م. هيثم عثمان إبراهيم
مدخل: من يحمي الدستور؟
في سلسلة مقالاتنا السابقة، شرّحنا الجرح السوداني في مقال “السودان بين الحلم والهاوية”، ثم تناولنا الإطار القانوني في “الدستور: العقد الاجتماعي الذي نحتاجه”، وأخيراً، وضعنا الأساس الفلسفي للحل في “قبل الدستور: في البحث عن روح الوطن”.
لقد بنينا، على الورق على الأقل، مساراً فكرياً متكاملاً للخروج من الهاوية نحو الحلم.
لكن يبقى سؤال جوهري معلقاً في الهواء، سؤال يمثل الحلقة الأضعف في كل مشاريع النهضة في تاريخنا: من سيحمي هذا العقد؟ ومن سيصون هذا الدستور؟
إن أجمل الدساتير وأعدل العقود الاجتماعية تظل حبراً على ورق إن لم يكن هناك إنسان يؤمن بها، ويدافع عنها، ويعيشها في تفاصيل حياته اليومية. إن بناء الدولة ليس مجرد هندسة مؤسسات، بل هو في جوهره بناء إنسان.
ولهذا، فإن هذا المقال يغوص في العمق الأخير والأهم: بناء المواطن قبل بناء الدولة.
أولاً: في تشريح الإنسان القديم: تركة الاستبداد والقبلية
قبل أن نتحدث عن الإنسان الجديد، علينا أن نعترف بشجاعة بملامح الإنسان القديم الذي ورثناه، والذي ما زال يعيش فينا. هذا الإنسان هو نتاج عقود طويلة من الاستبداد، والحروب، والفساد، وتفكك النسيج الاجتماعي.
من أبرز ملامحه:
- ثقافة الخضوع والخوف: لقد علّمنا الاستبداد أن الطاعة فضيلة، وأن السؤال جريمة، وأن النقد خيانة. نشأنا في ظل ثقافة “الأب القائد” و”الزعيم الملهم”، وهي ثقافة تلغي المسؤولية الفردية وتكرس الوصاية.
- الولاءات ما قبل الوطنية: في غياب دولة وطنية حقيقية تحتضن الجميع، لجأ الناس إلى ولاءاتهم الأولية: القبيلة، الجهة، الطائفة الدينية. أصبح الانتماء للقبيلة أعمق من الانتماء للوطن، وأصبحت مصلحة الجماعة فوق مصلحة الدولة. هذا لم يكن خيانة من المواطن، بل كان فشلاً من الدولة في أن تكون “وطناً” للجميع.
- الفردية النفعية: في ظل دولة لا تحمي حقوقك ولا توفر لك احتياجاتك، تنشأ ثقافة “تدبير الحال”. يصبح التحايل على القانون شطارة، والفساد وسيلة للعيش، والمصلحة الشخصية هي المحرك الأساسي للسلوك. تنهار الثقة بين المواطنين، وتنهار الثقة في المؤسسات.
- الذاكرة المثقوبة: نحن شعب لا يقرأ تاريخه، وإن قرأه فإنه يقرأه بعين الحاضر ومصالحه. تاريخنا مليء بالدروس، لكننا نكرر نفس الأخطاء بنفس الطريقة المأساوية. ذاكرتنا قصيرة، وعواطفنا متقلبة، وردود أفعالنا آنية.
هذا الإنسان القديم ليس شريراً بطبعه، بل هو ضحية سياق تاريخي طويل. والمشكلة أن هذا الإنسان هو الذي يُطلب منه اليوم أن يبني دولة ديمقراطية حديثة.
هذه هي المعادلة المستحيلة: لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية قديمة.
ثانياً: من الرعية إلى المواطن: الثورة الحقيقية
إن الثورة الحقيقية التي يحتاجها السودان ليست مجرد تغيير سياسي، بل هي ثورة وجودية في مفهوم علاقة الفرد بالدولة. إنها الانتقال من حالة “الرعية” إلى حالة “المواطن”.
الرعية هو فرد في قطيع، علاقته بالدولة هي علاقة طاعة وخضوع. حقوقه مِنح تُعطى وتُسلب، وواجبه هو السمع والطاعة. هو كائن سلبي، ينتظر من الدولة أن تفعل له كل شيء، ويشكو حين لا تفعل.
أما المواطن، فهو شريك في بناء الدولة. علاقته بالدولة هي علاقة تعاقدية قائمة على الحقوق والواجبات. هو ليس مجرد فرد، بل هو صاحب سيادة. هو لا يطيع الحاكم، بل يحترم القانون الذي شارك في صنعه. هو كائن إيجابي، يراقب، يشارك، يحاسب، ويبادر.
هذا الانتقال ليس سهلاً، لأنه يتطلب تحولاً في الوعي الفردي والجمعي. إنه يتطلب أن ندرك أن الدولة ليست “غنيمة” نتصارع عليها، وليست “أباً” نطلب منه الرعاية، بل هي مشروع مشترك نحن جميعاً مسؤولون عن نجاحه أو فشله.
إن المواطنة ليست مجرد ورقة في الهوية، بل هي ممارسة يومية. هي أن تقف في الصف، وأن تحترم إشارة المرور، وأن تدفع الضرائب، وأن تحافظ على الممتلكات العامة، وأن ترفض الواسطة، وأن تحترم حق جارك في الاختلاف. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع وطناً عظيماً.
ثالثاً: ملامح الإنسان السوداني الجديد: بوصلة المستقبل
إذا كان الإنسان القديم هو نتاج الماضي، فإن الإنسان الجديد هو مشروع إرادي للمستقبل. إنه ليس كائناً مثالياً، بل هو إنسان يحمل في داخله بذور التحول.
من أبرز ملامحه:
- العقل النقدي:
بدلاً من ثقافة التلقين والتقديس، نحتاج إلى إنسان يجرؤ على السؤال. إنسان لا يصدق كل ما يسمع، ولا يتبع أي زعيم بشكل أعمى. إنسان يقرأ، يبحث، يقارن، ويُكوّن رأيه الخاص بناءً على الحجة والدليل. العقل النقدي هو خط الدفاع الأول ضد الديكتاتورية والشعبوية. - المسؤولية الفردية:
بدلاً من ثقافة إلقاء اللوم على الآخرين (الحكومة، المؤامرات الخارجية، التاريخ)، نحتاج إلى إنسان يعترف بمسؤوليته. “أنا مسؤول”. هذه الجملة البسيطة هي بداية أي تغيير حقيقي. أنا مسؤول عن نظافة شارعي، وعن نجاح مؤسستي، وعن مستقبل بلدي. حين يشعر كل فرد بهذه المسؤولية، يبدأ التغيير. - الهوية المركبة والجامعة:
بدلاً من الولاءات الضيقة، نحتاج إلى إنسان يعتز بهويته السودانية الجامعة، دون أن يتنكر لهوياته الفرعية. إنسان يرى في التنوع ثراءً لا تهديداً. إنسان يفهم أن “سودانيته” لا تلغي “نوبيته” أو “فوراويته” أو “بجاويته” أو “شايقيته” أو “جعليته” بل تحتضنها وتغتني بها. - التعاطف الإنساني:
بدلاً من ثقافة الكراهية والإقصاء، نحتاج إلى إنسان قادر على التعاطف. قادر على أن يضع نفسه مكان الآخر، وأن يشعر بألمه، حتى لو كان ذلك الآخر يختلف عنه في الدين أو العرق أو الرأي السياسي. التعاطف هو الجسر الذي يربط بين القلوب، وهو الأساس لأي مصالحة وطنية حقيقية.
رابعاً: مصانع الإنسان الجديد: أين يبدأ البناء؟
إن بناء الإنسان الجديد ليس مهمة الدولة وحدها، بل هو مهمة المجتمع بأسره. إنه مشروع طويل الأمد، يتم عبر أربعة مصانع رئيسية:
1.الأسرة: هي المصنع الأول. في الأسرة يتعلم الطفل الحب، الثقة، احترام الآخر، وقيمة الصدق. لا يمكن بناء مواطن صالح في أسرة مفككة يسودها العنف أو الكذب.
2.المدرسة: يجب أن تتحول مدارسنا من أماكن للتلقين وحفظ المعلومات إلى أماكن لصناعة العقول النقدية. يجب أن تُدرّس الفلسفة، الفنون، الموسيقى، وتاريخ السودان الحقيقي بكل رواياته. يجب أن تكون المدرسة مساحة آمنة للحوار والاختلاف.
3.الإعلام: الإعلام هو صانع الوعي العام. نحتاج إلى إعلام مسؤول، لا يبحث عن الإثارة، ولا يؤجج الكراهية، بل يقدم المعلومة الدقيقة، ويطرح الأسئلة الصعبة، ويسلط الضوء على النماذج الإيجابية في المجتمع.
4.المجتمع المدني: النقابات، الجمعيات الثقافية، المبادرات الشبابية، كلها مساحات حيوية لممارسة المواطنة. فيها يتعلم الناس العمل الجماعي، إدارة الاختلاف، والدفاع عن قضاياهم بشكل سلمي ومنظم.
خاتمة: الحارس الأخير
لقد تحدثنا في هذه السلسلة عن تشخيص الأزمة، وعن العقد الاجتماعي، وعن الدستور. لكن كل هذا يظل بناءً نظرياً هشاً إن لم يقم على أساس صلب. هذا الأساس هو الإنسان السوداني الجديد.
هذا الإنسان ليس حلماً طوباوياً، بل هو إمكانية كامنة في كل واحد منا. هو بذرة تنتظر التربة الصالحة لتنمو. إن بناء دولة المؤسسات والقانون مهم، لكن الأهم هو بناء الإنسان الذي سيحترم هذه المؤسسات ويصون هذا القانون.
في نهاية المطاف، الحارس الأخير للدستور ليس الجيش ولا الشرطة ولا القضاة، بل هو وعي المواطن. حين يصل المواطن إلى قناعة بأن هذا الدستور هو ملكه، وأنه الضمانة لحريته وكرامته، سيتحول إلى حارس له، يدافع عنه بروحه. في تلك اللحظة فقط، يمكننا أن نقول إننا قد وضعنا أقدامنا على بداية الطريق الصحيح.
haytham.compre@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم