الاختبارات المدرسية: أداة لقياس التحصيل العلمي وضبط جودة التعليم

اعداد

د. أحمد جمعة صديق

جامعة الزعيم الأزهري

الحلقة (4)
الاختبارات في السودان

ديباجة
توجد بعض الأدلة التاريخية القوية على أن النظام التعليمي الإنجليزي الاستعماري في السودان، ولا سيما في كلية غوردون التذكارية، استخدم الاختبارات بوصفها أدوات للتمكين من جهة، وآليات للتمييز والسيطرة من جهة أخرى. ولم تكن هذه الأدوار المزدوجة متناقضة، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من المشروع الاستعماري.
الاختبارات كأدوات للتمكين
أسهمت الاختبارات في أحد المستويات في إتاحة قدرمحدود من الحراك الاجتماعي. فقد صممت الإدارة الاستعمارية البريطانية التعليم لإنتاج نخبة سودانية صغيرة ومتعلمة يمكنها العمل في الوظائف الكتابية والفنية. وقد أدى النجاح في الاختبارات – خاصة في اللغة الإنجليزية – إلى فتح المجال أمام العمل في الإدارة، والتدريس، ومهن مثل الطب والهندسة. شكّل خريجو كلية غوردون نواة النخبة المثقفة الناشئة، وأسهموا لاحقًا في الحركات الوطنية مثل مؤتمر الخريجين.
ربطت الاختبارات المعيارية (مثل تلك المرتبطة بشهادة كامبريدج المدرسية) الطلاب السودانيين بالنظم الأكاديمية العالمية، مما عزز مكانتهم وفرص حراكهم.
وهكذا، عملت الاختبارات كبوابات إلى التعليم الحديث، والتوظيف، والوعي السياسي، وأسهمت في تكوين طبقة متعلمة من السودانيين قادت لاحقًا تحدي الحكم الاستعماري. وهذه بعض الجوانب الإيجابية في السياسة الاستعمارية.
الاختبارات كأدوات للتمييز
ومع ذلك، كان النظام نفسه إقصائيًا بعمق، ويخدم المصالح الاستعمارية.
أ. التحيز اللغوي والثقافي
أعطت الاختبارات أولوية كبيرة لإتقان اللغة الإنجليزية، غالبًا في صيغ أدبية قديمة وغير مألوفة للطلاب السودانيين. وكان الطلاب يُمتحنون في “الإنجليزية القديمة” ونصوص أدبية غير مبسطة، بعيدة ثقافيًا وصعبة الفهم.
أصبح الأداء في اللغة الإنجليزية معيارًا حاسمًا، مما أضر بمعظم الطلاب الذين تلقوا تعليمهم بالعربية أو في نظم محلية. وقد أدى ذلك إلى خلق تراتبية لغوية، حيث أصبح النجاح يعتمد بدرجة أقل على المعارف والمهارات، وبدرجة أكبر على امتلاك رأس المال اللغوي الاستعماري.
ب. التصفية الانتقائية (النخبوية)
استُخدمت الاختبارات صراحةً كوسيلة لـ“فرز” الطلاب واختيار مجموعة صغيرة تتوافق مع احتياجات الاستعمار. لم يكن الهدف تعميم التعليم، بل إنتاج طبقة إدارية محدودة. وتم استبعاد العديد من الطلاب الأكفاء بسبب معايير امتحانية صارمة لا ترتبط بالمهارات العملية. ويعكس ذلك ما يمكن تسميته بحراسة أكاديمية مؤسسية.
ج. تعزيز الحفظ والامتثال بالولاء: أشار منتقدون داخل النظام الاستعماري نفسه إلى أن الاختبارات كانت تشجع على الحفظ بدلًا من التفكير النقدي. فقد كانت الاختبارات تكافئ “ترديد” المعلومات وإعادة إنتاج المعرفة الاستعمارية. وكانت تقيس بشكل غير مباشر مدى التوافق الثقافي والولاء للمعايير الغربية أكثر من قدرتها على قياس الكفاءة الفكرية الحقيقية. وبذلك، أصبحت الاختبارات أدوات للسيطرة الأيديولوجية تشكل طريقة تفكير الطلاب.
د. عدم المساواة الاجتماعية والإقليمية
كان الوصول إلى المدارس المؤهلة للالتحاق بكلية غوردون—وبالتالي إلى الاختبارات—غير متكافئ حيث حظيت الفئات الحضرية والشمالية والأكثر امتيازًا بفرص أكبر. بينما كانت المناطق الأخرى والفئات الاجتماعية المختلفة ممثلة تمثيلًا ضعيفًا، مما عزز التفاوتات القائمة الى اليوم. وبالتالي، أصبحت الاختبارات آليات لإعادة إنتاج الطبقية الاجتماعية، وليست مقاييس محايدة للجدارة.

  1. الوظيفة المزدوجة: تمكين في ظل القيود
    يمكن فهم نظام الاختبارات الاستعماري في السودان بوصفه نموذجًا للتمكين المرسوم بعناية: فقد مكّن هذا النظام أقلية من العمل في الإدارة الاستعمارية، ثم لاحقًا من قيادة الحركات الوطنية. وفي الوقت نفسه، استبعد الأغلبية، وعزز التراتبيات اللغوية والثقافية، وحافظ على الهيمنة الاستعمارية.
    وفي كلية غوردون التذكارية وفي النظام الاستعماري الأوسع، لم تكن الاختبارات أدوات تقييم محايدة، بل كانت أدوات سياسية صُممت لإنتاج نخبة مطيعة، وتنظيم الوصول إلى السلطة، وفرض قيم ثقافية معينة.
    ورغم أنها وفّرت فرصًا لبعض السودانيين، فإنها في الوقت ذاته رسّخت عدم المساواة وخدمت أهدافًا استعمارية أوسع. وبهذا المعنى، كانت الاختبارات في السودان الاستعماري سلالم للحراك الاجتماعي ومرشحات للإقصاء في آنٍ واحد – تمكينية وتمييزية في الوقت نفسه.
    هل يمكن تحديد أفراد بأسمائهم تم اقصاءهم بواسطة الاختبارات الاستعمارية في السودان (مثل كلية غوردون التذكارية)؟
    الحالات الفردية المحددة والمُوثقة جيدًا لأشخاص رسبوا أو أُقصوا بأسمائهم نادرة في السجل التاريخي. وليس ذلك لأن الإقصاء لم يحدث، بل لأن الأرشيفات الاستعمارية كانت تميل إلى تسجيل الناجحين، والتقارير الإدارية، والنقاشات السياسية، بدلًا من توثيق هويات أولئك الذين تم استبعادهم. ومع ذلك هناك أنماط موثقة، وتقارير، وحالات توضيحية مرتبطة بشخصيات ومؤسسات معروفة تُظهر بوضوح كيف تم إقصاء طلاب أكفاء لمجموعة أسباب منها:
    عدم التوافق بين المنهج والامتحان (أدلة سياسية)
    اعترف بعض مسؤولي التعليم البريطانيون أنفسهم بأن الاختبارات—خاصة تلك المستندة إلى شهادة كامبريدج المدرسية—كانت غير متوافقة مع الواقع السوداني.وتشير تقارير عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين (مثل تقارير جيمس كوري ) إلى أن الطلاب كانوا يختبرون في نصوص أدبية إنجليزية وموضوعات إنشائية مجردة بدلًا من المهارات الإدارية أو التقنية العملية.
    كان العديد من الطلاب الذين يمتلكون كفاءة في المحاسبة، والمساحة، والأعمال الكتابية يرسبون لأنهم لم يتمكنوا من كتابة مقالات إنجليزية رسمية بالمستوى المطلوب. وهذا يعطي مثالًا مؤسسيًا واضحًا ان الفشل كان غالبًا لغويًا وثقافيًا، وليس فكريًا أو عمليًا.
    حالة الدفعات الأولى في كلية غوردون
    تُظهر الملخصات الأرشيفية في كلية غوردون التذكارية انخفاضًا كبيرًا في نسب النجاح في امتحانات القبول والاختبارات النهائية وارتفاعًا في معدلات التسرب بين المرحلة التحضيرية والمستويات المتقدمة. ورغم عدم حفظ أسماء الراسبين، فإن العديد من الطلاب القادمين من الخلاوي أو التعليم العربي التقليدي واجهوا صعوبة في الاختبارات التي تُدرّس باللغة الإنجليزية. فبعض هؤلاء الطلاب نجحوا لاحقًا في قطاعات غير استعمارية (مثل التعليم الديني، والتجارة، والإدارة المحلية)، مما يدل على أنهم لم يكونوا طلابًا ضعفاء في الأصل. وهذا يمثل “حادثة نظامية”: تمت تصفية دفعات كاملة بسبب طبيعة التقييم المرتبطة باللغة.
  2. نقد الخريجين (أصوات معروفة)
    انتقد أعضاء النخبة المتعلمة أنفسهم هذا النظام لاحقًا. فعلى سبيل المثال، رأى (عرفات محمد عبد الله وآخرون) من المرتبطين بمؤتمر الخريجين، أن النظام كان يستبعد السودانيين الموهوبين الذين لا ينسجمون مع النموذج الأكاديمي الاستعماري. وكانت الاختبارات تكافئ الحفظ والتلقين للنصوص الإنجليزية بدلًا من القيادة أو الكفاءة العملية. ورغم أنهم لم يذكروا أسماء محددة للراسبين، فإن شهادتهم تُعد دليلًا داخليًا مهمًا على الإقصاء.
  3. المسارات التقنية مقابل الأكاديمية (إقصاء بنيوي)
    اتبعت السياسة الاستعمارية فصلًا متعمدًا بين: التعليم الأكاديمي (القائم على الاختبارات والنخبة) والتعليم الفني/المهني (الأقل مكانة ومحدود الفرص)، اذ كان الطلاب الذين يفشلون في الاختبارات الأكاديمية—حتى وإن كانوا مهرة—يُوجّهون إلى مسارات أدنى مكانة.
    ومن الأنماط الموثقة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين:كان هناك طلاب يمتلكون مهارات في الورش الهندسية أو الزراعة وكانوا يرسبون في الاختبارات الكتابية باللغة الإنجلي زية. وكان هؤلاء الطلاب يُحرمون من مواصلة التعليم العالي أو الحصول على بعثات دراسية خارجية. وهذا يمثل نوعًا آخر من “حدوتة” الفشل في الامتحان الكتابي الذي كان يمنع تقدم طلاب أكفاء عمليًا.
  4. التفاوتات الإقليمية
    تشير التقارير التعليمية إلى أن: الطلاب من جنوب وغرب السودان كانت معدلات نجاحهم أقل بكثير. ويرتبط ذلك بـ ضعف التعرض للغة الإنجليزية والتعليم النظامي، وليس بنقص في القدرات. وقد أقر بعض المسؤولين بأن نظام الاختبارات كان يفضل الطلاب من المناطق الحضرية الشمالية.
    ورغم غياب أسماء فردية موثقة على نطاق واسع للطلاب الذين تم استبعادهم، فإن الأدلة قوية ومتعددة الأبعاد حيث أقر المسؤولون الاستعماريون بوجود عدم التوافق. كذلك ما توفر من البيانات المؤسسية (كلية غوردون) تُظهر التصفية الاستعمارية المنهجية. كما انتقد بعض المثقفين الوطنيين الإقصاء حيث استبعدت السياسات البنيوية استمرار الطلاب الأكفاء بصورة عملية. ومن منظور البحث التاريخي، فإن غياب الأسماء الفردية بحد ذاته دلالة مهمة فقد حفظ النظام قصص النجاح، بينما جعل الأغلبية المستبعدة مرئية إحصائيًا لكنها غير مرئية بصورة شخصية.

aahmedgumaa@yahoo.com

عن د. أحمد جمعة صديق

شاهد أيضاً

السنابُل تَهزمُ أَسرابَ الجَرادِ

شعر د. أحمد جمعة صديق (مُهداةً لأُمَّهاتِ الشُهداء) أَيَّا أُمَّ الشَّهيدةِ والشَّهيدِ أقسَمنا بأنّا لن …