الاختبارات المدرسية: أداة لقياس التحصيل العلمي وضبط جودة التعليم

اعداد
د. أحمد جمعة صديق
جامعة الزعيم الأزهري

الحلقة (7)

الغاء الشهادة السودانية
3.0 تاريخ اختبارات الشهادة السودانية:

تأسست كلية غوردون التذكارية في عام 1905. وفي عام 1937، تم اتخاذ الترتيبات لتمكين الطلاب السودانيين من الجلوس لامتحان كامبريدج. تم إنشاء مجلس تحت اسم مجلس اختبارات الشهادة السودانية تحت إشراف جامعة كامبريدج في لندن. وقد تولى مجلس اختبارات جامعة كامبريدج مهام العملية برمتها مثل تحديد شروط الجلوس للامتحان، ووضع وطباعة وتصحيح الاختبارات، وإصدار النتيجة وإرسالها مرة أخرى إلى السودان.

تقدمت المجموعة الأولى من الطلاب السودانيين لامتحان شهادة كامبريدج في ديسمبر 1938، واستمر هذا الاختبار حتى ديسمبر 1954، وكانت الشهادة تسمى الشهادة العامة للتعليم. وشكل مجلس اختبارات السودان في ديسمبر 1954، بمرسوم من الحاكم العام، وتقاسم مسؤولية الاختبار جامعة كامبريدج ومجلس اختبارات السودان. منذ عام 1952، كما تعديل العام الدراسي ليبدأ من يوليو وينتهي في مارس، بدلاً من يناير الى ديسمبر. ووفقاً لذلك، تقدمت الدفعة الأولى من الطلاب للاختبارات في مارس 1956، وتم إجراء بعض المهام الاختبارية في السودان، وهي: شروط الجلوس، واختيار واضعي الأسئلة، والمراقبين. أما بالنسبة للمراجعة والتقييم وإصدار النتيجة ومنح الشهادة، فقد استمرت في إنجلترا بالتعاون مع جامعة كامبريدج ومجلس اختباراتها حتى عام 1962، حيث تم إجراء جميع أعمال الاختبار محلياً في السودان باستثناء طباعة الأسئلة، والتي قامت بها جامعة أكسفورد. ولجنة اختبارات السودان هي الهيئة الفنية والإدارية التي تتابع إجراءات وتسليم أوراق الإجابة للتصحيح، والإشراف المباشر على لجان المراقبة، ثم رفع النتيجة إلى لجنة الاختبارات للسودان للموافقة عليها ومن ثم إعلانها، واستمر ذلك حتى عام 1969. وفي عام 1970 تم تعليق عمل لجنة اختبارات السودان بقرار وزاري، وعُهدت الاختبارات إلى خبير أجنبي، وفي ذلك العام حدثت تغييرات في سياسات التعليم (السلم التعليمي في عهد الدكتور محيي الدين صابر).

وفي عام 1972 أُعيدت مهام الاختبارات إلى لجنة اختبارات السودان، وأُعطيت أسماء عديدة للشهادة المدرسية. وهذه أسماء أُعطيت للشهادة الثانوية: خلال هذه الفترات

· الشهادة العامة للتعليم (لدخول جامعة كامبريدج) من 1938 – 1954م

· الشهادة المدرسية السودانية 1956 – 1970م

· الشهادة الثانوية العليا 1971 – 1979م

· شهادة الثانوية العامة من 1980 حتى الآن

كانت نتائج الطالب تُمنح وفق نظام الدرجات Grades) ) حتى عام 1969، وفي عام 1987 تم منح الشهادة بالنسبة المئوية. صدر قانون تخطيط وتنظيم التعليم العام في عام 2001، ووفقاً لأحكام المادة (22) من هذا القانون، أصدر وزير التربية والتعليم قراراً بتشكيل مجلس اختبارات السودان الذي حل محل لجنة الاختبارات.

4.0 مآخذ على الشهادة السودانية الآن:

تقف الأمة السودانية كل عام على الأقدام للاستماع إلى وزير التربية والتعليم وهو يعلن نتائج امتحان الشهادة السودانية. هذه اللحظة مليئة بالشد والتوتر، حيث إن النتائج ستحدد مستقبل هؤلاء الصغار؛ إذ سيجد المتفوقون طريقهم إلى أفضل الكليات والأقسام، وسيذهب الآخرون للبحث عن المستقبل في مكان ما في هذه الحياة. وهذه طبيعة الأشياء. ولكن كيف يتم هذا الأمر؟ هل يتم في جو من الصدق والنزاهة ويتفرق الجميع في اتجاهات الدنيا الأربع وهم راضون بهذه النتائج؟ كان الامر كذلك ولكن تمر الشهادة السودانية اليوم بفترة حرجة فقد أصابها الكساد كما اصاب كافة مقومات الدولة. اذاً فما هي المآخذ الحالية على الشهادة السودانية؟

.4.1 هل هناك خلل في نظام التعليم والتعلم أو في نظام الاختبارات نفسه؟
يقول البروفيسور/ محمد زين العابدين عثمان، بجامعة الزعيم الأزهري: (لقد شاءت الظروف أن أتابع المؤتمر الصحفي الذي أقامته وزارة التربية والتعليم العام لإعلان نتائج اختبارات الشهادة السودانية للعام 2012/2013، ورأيت الفرحة تملأ وجوه كل المسؤولين بالوزارة، وعلى قمتهم وزير التربية والتعليم الاتحادي، في حين أن النتيجة جد محزنة وتدعو للرثاء وتنعى التعليم العام في بلادي، والذي ذهب إلى غير رجعة منذ أن استولت الإنقاذ على السلطة بالانقلاب العسكري.) بهذا الحزن الكبير يبدأ البروفيسور عثمان في تسجيل هذه اللحظة الخالدة في حياة كل طالب وأسرته.ويقول البروفيسور: (أذاع السيد الوزير وطاقمه المائة المتفوقين في المساق العلمي على مستوى السودان، وكانت النتيجة أن 93% من المتفوقين في المائة الأولى من أبناء وبنات مدارس العاصمة القومية، وأكثر من 80% من هؤلاء المتفوقين من المدارس الخاصة بولاية الخرطوم، وأكثر من 70% منهم من البنات، مما يوحي أن البنات أكثر ذكاءً وأكثر مقدرة على التحصيل من رفقائهم الأولاد، وهذا حكم يجافي الحقيقة، لأن هناك علة تقعد بالأولاد عن البنات يجب أن تُدرس. وبالطبع هذا الاستنتاج بعيد كل البعد عن الحقيقة، لأن هناك سبباً يجعل عدد الأولاد أقل من الفتيات.)
تفسير هذه الأرقام : هل توضح هذه الاختبارات القدرات الكامنة في أبنائنا في جميع أنحاء البلاد، أم أن هناك خللاً واختلالاً في نظام التعليم والتعلم وفي نظام الاختبارات نفسه؟ هذه الأسئلة أثارها الأستاذ عثمان، إذ يطرح بعض التساؤلات لمعرفة ما إذا كانت تلك الاختبارات صحيحة وصالحة، وتسمح ببيئة تعليمية متساوية لجميع الطلاب السودانيين على قدم المساواة بحيث تكون المنافسة عادلة، فيقول: (حسب البيئة، فإن المجاهرة تعني اكتمال الوسائل التعليمية في جميع مدارس السودان العامة والخاصة، حيث لا ينبغي أن يكون هناك فرق حيث تشمل البيئة الصحية معلمين ممتازين، ومباني جيدة التهوية، ومختبرات، وكتباً مدرسية. إذا كانت هذه التسهيلات متوفرة في جميع المدارس، فيمكننا المطالبة بعدالة ونزاهة نظام الاختبارات الخاص بنا).

وطرح الأستاذ ما يذكرنا بالمدارس المتميزة قديماً مثل حنتوب وخورطقت ووادي سيدنا، حيث كان أولاد الفقراء المهمشين متفوقين في دراستهم، يتعلمون ويُقبلون في الجامعة أكثر من أبناء الخرطوم الحكومية. لكن النتيجة الأخيرة تخبرنا أن الطلاب من المناطق المهمشة هم الأقل ذكاءً وغير القادرين على الإنجاز، وأن الطلاب الذين يرتادون المدارس الحكومية، حتى في العاصمة الوطنية، هم أقل قدرة وأقل ذكاءً من الطلاب الذين يرتادون المدارس الخاصة في الخرطوم، وهم الذين يظهرون على أنهم الأكثر ذكاءً.

4.2. من أين يأتي التناقض؟
تركز للأسف معظم المعلمين والممتحنين في الخرطوم، وأفضلهم تعاقدوا مع مدارس خاصة لرفع الأجور. كما أن الوسائل التعليمية والتدريسية متوفرة إلى حد ما في مدارس العاصمة الخرطوم، خاصة أو عامة. وهذه المدارس متاحة غالباً لأبناء وبنات العائلات الثرية والمغتربين في الدولة بالرغم من أن 95% من الشعب السوداني يعيشون تحت خط الفقر العالمي، لذلك لا ينبغي أن نتوقع أن يتفوق هؤلاء المهمشون على هؤلاء الأطفال من عائلات ميسورة الحال. كما يقول البروفيسور عثمان، ويرى أيضاً: (أن الخلل يمتد حتى إلى المدارس الابتدائية، حيث إن معظم الخسائر التعليمية تأتي من المدارس الابتدائية والثانوية في مناطق ذات امتيازات أقل، أي أطفال الفقراء. وهذا يجعل السودان يبدو وكأنه احتكار، لأن كل شيء يذهب للأثرياء الذين يستطيعون توفير تعليم أفضل لأبنائهم، وهم يعتقدون أنهم يقومون بعمل جيد).
فنظام الاختبارات هذا يصنفه الأستاذ عثمان على أنه (نظام طبقي غير عادل ضد أطفال المناطق الفقيرة، لأنه سيخلق خلال السنوات العشر القادمة فجوة واسعة تحتكرها بعض العائلات في مهن الطب والصيدلة والعلوم الطبية والهندسية، بينما بقية الفقراء لن يحالفهم الحظ في العمل، أو سيصبحون متخلفين تعليمياً في الشوارع والأزقة، وهذه كارثة على الأمة، وسيكون هناك خلل تنموي حقيقي).

كيف يكون ذلك الخلل التنموي كارثة على الأمة وليس الأفراد فقط ؟ يقول البروفيسور عثمان: (إن أبناء الأغنياء الذين درسوا في أفضل الجامعات والكليات لن يذهبوا للعمل في المناطق المحرومة في الريف، وسيحتشدون في المدن، وأهل الريف يرحمهم الله). وكأستاذ جامعي، فقد لاحظ أن معظم الطلاب في الكليات العلمية مثل الطب والصيدلة والمختبرات والأشعة والهندسة وغيرها هم في الغالب أبناء الأغنياء والوزراء والمغتربين و. إذا استمر الوضع بهذه الصورة، سيدمر السودان تماماً.

ويقول الأستاذ عثمان: «لقد لاحظت أن أكثر من 70% من هذه الكليات من الفتيات. هل هؤلاء الفتيات جاهزات للعمل في مناطق الصعوبات في أي خطة تنموية؟). وقبل اختتام مقالته، اقترح الأستاذ عثمان تغيير نظام القبول والنسب المئوية بتقسيمها إلى ثلاث مجموعات، يكون فيها:

25% من الطلاب المقبولين من المدارس خاصة ونموذجية

25% من المدارس حكومية في العاصمة القومية والمدن الكبرى

50% من المدارس العامة في المناطق الريفية

والشاهد من هذا الاستشهاد المطول من حديث البروفيسور محمد زين العابدين عثمان من جامعة الزعيم الأزهري؛ أن التعليم في السودان صار تعليماً طبقياً وقفاً للأغنياء والمقتدرين، وذلك ما سجلته الأرقام الرسمية للدولة من إعلانها الرسمي لنتائج الشهادة السودانية، بينما حُرمت بقية الرعية من الفقراء من الحصول على هذا الحق.

وتقف نتائج الشهادة السودانية بصورتها الحديثة شاهداً على صدق الرجل، ومؤيدة لواقع الحال، إذ تحتكر الخرطوم ومدارسها الخاصة كل مجالات التفوق، وهي للمقتدرين فقط دون الفقراء من السودانيين. ولم يكن الأمر كذلك حين كان العدل يسود ربوع الوطن، حيث كان يتصدر أوائل الجمهورية ولد أو بنت من حنتوب أو الفاشر الثانوية، وأحياناً رمبيك أو دنقلا الثانوية. وربما يكون الطالب من الشمال أو الجنوب، وربما يكون مسلماً من أم درمان الثانوية، أو مسيحياً مثل ماريو بيتر بوجالي (رمبيك الثانوية 1965)، أو مثل (إلينور أوكسد نوسيان) من مدرسة الراهبات 1966، أو (أنيل كومار كوناني) – السوداني من أصل هندي – كمبوني 1967 الخرطوم.

كان الطلاب من المناطق الريفية يتفوقون في التعليم في الماضي، بسبب العدالة في تساوي الفرص في التعليم، إذ كان يتم تدريسهم من قبل مدرسين ممتازين حصلوا على نفس المؤهلات، وتم تدريبهم في نفس معهد تدريب المعلمين العالي بأم درمان (HTTI) ، كما كان يتم تدريسهم نفس المنهج من نفس الكتب الدراسية، بالإضافة إلى جلوسهم لنفس الاختبارات التي كان تنظيمها والإشراف عليها يتم بكل نزاهة من قبل وزارة التربية والتعليم. وكانت حالات الغش نادرة أو منعدمة بين الممتحنين، ويتم تصحيح الاختبارات من قبل مدرسين محترفين ذوي خبرة وسمعة طيبة.

وما لم يذكره البروفسيرعثمان الممارسات تتعلق بالاختبارات مثل ظاهرة الغش، التي يبرع فيها طلاب الحضرـ بحكم معطيات الحضارة المادية المتوافرة لديهم من وصائد الاتصال الحديثة كالموبايل، والتي يتفنن طلاب المدن في استخدامهما بحكم توافرها لديهم واجادة استخدام هذه التقنيات وهو امر لا يتوافر للأغلبية من طلاب الأرياف.

5.0. الشهادة السودانية الآن:
تشير الاحوال إلى تدهور التعليم بسبب الفساد في عملية التقويم التربوي (الاختبارات). فالاختبار – كما نعلم – عبارة عن علاقة تعاقدية بين الطالب والمدرسة، حيث يؤدي الطالب في نهاية تعليمه امتحاناً، بشرط أن يكون مستوفياً لشروط الاختبار الجيد، القائم على أسس علمية وتعليمية، وخالياً من الأخطاء، مع صحة المحتوى وشموليته. لكن اليوم يتم وضع العديد من الاختبارات من خارج المناهج الدراسية، مما يجعلها تفتقر إلى صدق المحتوى (content validity) ، وغنية بالأخطاء العلمية والفنية. كما يجري الغش من قبل بعض الطلاب تحت أعين إدارة المدرسة، وأحياناً بتواطؤ بعض المراقبين في غرف الاختبار. و في مثل هذه الظروف والملابسات، ومع مثل هذه الأخطاء، يترك الطالب المدرسة ويودع تعليمه في المدرسة الثانوية بأسوأ انطباع أو شعور يمكن أن يحمله.
يجلس معظم الطلاب للاختبارات ثم يغادرون المدرسة ولديهم اعتقاد جازم بأن جميع الاختبارات كانت مزحة كبيرة، اذ يلاحظون بعض الممارسات السيئة وبعضهم قد يعتبرها من اعمال البطولة أن يغش في الاختبار مثلاً. لقد أصبح الغش وتسريب الاختبارات ظاهرة تقصم ظهر التعليم في بلادنا، حيث يمارس كثير من الطلاب الغش باستخدام حيل كثيرة تحت أعين المراقبين في قاعة الاختبارات. ويلعب بعض المعلمين عديمي الضمير دوراً رئيسياً كميسّرين لعملية الغش هذه. وهذه الممارسات ستولد على المدى القريب والبعيد جيلاً من محترفي الغش، الذين سيبدأون حياتهم المهنية بالحصول على ورقة مزورة تؤهلهم للحصول على وظيفة في الحكومة أو المؤسسات الخاصة، ومن ثم سيكون لدينا جيل من:

· قضاة مرتشين

· وكلاء نيابة فاسدين

· ضباط شرطة زائفين ومزوّرين

· رجال أعمال انتهازيين

· أطباء ومهندسين ومحامين وفنيين غير مؤهلين

· أمهات غشاشات

· أئمة مساجد كاذبين

· علماء إفتاء منافقين أفّاكين، يحوّرون نصوص الدين، فيحللون ما حُرّم ويحرّمون ما حُلّل حسب مقتضى الحال.

وعلى مثل هؤلاء الأشخاص الخادعين أصحاب المهن تقوم إدارة وبناء الدولة! وأي دولة تقوم ركائزها على الغش في التعليم ومؤهلات الاحتيال، سينتشر الفساد في ربوعها. ونرى الآن كيف تتم إدارة العديد من شؤون العباد والبلاد عن طريق الرشوة والغش والمحسوبية والحظوة، لأن سلوك الغش كان أمراً طبيعياً وغير (مُجرَّم) منذ أيام التلمذة الأولى في المدرسة. ثم تكون الكارثة عندما يتم تأمين وظائف لمثل هؤلاء المهنيين بنفس الطريقة الفاسدة التي حصلوا بها على مؤهلاتهم الدراسية، ذلك لأن هشاشة القوانين وتطبيقها أمّنت لهؤلاء الفاسدين الملعب، لأنهم أمنوا المساءلة والعقاب فأساؤوا الأدب. يتبع>>>

aahmedgumaa@yahoo.com

عن د. أحمد جمعة صديق

شاهد أيضاً

الاختبارات المدرسية: أداة لقياس التحصيل العلمي وضبط جودة التعليم

اعدادالدكتور أحمد جمعة صديقجامعة الزعيم الأزهري الحلقة (3)الاستخدام غير العادل للاختبارات حول العالمديباجةتُعدّ الاختبارات من …