المبادرة السياسية في يد الجماهير بعد ما فقدتها يد السلطة تماما
وثيقة البديل الديمقراطي, التي وقعتها أحزاب المعارضة الأسبوع الماضي, تعد خطوة متقدمة تجاه عملية التغيير في السودان, حيث كانت الجماهير السودانية, تنتظر برنامجا سياسيا بديلا, يقنعها لكي تمارس حقها السياسي في عملية التغيير, و قد جاءت الوثيقة تحمل برنامجا سياسيا يمثل الحد الأدنى, و لكنه مشجع, خاصة إن البرنامج يؤكد علي عملية التغيير السلمي, حيث تقول الوثيقة ” نحن قوي الإجماع الوطني إذ نؤكد حرصنا علي التغيير السلمي الديمقراطي الذي يستلهم تقاليد شعبنا المجربة في مواجهة الدكتاتوريات” و يركز البرنامج علي بعض القضايا التي تمهد الطريق لقيام “الدولة المدنية الديمقراطية ” التي تضمن الحقوق المدنية و السياسية لجميع مواطني السودان بكل تنوعاتهم المختلفة, و تتركز القضايا علي ” فك الارتباط بين الدولة و الحزب الحاكم – ضمان استقلال القضاء – سيادة حكم القانون – قومية الخدمة المدنية و القوات النظامية – علاج النزاعات في مختلف أقاليم السودان _ العلاقة مع دولة جنوب السودان و غيرها من القضايا المهمة.
إذن أصبح للمعارضة برنامجا سياسيا متفق عليه, يحدد القضايا و الوسائل لعملية التغيير, و الدعوة من أجل النضال الجماهيري لتحقيق الهدف, و أصبحت الآن المبادرة تماما في يد الجماهير, بعد ما فقدتها السلطة و التي بدأت تترقب ما سوف تقوم به المعارضة, و انتزاع المبادرة من السلطة جعلتها في موقف دفاع, لا تستطيع أن تتنبأ بما يحدث غدا, مما يجعلها تفقد القدرة علي إدارة الصراع, هذه الخطوة المتقدمة سياسيا, قد كانت لها انعكاساتها علي الجانب الأخر, الرافض لقيام الدولة المدنية الديمقراطية,و جاءت ردود الفعل تحمل عدم الرضي باعتبار إن النظام كان يراهن علي عدم اتفاق المعارضة علي برنامج سياسي, و بعد الاتفاق, بات رهان النظام الحاكم علي كيفية التصدي للبرنامج من خلال المؤسسات القمعية, و هي الحلقة الأخيرة في برنامج الدفاع عن السلطة الحاكمة, و لكنها الحلقة الأضعف, خاصة إن النظام ليس لديه حلفاء في المحيط الإقليمي, أو في المجتمع الدولي يدافعون عنه, فهو نظام أصبح مكشوف الظهر.
إن خروج الناس للتظاهر بصورة متفرغة في مناطق السودان المختلفة, و تحديد أيام للخروج و التظاهر مثل ” جمعة شذاذ الأفق” ثم لا تتردد الجماهير في الخروج متحدية الأجهزة القمعية, ترفع درجة التحدي للنظام و الوسائل التي يعتمد عليها في البقاء. هذه كانت لها انعكاساتها علي قيادات الحزب الحاكم, و الذين يخرجون بتصريحات تحاول التقليل من شأن تلك التظاهرات, و هم يعلمون مهما كانت ضعيفة تلك التظاهرات سوف تزيد يوما بعد يوم, لأن ليس هناك حلا لمشاكل الناس قريبا, و ليست للسلطة أية مصادر مالية تستطيع أن تمدها بمعونات أو قروض, و بالتالي المعاناة ستظل مستمرة بصورة تتزايد يوما بعد يوم, بحكم تصريحات وزير المالية و عددا من الاقتصاديين التابعين للنظام أو غيرهم.
إن تصرفات النظام في التشويش علي وسائل الاتصال, و محاولة حجب بعض المواقع السودانية الجماهيرية ” الراكوبة – حريات – وسودانيز اون لاين ” ثم محاربة ” سودانايل” ومحاولة حجبها كلها أفعال تؤكد إن النظام بدأ يترنح, و يتخوف من عملية الاتصال, ثم مصادرة الصحف الصادرة في الخرطوم, و فرض الرقابة عليها, تؤكد إن النظام يحاول أن يقلص مساحة الحرية رغم ضيقها الشديد, و هذا يؤكد أن النظام يصارع من أجل البقاء, بوسائل عقيمة هي نفسها التي تسببت في لف الحبل حول عنقه.
مما يؤكد إن النظام في أيامه الأخيرة, سلوك و تصرفات قيادات الإنقاذ, حيث أن قيادات المؤتمر الوطني طلبت من هيئة علماء السودان أن تطمئن الجماهير, و تطالبهم بالصبر علي برنامج الحكومة الاقتصادي, و إصدار فتاوى تحرم الخروج علي الحاكم, ثم ذهبت لكي تستنجد بقيادات الصوفية, و تدعوهم لمساندة النظام, ذلك اللقاء الذي خاطبه الدكتور نافع علي نافع, جاء بدعوة من حزب المؤتمر الوطني, و صرف عليه من الخزينة العامة للدولة, و محاولة دكتور نافع التدثر بثوب الدين, بعد ما انكشفت كل عورات النظام في الفساد, و استغلال أموال الدولة للمصالح الخاصة, كل تلك تهز المصداقية و التسربل بالدين, ثم ذهاب النائب الأول لرئيس الجمهورية لمنطقة نهر النيل, بهدف تهدئة الخواطر, و غضبة الجماهير, هذه محاولات لا تحل المشاكل الاقتصادية و السياسية التي تعاني منها البلاد, بل هو هروب إلي الأمام, و تؤكد إن قيادات الإنقاذ قد فقدت البوصلة و فقدت قدرتها الإستراتيجية علي إدارة الصراع, مما افقدها القدرة علي المبادرة السياسية.
في اللقاء الذي أجرته قناة دبي مع السيد نائب رئيس الجمهورية الدكتور الحاج أدم يوسف, عجز عن الإجابة علي الأسئلة التي طرحت عليه, و حاول أن يتهم المعارضة أنها تنفذ أجندة أجنبية, الغريب في الأمر إن الدكتور الحاج أدم جاء من صفوف المعارضة إلي السلطة قبل سنة, و كان متهما في قضية غزو أم درمان من قبل حركة العدل و المساواة, و هل كان فعلا الدكتور ينفذ أجندة أجنبية, و بدلا عن يكون واقعيا, أصبح ملكا أكثر من الملك, يتبني مصطلحات تنظيمه الجديد, و يعد الأكثر تبريرا, و يتضح إن الرجل يتحدث وفقا لمصالحه الخاصة في الحفاظ علي الموقع دون القناعة, عندما قرأت المذيعة البيان الأول للانقلاب الذي برر فيه العميد عمر البشير انقلابه, و بين ما يعانيه السودان حاليا بعد 23 عاما من الانقلاب فسألت الدكتور الحاج أدم ما هو التغيير الذي يحدث غير إن الانفصال الذي تخوف عنه حدث في سلطة الإنقاذ, التي الاقتصادي يحدث الآن و يعاني الشعب, العزلة التي يعانيها السودان عالميا, مطالبة المحكمة الجنائية. كنت أنتظر الإجابة هرب الدكتور عن الإجابة تماما, دون خجل أو حياء هرب عن الإجابة و بانت تقاطعات الغضب علي وجهه, لتؤكد إن الرجل يعاني من تزعزع حالة نفسية, حيث يقول حديثا هو نفسه غير مقتنعا به, كل هذه فقط للحفاظ علي موقع يريد الحفاظ عليه مما يؤكد إن قناعات الدين هي نفسها حالة مرتبكة عند الرجل. إذا كان الرجل غير متسق مع نفسه لا يستطيع أن يقنع الآخرين بتصوراته, مما يؤكد أن قيادات الإنقاذ قد فقدت القدرة علي التبرير لأفعال النظام.
إذا ذهبنا لرؤية الجانب الأخر, من القوي السياسية المساندة النظام, نجدها هي نفسها في حيرة من نفسها, حيث بدأت قيادات الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل تطلق تصريحات متناقضة, و نجدهم أيضا فقدوا القدرة علي التبرير, حيث البعض يقول أنهم جزء من الآلية التي صنعت البرنامج الاقتصادي مثل عثمان عمر الشريف و أحمد سعد عمر, و البعض الأخر الذي يؤكد إن الاتحادي بعيدا عن ذلك البرنامج, أعتقد إن قيادات الاتحادي التي ما تزال في خندق واحد مع السيد الميرغني, جميعهم يتحملون نتائج ممارسات النظام, من برنامج اقتصادي, و انتهاكات لحقوق الإنسان, و التصدي بعنف من قبل الأجهزة القمعية للجماهير التي تخرج للمطالبة بحقوقها, كل تلك يتحمل السيد محمد عثمان الميرغني و قياداته وزرها و يجب مسألتهم عنها, و هذا لا يعني إن جماهير الحزب الاتحادي تقف مع النظام, بل إن جماهير الحزب الاتحادي القاعدية هي ضد نظام الإنقاذ منذ قيام الانقلاب, و هي في خط المواجهة مع النظام. كما هناك قيادات اتحادية مع الأصل و بحكم التربية الصوفية, لا تستطيع مخالفة زعيم الطائفة, و لكنها تقف مع حقوق الجماهير و انتفاضتها, لكن المبادئ لا تتجزأ مطلقا, من يريد الحرية و الديمقراطية يجب أن تكون متسقة في سلوكه و حركته الفاعلة, و لكن الإخلال في الواقف يضر بالمبادئ و يضعفها.
إذن إن برنامج المعارضة الذي جاء في وثيقة البديل الديمقراطي, قد غيرت مسرح العمل السياسي السوداني, حيث أنها استطاعت إن تنتزع المبادرة من يد النظام الحاكم رغم قبضه علي مؤسسات الدولة و المؤسسات القمعية, و أن تضع المبادرة في يد الجماهير السودانية, و هي التي تحدد زمن المواجهة و مكانها, و نسال الله أن يجنب السودان الحرب الأهلية, و يعجل بالفرج و نسأله التوفيق.
zainsalih abdelrahman [zainsalih@hotmail.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم