الإمارات في زمن العدوان المركب.. درسان وتحديان

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
لم تكن دولة الإمارات العربية المتحدة طرفاً مباشراً في الحرب التي اندلعت في جوارها في الثامن والعشرين من فبراير 2026. فقد وجدت نفسها تدفع ثمناً باهظاً لصراع لم تختره ولم تتحسب له — وهذا بالضبط ما تعنيه نظريات الصراع المعاصر التي تؤكد إن السيادة أحيانا تتآكل بالقرابة لا بالمشاركة. غير أن المشهد يحمل طبقة أعمق من المفارقة لمن يتأمله بعيون تاريخية.. فالإمارات التي تجد نفسها اليوم في موقع الانكشاف السيادي ، هي ذاتها التي أمضت العقد ونصف العقد الماضيَين تُمارس على الآخرين ما تعاني منه الآن.
لقد بنت الإمارات على مدى عقود نموذجاً فريداً قوامه الانفتاح الاقتصادي الشامل. فإمارة دبي كانت تُسوّق نفسها كملاذ آمن فوق الجغرافيا السياسية وكمحجة للمستثمرين والسائحين وناشدي الهدوء والاستقرار. هذا النموذج كان نجاحاً حقيقياً استلزم بناؤه قدرا وافرا من القرارات الذكية. غير أن حرب فبراير 2026 كشفت الهشاشة البنيوية الكامنة تحت هذا النجاح. عندما استُهدفت منشآت حيوية فيها، ويعزى ذلك لموقع الإمارات داخل شبكة من الترابطات الإقليمية والدولية جعلتها عقدة استراتيجية لا يمكن تجاهلها. فالإمارات تم استهدافها بسبب ذلك النجاح الذي خلق منها تلك العقدة الاستراتيجية الحساسة. وهذه هي المعادلة القاسية في عالم الشبكات.. التي تقضي ب (كلما ازدادت أهمية العقدة ازداد ثمن استهدافها وزادت جاذبيتها كهدف في آنٍ واحد).
مهما يكن من أمر، فإن المشهد لا يكتمل عند هذا الحد. فالإمارات لم تصل إلى هذا الموقع بمحض الصدفة الجغرافية. منذ منتصف العقد الثاني من هذا القرن، انتهجت أبوظبي سياسة تمدد نفوذ إقليمي تجاوز بكثير ما تقتضيه قدراتها الاستراتيجية الفعلية وما تستدعيه مصالحها الجوهرية. تدخّلت في اليمن عسكرياً وبعمق، وانخرطت في الصراع الليبي بأدوات مباشرة وغير مباشرة، وعلى قطر تحركت في شبه تحالف اسفر عن نمط من الإكراه الإقليمي متعدد الأدوات. ومارست نفوذاً محيراً في السودان.. . والخيط الجامع لكثير من هذه التدخلات كان تخوّفاً “أمنياً” من المد الإسلامي وتيارات الإسلام السياسي، لا سيما تيار الإخوان المسلمين.
والدقة التحليلية تقتضي هنا التمييز بين التخوّف الأمني والمشروع الفكري المضاد. فالإمارات لم تخض ولا تخوض صراعاً فكرياً بالمعنى الحقيقي للكلمة، لأن مثل هذا الصراع يفترض امتلاك رؤية بديلة، متماسكة في المبنى وذات دلالة في المعنى. غير أن ما جرى كان في جوهره ردة فعل أمنية — لا مشروعاً مضاداً. فحتى وقت قريب، كانت الإمارات تحتفي بالتيارات الإسلامية وتستضيف رموزها، ولم تحدث قطيعة فكرية حقيقية معها، فقد اكتفت بخطاب إعلامي متحفظ يفتقر إلى البنية الصلبة التي يستلزمها صراع كهذا. والنتيجة المباشرة لهذا الخلط أن بعض الخيارات التي اتخذتها الإمارات في هذا الإطار افتقرت إلى القراءة التحليلية السليمة لبنية ظاهرة ظاهرة المد الإسلامي الذي تدعي مواجهته. فالمراهنة على سبيل المثال على قوة عسكرية كقوات الدعم السريع في السودان ككرت في مواجهة التيارات الإسلامية تتجاهل حقيقة أساسية وهي أن هذه القوة نفسها وليدة البيئة السياسية والمصالحية ذاتها التي أنتجها الإسلام السياسي السوداني — لذلك يستحيل أن تكون نقيضه. وهنا يمكن ملاحظة أن التدخل بلا مشروع فكري مغاير يُنتج سياسات تفتقر إلى البوصلة، وغياب البوصلة في عالم الشبكات المعقدة، يعني المجازفة بنتائج لا يمكن التحكم في مساراتها.
على عموم الأمر، جاء الثمن الاقتصادي لهذا كله مركّباً ومؤلماً. لأول مرة في تاريخ الاقتصاد الخليجي الحديث، لم يُفضِ ارتفاع أسعار النفط إلى ازدهار إماراتي. النفط تجاوز مئة وعشرين دولاراً للبرميل، والبورصات الإماراتية تراجعت ثلاثين بالمئة. المخاطر الجيوسياسية أصبحت أثقل وزناً عند المستثمرين من أرقام الإنتاج — وهذا تحوّل كبير يرقى لان يكون بنيويا لا ظرفيا طارئا. وميناء جبل علي توقف لفترات متقطعة، وبدأت الأنظار الدولية تتحول نحو مراكز بديلة – فمشاريع الطاقة المتجددة، السياحة، الذكاء الاصطناعي والخدمات المالية والعقارية – التي كانت الإمارات تُقدّمها نموذجا للتنويع الاقتصادي بعيداً عن النفط الناضب — وجدت نفسها مجمّدة، وفوائض الميزانية تحوّلت نحو تكاليف الأزمة. النموذج الذي يقول “نحن نتجاوز النفط” أُعيد قسراً إلى مربع الاعتماد على عوائده — بالضبط في اللحظة التي كانت الإمارات تحاول فيها الابتعاد عنه.
في نهاية التحليل، يُعالج هذا المشهد إشكاليةً أشمل يتناولها الكاتب بالتفصيل في مشروع كتاب يقوم بتأليفه بعنوان (جيوبوليتيك المخاطر.. تآكل السيادة في زمن العدوان المركب) — يعتمد فيه على فرضية أن الدول في عالم الشبكات لا تملك رفاهية الفصل بين قراراتها الخارجية وهشاشتها الداخلية. فكل تمدد خارج حدود القدرة الطبيعية يُنتج انكشافاً جديداً، وكل انكشاف في بيئة شبكية مترابطة يُتيح لآخرين أن يُحدثوا أثراً عميقاً حتى دون قصد الاستهداف المباشر.
خلاصة القول إن الإمارات اليوم تواجه درسين متلازمين…
الأول : أن الانفتاح الاقتصادي الكامل يدفع في زمن الأزمات ثمناً مضاعفاً لترابطه في زمن السلم.
والثاني: وهو الأكثر إلحاحاً — أن التمدد خارج حدود القدرة الحقيقية، والانخراط في صراعات الآخرين بدوافع أمنية غير مسنودة بمرجعية أيديولوجية واضحة، لا يبني نفوذاً يمكن الاطمئنان له بقدر ما يستنزف الموارد ويُقلّل هامش المناورة في اللحظة التي تحتاج فيها الدولة كل طاقتها لحماية نموذجها الخاص.
فالتحدي الذي يواجه أبوظبي اليوم مزدوج بدوره..
الأول: إعادة بناء ما تضرر ماديا ومعنويا.
والثاني: إعادة تعريف الدور الإقليمي بمنطق أكثر اتساقاً مع الحجم الحقيقي والقدرة الفعلية. وما بين الدرسين والتحديين تبرز عدة أسئلة تتعلق بتوصيف حالة سيادة دولة الإمارات في زمن العدوان المركب لا تملك لهما إجابة جاهزة. ولا يملكها في المنطقة من هو في موقعها.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

مؤتمر واشنطن.. ضلال الآلة والدلالة

كتب د. محمد عبد الحميدأستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانيةwadrajab222@gmail.com في واشنطن، وأمام …