السفير: عادل إبراهيم مصطفي
في ظل التعقيدات المتزايدة التي تحيط بالأزمة السودانية، تكتسب مواقف القوى السياسية والمدنية الرافضة لإعادة إنتاج مشروع الإخوان المسلمين وحلفائهم، عبر ما يسمى بـ “الحوار الوطني”، أهمية استثنائية. فهذه المواقف لا تدافع عن موقف سياسي عابر، بقدر ما تتصدى للدفاع عن جوهر القضية السودانية، المتمثل في استعادة مسار التحول الديمقراطي، وتفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو، وإقامة دولة مدنية رشيدة، وبناء جيش وطني مهني ينأى عن السياسة والاقتصاد.
ومن هذا المنطلق، فإن المواقف الصلبة الرافضة لحوار الإخوان المسلمين وحلفائهم تستحق الدعم والتعزيز، لأنها تنسجم مع مبادئ وأهداف ثورة ديسمبر المجيدة، وتقطع الطريق أمام محاولات إعادة تدوير القوى التي تتحمل مسؤولية تقويض الانتقال الديمقراطي المدني، والانقلاب على المسار الذي اختاره الشعب السوداني.
وفي هذا السياق، يثير الموقف الأخير للاتحاد الأفريقي، الداعم للحوار الذي تدعو إليه سلطة بورتسودان، الكثير من الدهشة والتساؤلات؛ ليس فقط من زاوية تأثيره المحتمل على مسار الأزمة السودانية، وإنما أيضًا لما يبدو عليه من تناقض مع الموقف المبدئي للاتحاد الأفريقي من الانقلابات العسكرية.
فقد جمّد الاتحاد الأفريقي عضوية السودان في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021، وربط إنهاء هذا التجميد باستعادة النظام الدستوري. وهو موقف يعكس، في جوهره، رفض الاتحاد الأفريقي للانقلابات العسكرية ورفض مكافأتها بمنحها شرعية سياسية. ومن هنا يبرز سؤال مشروع: كيف يمكن أن تكون السلطة الانقلابية غير شرعية، بينما يصبح الحوار الذي تنظمه السلطة ذاتها مسارًا مقبولًا يمكن أن يمنحها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، شرعية سياسية؟
إن هذا التناقض لا يضر بمصالح الشعب السوداني فحسب، بل يمس أيضًا مصداقية الاتحاد الأفريقي ومعاييره في مواجهة الانقلابات العسكرية. والأخطر من ذلك أنه قد يفتح الباب أمام سابقة بالغة الخطورة، مفادها أن الانقلاب العسكري يمكن أن يتحول، بمرور الوقت، إلى أمر واقع قابل للشرعنة عبر الحوارات والتسويات السياسية.
وإذا ترسخت مثل هذه السابقة، فإنها قد تشجع مغامرات عسكرية جديدة في القارة الأفريقية، وتضعف أحد أهم المبادئ التي قام عليها الموقف الأفريقي الرافض للتغييرات غير الدستورية للحكومات. ولذلك، فإن حماية مسار التحول الديمقراطي المدني في السودان لا ينبغي النظر إليها باعتبارها شأنًا سودانيًا خالصًا، بل بوصفها أيضًا دفاعًا عن مصداقية مشروع الحكم المدني الديمقراطي في أفريقيا، وعن مبدأ التداول السلمي للسلطة وسيادة المؤسسات الدستورية.
ومن هنا، فإن مسؤولية القوى السياسية والمدنية الرافضة لحوار يهدف إلى شرعنة الانقلاب لا ينبغي أن تتوقف عند إصدار بيانات الإدانة والشجب، مهما كانت واضحة وقوية. فالمرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من مربع رد الفعل إلى مربع المبادرة والفعل السياسي والدبلوماسي المنظم.
ويقتضي ذلك، على وجه الخصوص، إطلاق تحرك أفريقي عاجل ومنسق، عبر إرسال وفود وتوجيه رسائل ومذكرات إلى بوروندي، التي تترأس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي، وإلى الدول الأفريقية المؤثرة والداعمة لمسار التحول الديمقراطي في السودان، مثل إثيوبيا وكينيا وأوغندا وجنوب أفريقيا وغانا ونيجيريا وتشاد وجنوب السودان ورواندا وغيرها.
وينبغي أن يستهدف هذا التحرك شرح حقيقة الأزمة السودانية، وتوضيح طبيعة الحوار الذي تسعى السلطة الانقلابية من خلاله إلى إعادة إنتاج مشروع النظام السابق والحصول على شرعية سياسية، مع التأكيد، في الوقت نفسه، على أن الأولوية العاجلة يجب أن تكون لوقف الحرب وحماية المدنيين وتهيئة الظروف المناسبة لعملية سياسية ذات مصداقية.
وعقب وقف الحرب، فإن الحوار المقبول ليس ذلك الذي يُستخدم لإعادة تدوير القوى التي قوضت الانتقال الديمقراطي، أو لمنح الانقلاب شرعية بأثر رجعي، وإنما الحوار الذي يقود إلى استعادة المسار المدني الديمقراطي، ويؤسس لدولة الحرية والسلام والعدالة، دولة تتسع لجميع السودانيين دون إقصاء أو هيمنة، ويضع الأساس لبناء مؤسسات وطنية مهنية، وفي مقدمتها جيش وطني موحد ينأى عن الصراع السياسي والمصالح الاقتصادية.
وخلاصة القول، إن موقف الاتحاد الأفريقي تجاه حوار السلطة الانقلابية وحلفائها، يلقي علي عاتق القوي السياسية والمدنية الداعمة للتحول الديمقراطي الحقيقي مسؤولية التحرك بفاعلية في الفضاء الافريقي.
فالتحرك تجاه أفريقيا لم يعد خيارًا ثانوياً، بل أصبح ضرورة سياسية ودبلوماسية. فكلما تأخرت القوى المدنية والديمقراطية في المبادرة، تسارعت خطوات فرض تسويات تبقي جذور الأزمة قائمة، وتمنح الانقلابيين شرعية لا يستحقونها. كما من المهم النظر إلي الدفاع عن التحول الديمقراطي في السودان باعتباره ، من حيث الجوهر، دفاع عن حق الشعوب الأفريقية في أن تحكم نفسها عبر المؤسسات الدستورية، لا عبر فوهات البنادق، ومن ثم، فإن منع إعادة إنتاج الأزمة السودانية لا يخدم السودان وحده، بل يخدم مستقبل الديمقراطية والحكم المدني في القارة بأسرها.
