-الريح عبد القادر محمد عثمان-
وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية في 7 أغسطس 2026، أُطلق عليها “اتفاقية مكة”، تهدف إلى تحقيق السلام والأمن بالردع للدول الثلاث. وبادئ ذي بدء، نقول إنّ من حق السعودية أن تعزز أمنها وأن تحفظ السلام لمواطنيها، ومن حق تركيا وباكستان أن تعقدا معها اتفاقاً أمنياً دفاعياً. بيدَ أنّ إلباس هذا الترتيب السياسي والعسكري ثوباً إسلامياً، من خلال ربطه باسم مكة، من شأنه أن يضفي على الاتفاقية قداسةً زائفة، ويحملها بحمولة رمزية ودينية غير مستحقة، ولكنه، في الوقت نفسه، يلزم أطراف الاتفاقية بمسؤوليات أخلاقية لا نراهم ينهضون بها.
ليست مكة مجرد مدينة سعودية عادية، بل هي مكة المكرمة: قبلة المسلمين، ومهوى أفئدتهم. ولا تخص قداستها السعوديين وحدهم، ولا تشمل الأتراك والباكستانيين دون غيرهم من المسلمين.
وهنا ينشأ إشكال حقيقي: هل يراد للاتفاق الدفاعي بين الدول الثلاث أن يستمد جزءا من شرعيته الرمزية من أقدس مكان عند المسلمين؟
من شأن تحويل مكة إلى “علامة سياسية” أن يوحي بأن هذا التحالف يمثل تضامن المسلمين وإرادة العالم الإسلامي، غير أن الحقيقة أن الاتفاق لا يمثل المسلمين، ولا يشمل إلا قلة قليلة من الدول الإسلامية. والمفارقة أن إيران، التي يرى المحللون أنها المقصودة بهذا الحلف، هي نفسها دولة مسلمة، والخلاف معها ليس خلافًا بين «مسلمين» و«غير مسلمين». ولذلك نحن إزاء خطر تحويل الجغرافيا المقدسة إلى مناطِ اصطفافٍ سياسي داخل العالم الإسلامي.
وهذا هو الجانب الذي نرى أنّ خطره يتجاوز الاتفاق العسكري نفسه: الاتفاق شيء، و”تديينُه” شيء آخر.
ويمكن أن يؤدي هذا المنطق إلى نتيجة معاكسة تماماً للفكرة التي تمثلها مكة المكرمة: تقسيم المسلمين باسم المكان الذي يفترض أن يجمعهم.
لكن أيّاً كان موقفنا، ليس من حقنا، ولا في وسعنا، أن نحجر على أحد استخدام اسم مكة لأغراضه السياسية أو التجارية أو السياحية. غير أنّ من حقنا، بل من واجبنا، أن نذكّر كل من يتجرأ على التسمِّي بقبلة المسلمين ومسقط رأس خاتم النبيين والمرسلين، عليه أفضل السلام وأتم التسليم، بالمسؤولية الأخلاقية الكبيرة التي يحمّلها هذا الاسم.
أما من المنظور السوداني، فتبدو الصورة بيِّنة التناقض: تُتهم الدول الثلاث التي اجتمعت في “شعاب مكة”، تحت عنوان السلام والأمن والاستقرار، تُتهم بدرجات مختلفة وإلى جانب مصر، بدعم أحد طرفي الحرب، أو بتوفير التمويل أو السلاح أو التسهيلات التي تزيد قدرته على مواصلة الحرب. وبموازة اتهام دولة الإمارات العربية بدعم الطرف الآخر، ثمة تقارير تضع السعودية وتركيا ضمن الداعمين، فيما تشير تقارير أخرى إلى أن السعودية موّلت مشتريات أسلحة باكستانية. ووصف تحليلٌ لمعهد واشنطن صفقة الأسلحة الباكستانية للسودان بأنها قد تدفع الصراع نحو مزيد من التصعيد وتطيل أمد الحرب.
وهنا تظهر المفارقة الأخلاقية والسياسية:
كيف يمكن أن تتعامل دولة ما مع أمنها وسلامها بمنطق الحرص والوقاية والمنع والردع، بينما هي تدفع من خزينتها لكي تستمر الحرب ويستمر الدمار والتشرد في دولة أخرى؟
وأياً كانت مبررات داعمي الطرفين، فإنه لا يجوز أن تتحول تلك المبررات إلى شيك مفتوح لاستمرار الحرب. فأي طرف يحصل على قدرة أكبر على القتال لا يصبح بالضرورة أقرب إلى السلام، بل قد يؤدي تدفق الدعم الخارجي إلى رفع سقف توقعات الطرف المدعوم، وبالتالي تقليل حافزه للتفاوض. والثابت أن كلا طرفي الحرب يحصل على دعم كاف يشكل السبب الرئيسي لاستمرار نزيف الدم السوداني. فالمشكلة السودانية ليست في طرف خارجي واحد، وإنما في منظومة إقليمية جعلت السودان ساحة لتصفية حساباتها وتحقيق طموحاتها ومجالا لتجريب أسلحتها ومسيراتها.
ولا نملك إلا أن نعود إلى اسم مكة مجدداً.
في مكة، وُقِّع اتفاق للدفاع عن الأمن والسلام والاستقرار لثلاث دول.
لكن هذه الدول الثلاث نفسها مسؤولة مسؤولية مباشرة عن استمرار حرب يقتل فيها السودانيون ويُهجّرون ويجوعون!
وليست مكة مجرد مكان بين الأمكنة.
فهنا نزلت الرسالة التي خاطبت الإنسان بما يجعله إنساناً، ولم تسبغ الرحمة على قوم دون قوم، أو وطن دون وطن.
ومن هنا خرج الإسلام إلى العالم كافة، حاملاً معانيَ تتجاوز الحدود والتحالفات وحسابات القوة.
فهل ما تفعله هذه الدول يقرّب السودانيين من السلام، أم يمنح الحرب كل يومٍ عمراً إضافياً جديداً؟
ومن هنا تبدو المفارقة موجعة.
مسؤولون يجتمعون في مكة لبناء تحالف للأمن والسلام في دولهم الثلاث؛ ولكنهم يدفعون من فائض أموالهم لكي يتخبط السودان في حرب ضروس، بينما تتشابك حوله حسابات الأمن والنفوذ والمصالح الإقليمية والدولية.
يكفي أن نسأل:
ماذا يفرض إرث مكة على من يتحدث باسم الأمن والسلام والوحدة والتضامن؟
ألا يوجد في إرث مكة، وفي الكتاب الذي نزل بشعابها، على خير مولود رأى النور في رحابها، ما يدفعكم إلى حقن دماء السودانيين؟
أليست دماء السودانيين أيضاً دماء إخوة مسلمين تستحق اهتمامكم؟
لا نقول إن على السعودية أو تركيا أو باكستان أو مصر أو الإمارات أو أمريكا أن تحمل أوزار حرب السودان وحدها. ولا نقول إن الحرب السودانية بسيطة بحيث يمكن اختزالها في إرادة الخارج. فالسودانيون أنفسهم مسؤولون عن أخطائهم، وعن اقتتالهم، وعن تاريخ طويل من العجز عن بناء دولة يتساوى فيها الناس.
لكن المسؤولية الداخلية لا تلغي مسؤولية الخارج.
ولهذا يحق لنا كسودانيين أن نطرح، بكل هدوء، أسئلةً لا خصومة فيه:
حين اجتمعتم في مكة لتحموا أنفسكم، ألم تجدوا في إرثها ما يدفعكم إلى حقن دماء السودانيين؟
وكما أسلفنا، ليس من حقنا أن نحجر على أحد استخدام اسم مكة في شأن سياسي أو غيره، لكن من حقنا أن نذكّر بأن اختيار مكة ليس اختياراً مجانياً بلا دلالة. فحين يُبرم اتفاقٌ دفاعي فيها ويُمنح اسمها، يصبح المكان جزءًا من الرسالة التي يقدمها الاتفاق إلى الناس، وتصبح دلالته الأخلاقية حاضرة، شاء الموقعون ذلك أم لم أبوا.
وفي المقابل، لن يمنع أحدٌ السودانيين، الذين يقبضون على الجمر بأيديهم ويمشون عليه بأرجلهم، من أن يظنّوا، ظناً غير آثم، أن تقديم المسيرّات والطائرات لطرفي هذه الحرب الآثمة من أهدافه تجربة مسيرات بريقدار وCH-95 وشاهبار على أجساد نسائهم وأبنائهم، وعلى بيوتهم، وعلى محطات المياه والكهرباء والوقود في بلدهم.
ليست مكة، في وجدان المسلمين، فندقاً للتوقيع على التحالفات الحصرية والانتقائية، بل رمزٌ لرسالة نزلت رحمةً وهدايةً للناس كافة، ولحرمة الدم، ولأخوة تتجاوز الحدود والمصالح والتحالفات.
ونقول للمجتمعين في مكة، لو أنكم اجتمعتم، لساعات قليلة، من أجل هدف واحد هو دفع طرفي الحرب في السودان إلى السلام، لنالت مساعيكم نصيباً من اسم مكة الذين أسبغتموه على اتفاقكم تغوَّلاً.
ولكنكم ذهبتم إلى مكة من أجل السلام لبعض المسلمين، دون بعض آخر.
ولأنكم ربما لا تعرفون شعاب مكة جديدا، لم تجدوا مكتوباً فيها أن دعمكم لطرفي الحرب، وما يؤدي إليه من تأجيج الصراع وإطالة أمده، يدخلكم لا محالة ضمن ” الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات”.
نعم، لقد فُتِن المؤمنون في السودان حين تقاتلوا؛
وفُتِنتِ المؤمناتُ في السودان حين جُعنَ وتشردن وفقدن الأزواج والأولاد!
ألم تجدوا في مكة آيةً تنبئكم بأن دعم المتحاربين هو بمثابة تحريض على الحرب ويجعلكم شركاء في إهلاك الحرث والنسل؟
ألم تجدوا مكتوباً في أي شعبٍ من شعاب مكة أن تقديم السلاح للمتحاربين يجعلكم مسؤولين، في الدنيا والآخرة، عن دفع فاتورة حرب شاركتم في إشعال نارها وفي استمرارها؟
ثمّ… ألم تسمعوا بالمثل السوداني “الحساب ولد”؟
