحين، بل ارتبطت بصراع أوسع على مستقبل الدولة: هل يتجه السودان نحو دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة والمحاسبة، أم يعود إلى نظام عسكري تتوارى خلفه شبكات الإسلام السياسي وأصحاب المصالح الاقتصادية والأمنية؟
لقد دفعت قوى النظام القديم البلاد نحو حافة الحرب، مستفيدة من الانقسام العسكري، ومن ضعف القوى المدنية، ومن بقاء الموارد الاستراتيجية خارج سيطرة الدولة المدنية. وعندما اندلع القتال، وجد الإسلام السياسي في الحرب فرصة لإعادة ترتيب المشهد، وتقديم نفسه بوصفه قوة قادرة على حماية الدولة، رغم أن البنية التي أضعفت الدولة ومزقت مؤسساتها كانت قد تشكلت في ظل حكمه.
وهكذا لم يكن إشعال الحرب مجرد رد فعل على فقدان السلطة، بل محاولة منظمة لاستعادة النفوذ بعد سقوط رأس النظام. فإذا تعذر حكم السودان عبر السيطرة السياسية المباشرة، جرى دفع البلاد إلى الحرب كي تعود القوى القديمة عبر أنقاض الدولة، أو عبر تقديم نفسها باعتبارها الطرف القادر على إنقاذها من الفوضى التي أسهمت هي نفسها في إنتاجها.
من إعادة الإعمار إلى إعادة تأسيس الدولة
لذلك تتطلب عملية إعادة التأسيس إخضاع جميع المؤسسات الاقتصادية العامة والعسكرية للمراجعة، وإدخال الإيرادات خارج الموازنة في النظام المالي العام، وتوحيد القوات المسلحة، وبناء نظام لا مركزي يضمن توزيعاً عادلاً للموارد، وإنشاء نظام شفاف لإدارة الذهب والتعدين.
كما تتطلب توجيه عائدات الموارد إلى الزراعة والصناعة والتعليم والصحة، وإعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة، وحماية استقلال القضاء والنيابة وأجهزة المراجعة، وإشراك المجتمعات المحلية في إدارة الموارد.
ولا يمكن أن تنجح هذه الإصلاحات من دون تفكيك اقتصاد الحرب، وإخضاع المؤسسات العسكرية والأمنية للسلطة المدنية، وضمان العدالة الانتقالية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، ومنع إعادة تدوير شبكات التمكين في مؤسسات الدولة الجديدة.
الخاتمة
بعد أكثر من ثلاثة عقود، لا يمكن وصف تجربة الإسلام السياسي في السودان بأنها تجربة حكم أخفقت فحسب؛ فقد كانت مشروعاً منظماً لإعادة بناء الدولة على أساس السيطرة الحزبية والأمنية والعسكرية، وإعادة توزيع الموارد والفرص وفق الولاء، وإضعاف كل مؤسسة يمكن أن تحد من سلطة الحركة الحاكمة.
لم يكن انفصال جنوب السودان نتيجة تلقائية للتاريخ السوداني، بل جاء في سياق سياسات أغلقت المجال السياسي، وعمّقت الحرب، ورفضت الاعتراف بالتعدد، واستخدمت الدين لتبرير الإقصاء والعنف. ولم تكن حروب دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق مجرد تمردات أمنية، بل كانت أيضاً نتيجة مباشرة لنظام أدار أطراف البلاد بالقوة، ورفض بناء مواطنة متساوية، وأخضع التنمية والتمثيل السياسي لمنطق المركز والولاء.
كذلك لم يكن تخريب مؤسسات الدولة نتيجة فساد عابر، بل نتيجة سياسة تمكين استهدفت الخدمة المدنية والجيش والقضاء والتعليم والصحة والإعلام والنقابات والقطاع الاقتصادي. وقد أدت هذه السياسة إلى تفريغ المؤسسات من مهنيتها، وتحويلها إلى أدوات للحزب والأمن، وتدمير شروط الدولة الحديثة نفسها.
وبعد سقوط عمر البشير، لم يسقط النظام الذي أقامه. فقد بقيت بنيته السياسية والأمنية والاقتصادية حاضرة، واستطاعت قيادة عسكرية مؤدلجة اختطاف الثورة وإبقاء جوهر الدولة القديمة، ثم تعطيل الانتقال المدني. وعندما فشلت محاولات العودة عبر السياسة، جرى الدفع بالسودان نحو الحرب بوصفها وسيلة لإسقاط الدولة المدنية وإعادة إنتاج السلطة القديمة.
لذلك تمثل حرب أبريل 2023 امتداداً مباشراً لأزمة النظام السابق، لا قطيعة معها. فقد كانت نتيجة لمسار طويل من عسكرة الدولة، وإنشاء القوى المسلحة الموازية، وإضعاف المجتمع المدني، وإفلات المؤسسة العسكرية من الرقابة، وتوظيف الموارد الوطنية لخدمة مراكز القوة. لقد سقط رأس النظام، أما بنيته فبقيت، وحين عجزت عن العودة السياسية حاولت العودة عبر الحرب.
إن الحروب والتفاوتات التي سبقت عام 1989 تفسر بعض جذور الأزمة، لكنها لا تبرر ما حدث بعدها. فالفرق الحاسم أن نظام الإسلام السياسي لم يرث الأزمة فحسب، بل حوّلها إلى نظام حكم؛ ولم يرث الانقسام فحسب، بل عمّقه؛ ولم يستخدم العنف كوسيلة استثنائية، بل جعله أداة دائمة لإدارة الدولة والمجتمع.
ولهذا فإن مسؤوليته التاريخية عن تخريب السودان تظل استثنائية من حيث المدى والعمق والاستمرارية. فقد ترك وراءه دولة ممزقة، واقتصاداً منهكاً، ومجتمعاً مسلحاً، ومؤسسات مفرغة من مضمونها، وذاكرة جماعية مثقلة بالعنف والإفلات من العقاب. وليس هذا إرثاً ينتهي بسقوط نظام أو مقتل قائد أو توقيع اتفاق، بل بنية ممتدة ستظل آثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية حاضرة لعقود، وربما لأجيال.
لقد كانت ثورة ديسمبر إسقاطاً لرأس النظام، لكنها لم تتمكن من تفكيك بنيته العميقة. وحين حُوصرت الثورة داخل بنية عسكرية مؤدلجة، استعاد النظام القديم قدرته على المناورة، وحين عجز عن العودة عبر السياسة، دفع البلاد إلى الحرب كي يعود عبر أنقاض الدولة.

Author
عمر سيد احمد

عمر سيد احمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
الإسلام السياسي ورأس المال الهارب
مناوى وكتلة اغانى واغانى .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى
منشورات غير مصنفة
الدكتور أحمد السيد حمد.. في رحاب الله .. بقلم: الفاضل حسن عوض الله
منبر الرأي
الترابي لم يمت
منبر الرأي
دوى صفارات الإنذار برحيل أحمد هارون وإزاحته من جنوب كردفان .. بقلم: آدم جمال أحمد

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

رسالة إلى أعضاء الحوار .. بقلم: سليمان صالح ضرار

طارق الجزولي
منبر الرأي

وزارة مركزية للحوكمة والشفافية .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري

طارق الجزولي
منبر الرأي

شُكراً حمدُوك!!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض

طارق الجزولي
منبر الرأي

الشــد والجــذب بين الحاضــنة ووزارة المالــية بخصوص موازنة ٢٠٢١ جانبه الصواب (2) .. بقلم: سيد الحسن عبدالله

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss