الإسلاميون: مِنْ رفضِ كوكا دام واتفاقيةِ الميرغني قرنق إلى قبولِ إعلانِ فرانكفورت وحقِّ تقريرِ المصير (1 – 3)

د. سلمان محمد أحمد سلمان*

1
اتصل بي عددٌ من الأصدقاء والقراء بعد اكتمالِ نشر سلسلة مقالاتي الخمسة السابقة بصحيفة سودانايل بعنوان: “إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق – دروسٌ للمبادرةِ الرباعية لتفادي تفكيكِ ما تبقّى من السودان.” وأثاروا عدّة تعقيباتٍ وتساؤلات.
كان أكثر الأسئلة التي وصلتني تكراراًَ وإلحاحاً هو: لماذا وكيف انتقلت الحركة الإسلامية، بعد موقفها الرافض رفضاً قاطعاً للمؤتمر الدستوري الذي نصّ عليه إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق، إلى مربع منح شعب جنوب السودان حق تقرير المصير كاملاً، كما حدث في بروتوكول ماشاكوس، وتأكّد في اتفاقية السلام الشامل (اتفاقية نيفاشا) بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان؟
أعطيتُ معظمَهم إجاباتٍ قصيرةٍ أوضحتُ فيها أن الإسلاميين وافقوا على منحِ شعبِ جنوبِ السودان حقَّ تقريرِ المصير، في حقيقة الأمر، من خلال إعلان فرانكفورت الذي وقّعته حكومة الإنقاذ في 25 يناير عام 1992 مع فصيل الناصر المنشقّ من الحركة الشعبية الأم، قبل حوالي العشر سنوات من بروتوكول مشاكوس، وخمسة عشر عاماً من اتفاقية نيفاشا.
وقد وعدتهم بردٍّ متكاملٍ عن هذا التطوّر الخطير، يتعرّض بالشرح والتحليل لرحلة الإسلاميين من مربع الرفض القاطع لإعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق، إلى دائرة قبول إعلانِ فرانكفورت وحقِّ تقريرِ المصير لشعب جنوب السودان، دون أيّة اشتراطاتٍ أو متطلّبات.
وهذا ما سوف نتعرّض له بالتفصيل في هذه السلسلة الثانية من المقالات عن انفصال جنوب السودان.
2
على الرغم من أن دعوة السيد عبد الله خليل للفريق إبراهيم عبود لاستلام السلطة، والذي تمَّ في 17 نوفمبر عام 1958، كان سببها الرئيسي هو الخلاف على كراسي الحكم بين الأحزاب الثلاثة (الأمة، والوطني الاتحادي، والشعب الديمقراطي) وقادتها في الخرطوم وقتها، إلّا أن قضيّة جنوب السودان لم تكن غائبةً عن ذهن السيد عبد الله خليل والعسكر الذين تم توجيههم بالاستيلاء على السلطة.
فقد عزتْ معظمُ القيادات الجنوبية، وعددٌ من المؤرخين والأكاديميين الشماليين، دعوةَ السيد عبد الله خليل الفريقَ عبود لاستلام السلطة إلى التدهور في الوضع الأمني في جنوب السودان، وإلى قناعته الكاملة (كرجل جيشٍ سابق) أن القوات المسلحة هي وحدها الكفيلة بإعادة النظام والقانون في الجنوب، ووقف نجاح وتوسّع عمليات الحركات المسلحة الجنوبية
وكمثالٍ لذلك، فقد اشتملت رسالة حزب سانو المؤرخة 8 نوفمبر 1964 (والتي اقترحت عقد مؤتمر المائدة المستديرة لمناقشة قضية الجنوب) إلى السيد سر الختم الخليفة رئيس وزراء حكومة أكتوبر 1964 على هذا الاتهام عندما ذكرت:
“ومن المفهوم أن بعض الأحزاب تواطأت مع الجيش لإتمام الانقلاب (انقلاب 17 نوفمير 1958) حتى تتمكّنَ من تصفية قضية الجنوب. لكن التجربة المُرّةَ كشفت الغشاوة عن أعين المخدوعين.”
3
وسواءٌ كان هذا أحد الأسباب لانقلاب 17 نوفمبر أم لا، فقد كانت أولى قرارات الفريق إبراهيم عبود هي المواجهة العسكرية المتكاملة بهدف هزيمة الحركات المسلّحة المتنامية في الجنوب. وانبنتْ سياسةُ حكومة الفريق عبود على منحيين: الأول هو التصعيد العسكري لهزيمة الحركات المسلحة، والثاني هو دمج الجنوب ثقافياً مع الشمال بواسطة التعريب والأسلمة. جرت محاولات الدمج الثقافي على الرغم من أن حكومة الفريق عبود لم يكن لديها فلسفةٌ أو برنامجٌ سياسي واضحٌ ومُعلنٌ لحكم السودان.
لكن هذه السياسة فشلت فشلاً ذريعاً، وأدّت إلى انهيار نظام الفريق عبود في 21 أكتوبر عام 1964، وإلى تقوية شوكة الحركات المسلحة في جنوب السودان، والتي كانت أسماؤها الرسمية في الخرطوم هي: المتمردين، والعصابات المسلحة، والخوارج، والإرهابيين.
4
واصل رؤساءُ وزراء فترة الحكم المدني الثانية (1964 – 1969)، السادة سر الختم الخليفة ومحمد أحمد محجوب والصادق المهدي، سياسةَ الحلِّ العسكري ضد من تمّت تسميتهم بالإرهابيين، وفشلت تلك السياسات مثل سابقاتها، كما فشل مؤتمر المائدة المستديرة الذي انعقد بعد نجاح ثورة أكتوبر لمناقشة قضية الجنوب.
أدّى فشل تلك السياسات إلى انقلاب 25 مايو عام 1969. ورغم النجاح التاريخي الذي أحدثه نظام العقيد نميري بعقده اتفاقية أديس أبابا مع حركة تحرير جنوب السودان في الثالث من شهر مارس عام 1972، إلاّ أن العقيد نميري عاد وانقلب عليها، وقام في غطرسةٍ وعنادٍ بتمزيق تلك الاتفاقية، مما أدّى، مع عدّةِ أسبابٍ أخرى، إلى سقوطه في 6 أبريل عام 1985.
5
وكما ناقشنا في سلسلة المقالات السابقة فقد تم الاتفاق بين التجمع الوطني لإنقاذ الوطن والحركة الشعبية لتحرير السودان على إعلان كوكا دام في 24 مارس 1986. غير أن الأحزاب الدينية الثلاثة (الجبهة القومية الإسلامية، وحزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي) اعترضت بشدّة على مقترح إلغاء قوانين سبتمبر كشرطٍ لانعقاد المؤتمر الدستوري. وقد نجحت هذه الأحزاب في وأد إعلان كوكا دام، وفي نهاية مبادرة التجمع الوطني.
تحرّك الحزب الاتحادي الديمقراطي، والذي كان قد رفض إعلان كوكا دام، لأسبابٍ معقّدةٍ ومتداخلةٍ نافشناها بالتفصيل في مقالاتنا السابقة، وقاد مبادرة السلام السودانية التي وقّعها السيد محمد عثمان الميرغني مع الدكتور جون قرنق في 16 نوفمبر عام 1988 (اتفاقية الميرغني قرنق). انبنت تلك الاتفاقية على إعلان كوكا دام، لكنها شملت تجميد تطبيق قوانين سبتمبر إلى حين انعقاد المؤتمر الدستوري، بدلاً من إلغائها كما نادى إعلان كوكا دام.
6
وكما ناقشنا بالتفصيل في المقالات السابقة، فقد رفضت الجبهة القومية الإسلامية هذا الشرط المعدّل، ووقف معها السيد الصادق المهدي وحزب الأمة، مما أدّى إلى تعثّر الاتفاق.
غير أن الضغوط الشعبية لوقف الحرب تواصلت على الحكومة من ثوار انتفاضة أبريل وهيئاته وتنظيماته المختلفة، وكذلك من ورشة أمبو التي انعقدت في الفترة من 4 إلى 7 فبراير عام 1989 باسم “ملتقى أمبو عن السودان: قضاياه الراهنة واستشراف مستقبله.” حضر تلك الورشة، التي انعقدت في مدينة أمبو في إثيوبيا، مجموعةٌ من الشماليين والجنوبيين، شملت أكاديميين وسياسيين ونقابيين وناشطين، من بينهم بعض قيادات التجمع الوطني. طالبت الورشة الطرفين بالالتزام وتطبيق بنود اتفاقية الميرغني قرنق (كما ناقشنا في سلسلة المقالات السابقة).
ثم جاءت مذكرة القوات المسلحة التي عكست الوضع القاتم والخسائر المتواصلة للقوات المسلحة السودانية في حرب جنوب السودان، وظروف المجاعة القاسية هناك، والتي زادت من الضغوط على حكومة السيد الصادق المهدي لوقف الحرب.
إزاء تلك الضغوط بدأ السيد الصادق المهدي تراجعاً عن موقفه الرافض لاتفاقية الميرغني قرنق، ولكنه كان تراجعاً يشوبه الكثير من التردّد والتلكوء بسبب ضغوط الإسلاميين عليه.
ساهم ذلك الارتباك، مع التدهور الاقتصادي الكبير، ومع الوضع العسكري المتهالك في جنوب السودان، في تعبيد الطريق لانقلاب الجبهة القومية الإسلامية واستلامها السلطة بسهولةٍ بالغة في 30 يونيو عام 1989، وعلى نهاية الديمقراطية ومرحلة الحكم المدني الثالثة في السودان.
7
ومثل سابقاتها من قيادات الانقلابات العسكرية في السودان، فقد ادّعت الجبهة القومية الإسلامية أن الوضع العسكري الحرج في جنوب السودان هو أحد الأسباب التي دفعتها للاستيلاء على السلطة في 30 يونيو عام 1989. عليه فقد كانت مشكلة الجنوب هي العامل المشترك والسبب الرئيسي لكل التغيّرات في خارطة الحكم في السودان منذ الاستقلال.
كانت المناداة بحلّ مشكلة الجنوب هي المطلب الأساسي لثورة أكتوبر عام 1964، وانتفاضة أبريل عام 1985. وتصدّرت المشكلة والعزم على حلّها البيان الأول للانقلابات العسكرية الثلاثة في 17 نوفمبر عام 1958، و25 مايو عام 1969، و30 يونيو عام 1989.
8
كان البيان الأول لقادة الانقلاب الجديد الذي تم بثّه صباح يوم الجمعة 30 يونيو عام 1989 مثله في المضمون مثل البيانين العسكريين السابقين لانقلاب 17 نوفمبر 1958، و25 مايو 1969. فقد أعلن قائد الانقلاب العميد عمر حسن أحمد البشير استلام القوات المسلحة للسلطة، وتعليق العمل بدستور السودان الانتقالي لعام 1985، وحلّ مجلس رأس الدولة ومجلس الوزراء والجمعية التأسيسية. وشمل قرار الحل جميع الأحزاب السياسية ومصادرة ممتلكاتها.
تشكّل مجلس قيادة ثورة الانقاذ الوطني من خمسة عشر عسكرياً، وشمل ثلاثةً من أبناء الجنوب هم العميد دومنيك كاسيانو، والعقيد بيو يو كوان دينق، والعقيد مارتن ملوال أروب. غير أن كل الشعب السوداني كان يعرف أن البلاد كانت تتمّ إدارة كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ فيها بواسطة الجبهة القومية الإسلامية التي خطّطت ونفّذت الانقلاب، وبواسطة رئيسها الدكتور حسن الترابي الذي أصبح الحاكم العام الجديد للسودان، وأن هذا المجلس صوريٌ لا أكثر ولا أقل.
9
اشتمل البيان الأول لقادة الانقلاب على إشارةٍ واضحةٍ لسياسة حكومة الانقاذ المتشدّدة تجاه مشكلة الجنوب. فقد أوضح ذلك البيان:
“اليوم يخاطبكم أبناؤكم في القوات المسلحة وهم الذين أدّوا قسم الجندية الشرفيّة أن لا يفرّطوا في شبرٍ من أرض الوطن، وأن يصونوا عزته وكرامته، وأن يحافظوا على البلاد وسكانها واستقلالها المجيد.”
لا بَُّد من التوقّف عند جملة “وهم الذين أدّوا قسم الجندية الشرفيّة أن لا يفرّطوا في شبرٍ من أرض الوطن.” فقد قام من أدّى هذا القسم الغليظ إلى التفريط، في ثلث البلاد وربع سكانها، وباستهتارٍ كبير، وبعد وقتٍ قصير من أداء هذا القسم.
عليه قد انبنت سياسة حكومة الإنقاذ على التصعيد العسكري المتكامل في جنوب السودان بواسطة القوات المسلحة وقوات الدفاع الشعبي التي تمّ تكوينها بعد أسابيع من الانقلاب. وقد أصبح الشعار الجديد لهاتين المجموعتين العسكريتين ولمجموعات المُسْتنْفرين، الذين كان يتم تجنيدهم عنوةً وإكراهاً، هو الجهاد من أجل عزة وكرامة الوطن، وعدم التفريط في شبرٍ من أرضه.
لم يعد هدف الحرب في الجنوب هو استعادة القانون والنظام ودحر المتمردين كما أسماهم السيد إسماعيل الأزهري عام 1955، أو الإرهابيين كما كان يطلق عليهم السيد محمد أحمد محجوب عام 1965، بل أصبحت الحرب عام 1989 حرباً جهاديةً تغذيها الشعارات الإسلامية والأناشيد الدينية وزغاريد عرس الشهيد، وساحات الفداء.
10
لكن على الرغم من أن حكومة الإنقاذ قد قرّرت التصعيد العسكري، فإنها لم تغلق بابَ الحوار مع الحركة الشعبية. فقد وعتْ الجبهةُ القومية الإسلامية جيداً انتصارات الحركة الشعبية الكبيرة وسقوط الحاميات والمدن واحدةً بعد الأخرى في أياديها خلال مرحلة الحكم المدني الثالثة. وقد شهدت تلك المرحلة أيضاً انتقال الحرب إلى شمال السودان، كما وعدت قيادات الحركة الشعبية.
كما أن مذكرة القوات المسلحة التي تم تقديمها لرئيس مجلس رأس الدولة ولرئيس مجلس الوزراء في 20 فبراير 1989، والتي أشادتْ إشادةً واضحةً بالحركة الشعبية لتحرير السودان، ظلّت عالقةً في أذهان قيادات الجبهة الإسلامية. فقد أوضحت تلك المذكرة مقدرات الحركة الشعبية العسكرية والسياسية والدبلوماسية الكبيرة والمُعتبرة، وأشادت بوضوحٍ بها عندما ذكرت:
“إن الحرب التي نخوضها في جنوب السودان قد أظهرت بُعداً استراتيجياً جديداً وفريداً لم يشهده عالمنا المعاصر. لقد توحّد المعسكران الغربي والشرقي في دعم وإسناد حركة التمرّد التي نواجهها. إن الكتلة الشرقيّة تقدّم كلَّ متطلّبات القتال والتدريب والتوجيه لحركة الخوارج، بينما يُوظِّف العالم الغربي كلَّ إمكانياته الماديّة والإعلاميّة لخدمة أهداف التمرّد.”
كما أشارت المذكرة إلى أن قوات الحركة الشعبية “التي تقارب أربعين ألف مقاتل، يتمُّ دعمها بلا حدودٍ من خلال خطوط إمداداتٍ مفتوحةٍ عبر طرقٍ جيدة من إثيوبيا وكينيا ويوغندا، إضافةً إلى التموين الجوي إلى مطارات كبويتا وبوما وكنقر، وكذلك الدعم المادي من المنظمات الطوعية غير الحكومية.”
من الواضح إنها حقائقٌ مزعجةٌ ومقلقةٌ لحكومة الإسلاميين، وإشادةٌ واضحةٌ وتحذيرية لا يمكن لحزبٍ سياسي أو لحركةٍ عسكرية أو حكومةٍ، مهما ملكت من القوة أو الغطرسة، تجاهلها أو غضّ الطرف عنها.
11
عليه، فبعد حوالي الشهر من وصولها إلى السلطة طلبت حكومة الجبهة القومية الإسلامية من نظام الرئيس منقيستو هايلي ماريام الماركسي في إثيوبيا التوسّط لعقد اجتماعٍ بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية في أديس أبابا، العاصمة الإثيوبية.
وكما ذكرنا في المقالات السابقة فقد كانت أديس أبابا هي مدينة التفاوض بين نظام العقيد جعفر نميري وحركة تحرير جنوب السودان عام 1972، وكان منتجع كوكا دام الإثيوبي هو مدينة اللقاء بين الحركة الشعبية والتجمّع الوطني لإنقاذ الوطن عام 1986. والتقى السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق في أديس أبابا في نوفمبر عام 1988 حيث وقّعا معاً على مبادرة السلام السودانية.
عليه فلم تجدْ الحكومةُ الإسلامية الجديدة في الخرطوم الحرجَ في الاستعانة بنظام منقيستو هايلي ماريام الماركسي في تدبير لقاءٍ بينها وبين الحركة الشعبية، رغم عون إثيوبيا الشيوعية العسكري والسياسي الضخم للحركة الشعبية.
لا بد من التذكير أن الجبهة الإسلامية كانت أولَ الرافضين لحضورِ لقاءِ كوكا دام في إثيوبيا في 22 مارس عام 1986، كما ناقشنا باستفاضة في سلسلة المقالات السابقة.
12
تمّ عقد أول لقاءٍ بين ممثلين لحكومة الإنقاذ الجديدة والحركة الشعبية في أديس أبابا في يومي 19 و 20 أغسطس عام 1989. التأمّ ذلك اللقاء بعد أقل من شهرين من انقلاب الجبهة القومية الإسلامية. ترأس الوفد الحكومي العقيد محمد الأمين خليفة عضو مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني، والذي كان قد تمّ تعيينه رئيساً لدائرة السلام والعلاقات الخارجية بالمجلس العسكري الحاكم.
شمل الوفدُ عشرة أعضاء – ثلاثة عسكريين (العميد كمال علي مختار، العقيد حسن محمد ضحوي، والعميد بابكر نصار)، وأربعة سفراء (السادة علي عبد الرحمن نميري، عمر يوسف بريدو، سعيد سعد، وعثمان نافع)، وأكاديميين (الدكتور مدثر عبد الرحيم، والدكتور عبد الله إدريس)، بالإضافة إلى السيد بكري حسن أبو بكر.
تكوّن وفد الحركة الشعبية من نفس العدد، وترأسه الدكتور لام أكول، وشمل أربعة شماليين هم الدكتور منصور خالد، والسادة محمد سعيد بازرعة، وياسر عرمان، وعبد الحميد عباس، بالإضافة إلى ستةٍ من أبناء الجنوب هم السادة لوال دينق وول، واستيفن دوال، وجستين ياك، ونيال دينق نيال، ودينق ألور، وزامبا دوكو.
13
اتفق الطرفان مع الوسيط الإثيوبي أن تكون أجندة النقاش هي تصوّر الطرفين لمسألة الحرب والسلام في السودان. لكنَّ طرحَ وفدِ حكومة الإسلاميين في اليوم الأول للقاء انبنى على أن الطرفين يحتاجان بدايةً للاتفاق على تنفيذ تدابير منها وقف إطلاق النار وتدفّق الإغاثة، ووقف الحملات الإعلامية المعادية، وإنشاء وسائل اتصالٍ بين الطرفين.
رفضت الحركة هذا الطرح وأشارت إلى أنه ليس تصوّراً لحلِّ المشكلة، وذكّرت الطرف الحكومي باتفاق كوكا دام، ومبادرة السلام السودانية، وما يجب أن تقوم به الحكومة لعقد المؤتمر الدستوري الذي يجب أن تشارك فيه كل الأحزاب والتنظيمات في السودان.
أصرّ كلُ طرفٍ على مواقفه وتبادل الحانبان الاتهامات حول الأحقية والجديّة لكلٍ منهما في حل مشكلة الحرب في السودان. صدر في نهاية اليوم الثاني للاجتماع بيانٌ مشتركٌ مقتضب أشار إلى انعقاد الاجتماع، وإلى تبادل وجهات النظر بين الطرفين حول قضية الحرب والسلام، واتفاق الطرفين على مواصلة الحوار في وقتٍ لاحقٍ يتفقان عليه. وهكذا تمَّ وانفضَّ الاجتماع الأول بدون الاتفاق على شيء، حتى وقت ومكان الاجتماع القادم.
كان ذلك الاجتماع هو حوار الطرشان بسبب محاولات تشاطر الإسلاميين بفرض سياساتهم التي نجحت في وأد إعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق وكسب الزمن للجولات القادمة. وإذا كانت تلك السياسات قد نجحت في الخرطوم مع حكومة السيد الصادق المهدي، فلم لا تحاول الجبهة الإسلامية اتباعها مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في أديس أبابا؟
14
كان واضحاً أن حكومة الإسلاميين الجديدة تريد أن تبدأ من نقطة الصفر وتكسب الزمن لبناء قدراتها العسكرية في الجنوب. لكن الحركة الشعبية أصرّت على الاستمرار من حيث انتهت المفاوضات والاتفاقات السابقة من تجميدٍ لقوانين سبتمبر، وإلغاءٍ لاتفاقيات الدفاع المشترك مع مصر وليبيا، ورفع حالة الطوارئ.
كانت الحكومة تخشى أن تثير الحركة الشعبية مسألة شرعية الحكومة مثلما فعلت مع السيد الصادق المهدي في يوليو عام 1986 (عندما ذكرتْ الحركةُ أنها قاطعت ولم تشارك في انتخابات 1986، لذا فهي لا تعترف بنتائجها). غير أن الحركة لم تفعل، وواصلت الاجتماع، مما اعتبرته الحكومة اعترافاً ضمنياً بها وبشرعيتها، وكسباً كبيراً لها.
كان اشتمال وفد الحركة الشعبية على أربعة شماليين تأكيداً لطرحها أن القضية قضية السودان ككل، وليست مشكلة جنوب السودان. ويبدو أنه فات على حكومة الإنقاذ تضمين جنوبيين في وفدها، ولكنها أخذت علماً بهذه المسألة، كما وضح من تشكيلة وفودها للمفاوضات القادمة مع الحركة الشعبية.
15
انشغلت الحكومة بعد ذلك بتنظيم مؤتمرٍ داخلي اسمته “مؤتمر الحوار الوطني حول قضايا السلام”، والذي انعقد من 9 سبتمبر وحتى 21 أكتوبر عام 1989. كان الغرض من المؤتمر الوصول لرؤيةٍ وطنيةٍ حول قضايا الحرب والسلام والتنمية في السودان. ويبدو أن منظميه من قيادات الجبهة القومية الإسلامية كان في ذهنهم أن يكون هذا اللقاء بديلاً للمؤتمر الدستوري الذي نادى به إعلان كوكا دام ومبادرة السلام السودانية.
غير أن الحركة الشعبية تجاهلت الدعوة للمؤتمر، ولم تُعِره الدول التي تمت دعوتها أيَّ اهتمام رغم كثافة الوفود الحكومية التي طافت معظم أنحاء العالم من أجل شرح أهداف ومقررات المؤتمر، ورغم الصرف البذخي الكبير على المؤتمر والمؤتمرين. كما قاطع المؤتمر عددٌ من السياسيين والأكاديميين الشماليين الذين تمت دعوتهم.
ورغم لقاء أديس أبابا في أغسطس عام 1989، وانعقاد مؤتمر الحوار الوطني في سبتمبر وأكتوبر عام 1989، إلا أن الحرب في الجنوب تواصلت وزادت استعاراً، غذّتها أهازيج عرس الشهيد وساحات الفداء. لكن كل ذلك الجهد لم يغيّر من الحقائق العسكرية على الأرض، ولم يحدْ من انتصارات الحركة الشعبية التي تواصلت في عدّة مواقع في جنوب السودان.
16
سوف نناقش في المقال الثاني من هذه السلسلة من المقالات محاولاتِ أطرافٍ جديدة التوسّطَ بين حكومة الإسلاميين في الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان، وتواصلَ الفشلِ في الوصول لاتفاقٍ بين الطرفين. وسيتم ذلك النقاش تحت مظلة الإجابة على السؤال الذي أثرناه في مقدمة هذا المقال، والخاص بالتطوّرات التي قادت إلى منح حكومة الإسلاميين في الخرطوم حقَّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان في إعلان فرانكفورت في 23 يناير 1992، رغم رفض الحركة الإسلامية القاطع لإعلان كوكا دام واتفاقية الميرغني قرنق، قبل أعوام قلائل من توقيعهم إعلان فرانكفورت.


  • محاضر سابق بكلية القانون بجامعة الخرطوم، والرئيس الحالي لمجلس جامعة الخرطوم.

Salmanmasalman@gmail.com

عن د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

شاهد أيضاً

مطلبُ جنوبِ السودان للنظامِ الفيدرالي ورفضُ الشمالِ المتواصل (9)

قراءةٌ في التاريخِ والتطوّراتِ والنتائج (9 – 12)د. سلمان محمد أحمد سلمان*1تابعنا في المقالات الثمانية …