“دنيا لا يملكها من يملكها
أغنى أهليها سادتها الفقراء
الخاسر من لم يأخذ منها
ما تعطيه على استيحاء
والغافل من ظنّ الأشياء
هي الأشياء”… الفيتوري.
ليست في السودان اليوم حربٌ بالمعنى التقليدي، بل استعراضٌ طويل لجريمة قديمة تُعاد بوجوه جديدة. سوقُ الميليشيات مفتوح، تُباع فيه قطعُ الوطن: قطعة لقبيلة، وأخرى للعقيدة وثالثة لسلطة تآكلت وهي تلتهم الشعبَ فرداً فردا. الكيزان الذين صنعوا الوحش بأيديهم، يعودون ليصرخوا في الناس للاستنفار. كأنّ الذئب، بعد أن فرغ من الوليمة، قرر أن يرتدي ثياب الراعي.
في كسلا والخرطوم وأطراف هذه البلاد المنهكة، تتكاثر الحركات المسلحة كالفطر، تظهر تحت راياتٍ مختلفة وشعاراتٍ واحدة: «الدفاع عن الوطن». أيُّ وطنٍ هذا الذي يُستدعى إليه الأطفال بدل الجنود؟ أيُّ إيمانٍ هذا الذي يُجيز لأبناء الكيزان والفلول أن يدرسوا في عواصمٍ مضيئة، بينما يُدفن أبناء الفقراء في رمال الوطن المظلمة؟
عقودٌ من الوهم باعها الكيزان للشعب: يرفعون المصحف باليد اليمنى، ويخفون تحت اليسرى قوائمَ المغانم. وعندما تشتعل البلاد، يتصايحون «هي لله» ثم يختبئون خلف الأسوار العالية، منتظرين أن يطفئ الفقراء الحريق بأجسادهم. لا يريدون وطناً حياً، بل مسرح حربٍ دائمٍ يبقيهم في المقدمة ممسكين بالميكروفون، يقبضون الأرباح وينقسم الناس إلى ديكور وتمثيل.
الاستنفار الذي يشيّعونه ليس دفاعاً عن الوطن، بل مسرح دموي لجريمة تُلبس بثوب الوطنية. يلوّحون بأن المجتمع الدولي يريد إدخال «الدعم السريع» بدل الجيش، والحقيقة الأمّ: الحل السلمي يزيح نفوذ الميليشيا، بينما الحرب تمدّ عمرَ القتلة وتحوّل دماء الشعب إلى وقودٍ لبقائهم.
أحمد هارون وعلي كرتي، المطلوبان دوليًا، يقفان وراء هذا الجنون؛ فكل انفجار وكل بندقية وكل دمعة هي أدوات لإبقائهم في السلطة واستبعاد العدالة.
ووسط هذا الجنون، يطلّ رئيس الوزراء العجيب، كامل ادريس (ال ماعارف وين الله قاطه، على قول الكوايتة) تائهٌ بوجهٍ مرتاح. يعلن عن مشروع حديقة للحيوان. تفصيلةٍ تافهة، بينما تنهار البلاد ويموت الأبرياء. هذا ليس انحرافاً بريئاً، بل انهيارٌ أخلاقيّ كامل: من يسرق الوطن يحوّل الألمَ إلى ديكور لتفاهاته، ويجعل من الخراب مسرحاً لصوره الوهمية التي تمنحه وهم البقاء.
أبناء النخبة يتلذذون بمذاق الحماية في عواصم آمنة، يدرسون ويتهامسون في مقاهٍ مريحة، بينما أولئك الذين غرست فيهم الحياة جذورَ الانتماء يُقتلعون من مقاعدهم المدرسية ليُلقى بهم إلى جبهاتٍ لا تعنيهم سوى أن يستبدلوا حريتهم بأبطالٍ وهميين. فيديو قديم لعرابهم الترابي يكشف شكل النفاق: يهتفون للحرب عن بعد ثم يرسلون أبناء الفقراء ليدفعوا ثمنَ بطولاتٍ لم يطلبوها.
أتعجب كيف يصدق السودانيون الأساطير نفسها مرارا؛ كيف تظل صيحات «هي لله» تتردّد حتى يتعب الصوت وتنكسر الحقيقة. التاريخ يغني على وترٍ واحد: من يزرع الإجرام يحصد الخراب، ومن يبرر الجريمة باسم الوطن لا يملك شهادة نقاء واحدة.
الاستنفار الصحيح ليس استنفار البنادق، بل استنفارٌ مدنيٌ واعٍ: حراك شعبي منظم (تقوده صمود) يطالب بالعدالة والمحاسبة، باستعادة مؤسسات الدولة، وبجيشٍ حصينٍ للشعب لا أداةً في يد المتصارعين. لا بدّ من لائحة مطالب واضحة، من ضغط داخليّ ودولي يكشف ازدواجية المعايير ويمنع تجنيد الأطفال ويضع حداً لترفِ أبناء النخبة في الخارج على حساب حياة المواطنين. العمل الوطني الحكيم منضبط قانونياً، قادرٌ على الاستمرار دون أن يتحوّل إلى آلةِ انتقامٍ لا تبقي ولا تذر.
الوقت لم يعد يحتمل المراوحة؛ الشعب مطالب بتوحيد صفوفه وصياغة مشروع انتقال سلميٍ وديمقراطي فعلي. ليست هذه أبواق ثأرٍ بل صيحة إنقاذ فعليّة: استعادة الدولة الحقيقية، بجيش يحمي المواطنين، ومحاكم مستقلة تحاسب المجرمين، ومؤسسات تُستعاد إليها ثقة الناس لا ثقةَ الميليشيات.
قد يفتحون مئة سوق ودكان لعنف المليشيات، وقد يبدّلون أسماءهم وأزيائهم، لكنّ الذاكرة لا تُشترى، والدم لا يُنسى. سيأتي اليوم الذي تُغلق فيه أسواق الحرب، ويُعلّق على أبوابها لافتة واحدة: “مغلق بأمر الشعب”.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم