اعداد
د. أحمد جمعة صديق
جامعة الزعيم الأزهري
الحلقة (6)
الغاء الشهادة السودانية
ديباجة
يحظى موضوع الاختبارات، وبالخصوص اختبار الشهادة السودانية باهتمام بالغ، اذ يتوقف على هذا الاختبار مصائر الكثير من الشباب، في العبور الى الجامعات والمعاهد العليا في الداخل او الخارج، للمزيد من التحصيل العلمي، أو الدخول الى معترك الحياة العملية في الالتحاق بسوق العمل. وفي كلا الحالين، يكون الحصول على الشهادة لسودانية – هو المؤهل الشاهد على أن حامل هذه الوثيقة قد أكمل الحد الأدنى من التعليم الأساسي – ست سنوات بالمرحلة الابتدائية وثلاث بالمرحلة المتوسطة وثلاث بالمرحلة الثانوية، وفي مجملها تساوي اثنا عشر ساعة من التعليم العام وهو الحد العمري المتعارف عليه في كل العالم. وما يشغلنا هنا هو مفارقة الطالب وتوديعه لهذه المرحلة والدخول الى المرحلة التالية، اما مواصلة للتحصيل العلمي او الانخراط في العمل. ومثل غيرنا في السودان، يغادر الطالب المرحلة الثانوية بعد الجلوس لاختيار قومي، يتنافس فيه الطلاب على مستوى الوطن. وقد كان هذا الحدث -أي الاختبار القومي – يتم بنزاهة ويسر، بأشراف وزارات التربية والتعليم. وكانت الوثيقة التي يحصل عليها الطالب بتحصيله العلمي لا يداخلها شك في صحتها وسلامتها؛ لان الاختبار كان ممارسة (مقدسة) يفهم ذلك الطالب المختبر فلا يغش أو يخادع، كما يدرك ذلك الأستاذ المراقب، فلا يحيد عن توفير الجو الصحي لأداء الاختبار في يسر وسهولة، وتحت ضوابط صارمة، وهذا ما كان يجعل من الشهادة السودانية شهادة حقيقية ومبرأة للذمة، وهذا أمر تفتقده الشهادة السودانية في الوقت الحالي، لفقدان الكثير من عناصر سلامة ومقومات الاختبار على أسس المساواة والنزاهة. وهذا ما سنتعرض له في تفاصيل المقال في المساحة التالية.
أسس جديدة لمنح شهادة التعليم العام والشهادة السودانية
هذا المقال للباحث نشر في (مجلة القلزم للدراسات التربوية والنفسية واللغوية – العدد الثاني عشر (مزدوج) – صفر 1444هـ – سبتمبر2022م، بعنوان (شهادات التعليم العام في السودان بين الجرح والتعديل: مشروع لإعادة صياغة الشهادة السودانية). وقد كان أصل العنوان (الشــهادة المدرسية الســودانية شــهادة زور ممهــورة بختــم الدولــة) وسنورد ملخصا لنتاج الدراسة في السطور التالية على أمل ان نستعرض البحث في المقالات التالية.
مستخلص: شهادات التعليم العام في السودان بين الجرح والتعديل: مشروع لإعادة صياغة الشهادة السودانية)
تهدف هذه الدراسة إلى وضع أسس جديدة لمنح شهادة التعليم العام والشهادة السودانية، كشهادات نقل عادية تُمنح في الظروف الطبيعية في المؤسسة التربوية، التي ينتمي إليها الدارس، بنهاية إكمال المرحلة المعنية. يرى الباحث أن الشهادة السودانية بصورتها الحالية شهادة زور ممهورة رسميًا بختم الدولة، بدءًا من وزارة التربية والتعليم التي تمنح هذه الشهادة، وانتهاءً بوزارة الخارجية التي تصادق على صحة توقيع من أصدر هذه الشهادة. تقترح هذه الدراسة منح شهادة المرحلة الثانوية بنهاية الاختبار النهائي بالمستوى الثالث من ذات المدرسة، مع تفصيل نتائج التحصيل بالنسبة المئوية. وعليه نقترح إلغاء الاختبارات القومية للشهادة السودانية لأسباب عديدة منها: تفشي ظاهرة الغش الذي يمارسه الطلاب بالعديد من الحيل القديمة والحديثة، بمساعدة بعض المعلمين والمدراء فاقدي الضمير. كذلك تفاقمت ظاهرة تسرب وتسريب الاختبارات، وكلاهما سببان وجيهان يقدحان في نزاهة الاختبارات القومية في السودان. علاوة على تأثير المعالجات الإحصائية وعمليات التجميل (الديكور) – تحت الجذر – التي تضخم الدرجات بغير حق، فتثير الريبة في صدق الدرجات التي تُمنح لهؤلاء الدارسين، مما أدى إلى أن يتشكك الطلاب أنفسهم في نزاهة الشهادة السودانية بصورتها الحالية. سيؤدي إلغاء الشهادة السودانية إلى أن تتبنى الجامعات السودانية أسسًا جديدة للقبول حسب متطلبات الجامعة المعنية اسوة بما تفعله الكليات العسكرية في السودان، مما سيساعد الجامعات في استيعاب طلاب مستوفين للشروط، يستطيعون الاستمرار في دراستهم الجامعية من غير تعثر، ويقلل بالتالي من نسبة الفاقد التربوي بالجامعات. كما يساعد هذا الأسلوب الجديد في التوزيع العادل (للذكاء) في السودان على مستوى الأقاليم، إذ لن تستأثر الجامعات القومية وحدها في العاصمة بالمتفوقين، بل سينال كل إقليم حظه من (كوتة) الطلاب المتفوقين علميًا. وبما أن الجامعات ستعدل من استراتيجيات القبول بأسس خالية من الفساد، فإن ذلك سيؤثر على الأداء في (التعليم والتعلم) في المدارس الثانوية الخاصة والعامة على السواء، بحيث يأخذ طابعًا جديًا، ويكون التدريس من أجل التحصيل العلمي، وليس التدريس من أجل الجلوس للاختبار كما هو الحال الآن. إن إلغاء اختبارات الشهادة السودانية سيوفر ما يعادل عشرات المرات من ميزانية التربية والتعليم السنوية من المال العام، ليُستخدم في تحسين البيئة المدرسية، وتدريب المعلمين، وكذلك تحسين شروط خدمة المعلمين، مما سينعكس إيجابًا على خلق بيئة مدرسية صحية جاذبة للطلاب والمعلمين.
الحصاد
في نهاية كل عام دراسي؛ يبدأ حصاد النشاط الطلابي في التعليم العام، حيث يقف الطلاب وأولياء الأمور وهيئة التدريس استعداداً للاختبارات النهائية للشهادة السودانية. وفي الاختبار – يُكرم المرء أو يُهان – وهو مفهوم سائد وخاطئ – في الذهنية السودانية – لفهم هذه العملية التربوية، حيث يكون الاختبار موسم توتر شديد يمر به الممتحنون وعائلاتهم، ومنهم من يحول هذه المناسبة إلى فترة حداد يصيب الجميع، القريب والبعيد، وتهتز فيه العلاقات بين الأسر، ويُصرف الكثير من الجهد البشري والمال والدموع والأعصاب – لمجرد أن أحد أفراد الأسرة سيخوض اختبارات الشهادة والتــي كانــت يومــا ً أكثــر إشراقا ً وبهاء ً في عصورهــا القديمة.
يسود هذا المفهوم السلبي الخاص بالاختبارات منذ أمد بعيد، إذ كانت الاختبارات حقيقة وسيلة للقهر والتمييز والاستبعاد منذ كلية غردون، في حين أن مجمل الأمر لا يستحق كل هذا العناء، إذا أدرك الآباء والمسؤولون عن التعليم أن الاختبار بمعناه الحديث ليس أكثر من (حصة إضافية) من دروس الطالب تساعده في فهم المنهج وهضم المعلومات والمفاهيم والقيم المستهدفة في هذه المرحلة أو تلك.
الاختبار بهذا المفهوم هو وسيلة علاج لسد الثغرات المعرفية التي فاتت الطالب أثناء التدريس. تتضمن هذه المعرفة معلومات أو قيماً أو مفاهيم أو مهارات. الاختبارات وسيلة للقياس ومراقبة الجودة للعملية التعليمية برمتها. لذلك يمكن للوزير أو مدير التعليم الحصول بسهولة على الحقيقة كاملة من خلال نظرة سريعة على أي اختبار يتم على بعد آلاف الأميال من مكاتبهم.
إذ يمكن لورقة الاختبار أن تخبرنا عن كل شيء تقريباً عن أداء الطلاب في طويشة، في دنقلا أو في منقلا، وكذلك (ستفضح) الاختبارات ممارسات المعلمين في الفصل الدراسي، وتأثير الإدارة المدرسية، بالإضافة إلى أثر زيارة المشرف التربوي لإجراء المتابعة. ويمكن لورقة الاختبار الجيد أن تخبرنا بكل شيء عن: نجاح أو فشل البرنامج أو المقرر الدراسي، أداء الم\المدرسي، أداء المديرين مما ينعكس على صحة البيئة المدرسية، وكذلك ستنبئنا الاختبارات بالحقيقة الكاملة حول تحقيق أهدافنا التربوية والثقافية والاجتماعية على الصعيد الشخصي والقومي – مما سيأتي تفصيله لاحقاً.
- الاختبار الجيد:
يشمل الاختبار الجيد العناصر الآتية وهي:
الثبات والاتساق (Reliability)، الصدق (Validity)، الموضوعية (Objectivity)، الشمول (Comprehensiveness)، الوضوح (Clarity) والمردود (Washback) وهي مفاهيم أساسية يمكن التوسع في معرفة مضامينها في المراجع المذكورة في نهاية هذا البحث.
2.0 ماذا يخبرنا الاختبار الجيد ؟ يمكن للاختبار الجيد أن يخبرنا بأشياء كثيرة.
2.1 أداء الطالب: عندما ينهي الطلاب مقرراً دراسياً أو دورة تدريبية، سيتعين عليهم الجلوس لاختبار لقياس مقدار ما تعلموه واستوعبوه. وفي هذا الصدد، يعد الاختبار مجرد أداة لإخبارنا عن درجة الإنجاز (التحصيل) الذي حققه الطلاب ومقدار ما تعلموه. لذا فإن النتائج ليست سوى مرايا تعكس تحصيل الطلاب للدرس كلياً أو جزئياً. سنكون سعداء بالطبع إذا حقق جميع المختبرين نجاحاً كبيراً في اختباراتهم، وبنفس القدر سنشعر بالأسف إذا كانت النتائج غير مرضية وكانت الفجوة كبيرة في تعلم الطلاب. ففي هذه الحالة سنحاول معرفة الأسباب الكامنة وراء هذا الفشل أو التدني في الدرجات، وسنحاول سد الثغرات لمساعدة هؤلاء الدارسين للحاق بزملائهم الذين حققوا إنجازات (تحصيلا) عالياً.
2.2 أداء المدرسين ((Teaching Force : فهم أهداف المنهج
يعكس الاختبار الجيد مقدار الجهود التي يبذلها المعلمون في تعليم الدارسين، إذ يحرص المعلمون المتمرسون على هضم المواد التي يقومون بتدريسها واختيار الأساليب المناسبة لتدريس هذه المواد. فالتدريس فن يعرفه الماهرون منهم، للقيام بذلك بفعالية، وبأقل جهد ووقت ومال ممكن. ويمكن للاختبار الجيد أن يبين مقدار الجهود التي يبذلها المعلمون في الفصول الدراسية، والنتائج التي يحققها الدارسون هي دليل جيد على العمل الذي قامت به هيئة التدريس.
2.3 فعالية المناهج الدراسية:
يهتم المنهج بالمعنى الواسع بالفلسفة التربوية للبلد المعني، وهو مجموعة من الأهداف تُضمَّن في المقرر بصورة مباشرة أو غير مباشرة. والكتاب المدرسي يُصمم ليخدم المناهج ويحقق الأهداف التعليمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للأمة والدولة. والمنهج بهذا الفهم عبارة عن جرعة تعليمية مصممة خصيصاً لخدمة أهداف محددة، في وقت محدد، لأشخاص محددين، في عمر معين. فإذا كانت الجرعة كبيرة فستؤدي حتماً إلى تأثير سلبي، وإذا كانت صغيرة جداً فإنها ستؤذي الدارسين وتعيق تعليمهم. والهدف النهائي للتعليم – أي تعليم – هو تأهيل الدارسين لحل مشاكلهم الشخصية والمجتمعية. ولتحقيق هذه الأهداف، نحتاج إلى تعليم الطلاب هذه المفاهيم واختبار مقدار ما تعلموه لتحقيق هذه الأهداف فقط، وليس لتقدير درجة التميز كما هو الحال الآن.
ويمكن للاختبار الجيد أن يخبرنا بالعديد من الأشياء حول المنهج الذي من المفترض أن يهضمه الطلاب. يمكننا الحكم من نتائج الاختبار على مقدار المعارف والمهارات التي اكتسبها أطفالنا، وإلى مقدار ما يحتاجونه من تعليم إضافي لسد ثغرات المعرفة أو المهارات التي فاتتهم لسبب أو لآخر. ونتائج الاختبار، إذا قُرئت بصورة صحيحة، تنبئنا بنوع السلوك الذي سيقوم به أبناؤنا كنتيجة طبيعية متوقعة من تعليمهم وتعلمهم.
2.4. فاعلية الإدارة المدرسية:
يساعد الاختبار الجيد إدارة المدرسة في معرفة مدى التقدم الذي يحرزه المعلمون والطلاب لاستيعاب المنهج الدراسي وإنهاء الدورة التدريبية المحددة وتحقيق أهداف المنهج. ويمكن لمدير المدرسة الحريص أن يستنتج من متابعة نتائج الاختبار الجهود التي يبذلها المعلمون في الفصول الدراسية، إذ ينبغي أن تنعكس هذه الجهود بوضوح في أداء الطلاب وممارساتهم. لذا فإن نتائج الاختبار هي دليل جيد للمدير على أن المعلم قد أدى دوره على أكمل وجه، حيث غطى المنهج بأكمله وصمم اختبارات شاملة ذات محتوى عالٍ من الصدق. وبصفته مديراً لمؤسسته التعليمية، يمكن للمدير وبكل سهولة الحكم على أداء كل طاقم التدريس والطلاب من خلال ورقة الاختبار فقط.
2.5. فعالية مشرفي التربية والتعليم في متابعة نشاط المعلم:
تنعكس المتابعة التي يقوم بها المشرف التربوي للمعلمين على الاختبارات أيضاً، إذ يمكن للمشرف أن يتتبع بسهولة أداء عضو هيئة التدريس من خلال دفتر التحضير للدروس اليومية وسجلات الدروس، إذ يساعد هذا في معرفة مقدار المنهج الذي تم غطاه المعلمون، ومن خلال الاختبار يمكنه الحكم على التقدم الذي تم إحرازه. ويقوم المشرفون التربويون أثناء زياراتهم الروتينية إلى المدرسة بالتعرف على كيفية قيام المعلمين بمهامهم من تحضير للدروس وتدريس فعلي داخل الفصل وتغطية المنهج الدراسي ووضع وتصحيح اختبارات سليمة، ويمكنهم بهذا تفسير أداء الطلاب في اختباراتهم. فالاختبار الجيد هو أحد طرق المشرفين للتأكد من أن المعلمين ومديري المدارس والطلاب قد حافظوا على أجندتهم التعليمية، وبهذا يكون الاختبار منتجاً نهائياً (للعمل الجماعي) الذي ساهم فيه الطلاب والمعلمون والمشرفون التربويون، وكلهم تحت الإدارة الرشيدة لمدير المؤسسة أو المنظمة التربوية. وأيضاً يساهم في هذا العمل التربوي الجماعي بصورة غير مباشرة: خفير المدرسة، ومديرة البوفيه، والصول (وهو قائم مقام النظام)، وآخرون.
2.6 تأمين الأجندة التعليمية الوطنية للأمة:
يحرص الآباء على معرفة تقدم ونمو أطفالهم بصورة إيجابية، وكيف سيكون هؤلاء الأبناء على استعداد لاستخدام تلك المعارف والمهارات التي اكتسبوها من المدرسة لحل مشاكلهم ومساعدة الآخرين في نفس الوقت. سيسعد الآباء – لا شك – برؤية التغير الإيجابي في مواقف وسلوك أبنائهم نتيجة للتعليم الجيد الذي حصلوا عليه في المدرسة. والتنفيذ السليم لأهداف المناهج التربوية وتحقيق هدف التدريس واختبار هذه الأهداف؛ سيكون كله تعبيراً عن تحقيق جميع طموحات أصحاب المصلحة من الآباء والمعلمين والتربويين وصانعي القرار. يتبع>>>
aahmedgumaa@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم