اعداد
د. أحمد جمعة صديق
جامعة الزعيم الأزهري
الحلقة (17)
امتحان الشهادة الثانوية السودانية: اختبار تحصيل أواختبار قدرات
ديباجة
يُعدّ التقويم عنصرًا أساسيًا في أي نظام تعليمي، إذ يعمل كآلية لتقييم مخرجات تعلم الطلاب، وتوجيه الممارسات التدريسية، وإرشاد صانعي السياسات التعليمية. ومن بين أشكال التقويم المختلفة، تحتل الامتحانات عالية المخاطر مكانة خاصة، لا سيما في الدول النامية حيث تحدد فرص الالتحاق بالتعليم العالي والمسارات المهنية المستقبلية.
تمثل امتحانات الشهادة الثانوية السودانية(SSC) في السودان، أحد أهم أدوات التقييم في النظام التعليمي الوطني. وتُعقد هذه الامتحانات في نهاية المرحلة الثانوية، وتُعد بوابة رئيسية للقبول في الجامعات.
ومع ذلك، فقد أثارت طبيعة هذه الامتحانات وفعاليتها جدلًا أكاديميًا، خاصة فيما يتعلق بما إذا كانت تُعد اختبارات تحصيل أم اختبارات كفاءة. فاختبارات التحصيل تهدف إلى قياس مدى إتقان الطلاب لمحتوى دراسي محدد، بينما تقيس اختبارات الكفاءة القدرة العامة أو المهارة في مجال معين بغض النظر عن منهج دراسي محدد. ويُعد هذا التمييز مهمًا لأنه يؤثر على توافق المناهج، وأساليب التدريس، وعدالة التقييم.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في ضوء هذا الإطار المفاهيمي، من خلال استكشاف خصائصها وتقييم فعاليتها ومناقشة آثارها على التعليم والتعلم.
اختبارات التحصيل مقابل اختبارات القدرات
لفهم طبيعة امتحانات الشهادة الثانوية السودانية، من الضروري التمييز بين اختبارات التحصيل واختبارات القدرات.
ترتبط اختبارات التحصيل ارتباطًا وثيقًا بالمنهج الدراسي، إذ تقيس مدى استيعاب الطلاب للمحتوى الذي تم تدريسه خلال فترة معينة. وغالبًا ما تُستخدم في نهاية الفصل الدراسي أو البرنامج التعليمي، وتُصمم بما يتوافق مع الأهداف التعليمية، مع التركيز على صدق المحتوى.
أما اختبارات القدرات، فهي تقيس القدرة العامة للمتعلم في مجال معين بغض النظر عن المنهج. فعلى سبيل المثال، تقيس اختبارات القدرات اللغوية قدرة الفرد على استخدام اللغة في مواقف الحياة الواقعية، وليس مجرد معرفته بكتاب معين. لذلك، تركز هذه الاختبارات على الفهم والتطبيق والتواصل بدلًا من الحفظ.
ولا يقتصر هذا الفرق على الجانب النظري، بل له آثار عملية تتعلق بالعدالة والموثوقية وجودة المخرجات التعليمية. ومن الناحية المثالية، ينبغي أن تكون امتحانات إنهاء المرحلة الدراسية مثل الشهادة الثانوية اختبارات تحصيل تعكس المنهج الوطني.
امتحانات الشهادة الثانوية السودانية: الهيكل والهدف
تُعد امتحانات الشهادة الثانوية السودانية اختبارات عالية الأهمية تُجرى في نهاية المرحلة الثانوية. وهي تُستخدم لمنح شهادة إتمام الدراسة الثانوية وتحديد أهلية الطلاب للالتحاق بالتعليم الجامعي، وبالتالي فهي تؤدي وظيفتين: التقييم والانتقاء.
تُعتبر هذه الامتحانات وسيلة لضبط جودة التعليم، إذ توفر مؤشرات حول فعالية طرق التدريس وتصميم المناهج والسياسات التعليمية. كما تساعد المعلمين على تعديل استراتيجياتهم التدريسية، وتمكن الطلاب من تحسين أساليب دراستهم. ومن المفترض أن تقيس هذه الامتحانات مدى تحقيق الأهداف التعليمية الوطنية، وتعكس المعرفة والمهارات التي اكتسبها الطلاب خلال دراستهم. إلا أن مدى تحقيق هذه الأهداف لا يزال محل نقاش.
امتحانات الشهادة الثانوية كاختبارات تحصيل
من الناحية النظرية، ينبغي أن تُصنف امتحانات الشهادة الثانوية السودانية كاختبارات تحصيل، لأنها تُجرى بعد برنامج تعليمي منظم وتهدف إلى قياس مدى إتقان الطلاب للمحتوى الدراسي. وتتوافق بعض جوانب هذه الامتحانات مع خصائص اختبارات التحصيل، حيث تقيس معرفة الطلاب بمواد دراسية محددة مثل الرياضيات والعلوم واللغات، كما تُستخدم لتحديد مدى تحقيق الأهداف التعليمية. كما أنها تؤثر في أساليب التدريس، إذ تدفع المعلمين إلى التركيز على محتوى المنهج، وهو ما يُعد من سمات اختبارات التحصيل.
امتحانات الشهادة الثانوية كاختبارات كفاءة
على الرغم من ذلك، تشير الأدلة إلى أن هذه الامتحانات، خاصة في مادة اللغة الإنجليزية، تميل إلى أن تكون أقرب إلى اختبارات القدرات. فقد أظهرت الدراسات أنها تفتقر إلى صدق المحتوى ولا تغطي المنهج بشكل كافٍ، وبدلًا من قياس ما تم تدريسه، فإنها تقيس القدرة العامة على استخدام اللغة.
وهذا التحول يؤدي إلى عدة نتائج، منها:
عدم التوافق بين التدريس والتقييم
تركيز المعلمين على تدريب الطلاب على الامتحان بدلًا من تدريس المنهج بالكامل
عدم تكافؤ الفرص بين الطلاب
وبذلك، فإن هذه الامتحانات تقيس ما يستطيع الطالب فعله أكثر مما تقيس مدى ما تعلمه فعليًا وما يفعل بهذه المخرجات التي تعلمهما.
مشكلات صدق المحتوى والشمولية
يُعد ضعف صدق المحتوى من أبرز الانتقادات الموجهة لهذه الامتحانات.
فقد أظهرت الدراسات أنها لا تغطي جميع عناصر المنهج، مما يؤدي إلى تقييم غير كامل لقدرات الطلاب.
كما أن بعض الأسئلة قد تكون غير مناسبة لجميع الطلاب، خاصة أولئك في المناطق الريفية، مما يثير قضايا تتعلق بالعدالة.
الموثوقية وذاتية التصحيح
تشير الموثوقية إلى مدى اتساق نتائج الاختبار، وهي عنصر أساسي في أي نظام تقييم.
وفي حالة امتحانات الشهادة الثانوية السودانية، هناك مشكلات تتعلق بذاتية التصحيح، خاصة في المواد التي تتطلب إجابات مفتوحة مثل اللغة الإنجليزية. فغياب معايير تصحيح واضحة قد يؤدي إلى اختلاف في الدرجات بين المصححين، مما يؤثر على عدالة النتائج.
أثر الامتحانات على التدريس والتعلم -المردود(washback)
يشير مفهوم “المردود” إلى تأثير الامتحانات على التعليم والتعلم. في حالة الامتحانات عالية المخاطر مثل الشهادة الثانوية، يكون لهذا التأثير دور كبير. فبدلًا من تعزيز التعلم العميق، قد تؤدي هذه الامتحانات إلى التركيز على الحفظ والتدريب على نمط الأسئلة، مما يحد من جودة التعليم.
السياق الاجتماعي والتعليمي
لا يمكن فهم هذه الامتحانات بمعزل عن السياق العام في السودان.
حيث يواجه النظام التعليمي تحديات عديدة مثل:
· نقص الموارد
· الفجوة بين الريف والحضر
· عدم الاستقرار السياسي
كما أن النزاعات الأخيرة أثرت بشكل كبير على سير الامتحانات، مما حرم عددًا كبيرًا من الطلاب من أدائها.
الآثار على السياسات التعليمية
تشير هذه المشكلات إلى ضرورة إجراء إصلاحات، من أهمها:
· تحديد الهدف بوضوح (تحصيل أم كفاءة)
· تحسين صدق المحتوى
· تطوير آليات التصحيح
· مراعاة الظروف الاجتماعية
· تصميم امتحانات تعزز التفكير والتعلم الحقيقي
التوازن بين التحصيل والقدرات
رغم أهمية التمييز بين النوعين، إلا أن كليهما مهم.
فالأفضل هو اعتماد نظام متوازن يجمع بين:
· قياس المعرفة (تحصيل)
· قياس المهارات (كفاءة)
مما يوفر تقييمًا شاملًا لقدرات الطلاب.
الخلاصة
تلعب امتحانات الشهادة الثانوية السودانية دورًا محوريًا في النظام التعليمي، إلا أنها تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالصدق والموثوقية والعدالة. وعلى الرغم من أنها مصممة كاختبارات تحصيل، إلا أنها في الواقع تميل إلى قياس القدرات، مما يؤدي إلى فجوة بين التعليم والتقييم. ولذلك، فإن إصلاح هذه الامتحانات أمر ضروري لضمان نظام تعليمي أكثر عدالة وفعالية. يتبع>>>
· تم تحرير هذه المادة بمساعدة الذكاء الاصطناعي
aahmedgumaa@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم