الاقتصاد السياسي لقوات الدعم السريع في السودان: الدولة داخل الدولة، مصادر التراكم، شبكات النفوذ، وتحولات الدولة والاقتصاد غير الرسمي(الجزء الثاني)
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الشبكات الاقتصادية والاقتصاد غير الرسمي
العلاقة مع القطاع الخاص المحلي
تتسم العلاقة بين قوات الدعم السريع والقطاع الخاص المحلي بطابع تبادلي غير متكافئ، حيث تُدمج الأنشطة الاقتصادية الرسمية داخل منظومة نفوذ قسري تُعيد تشكيل قواعد السوق. تعتمد هذه العلاقة على حماية الأنشطة التجارية مقابل الامتثال المالي أو الشراكة القسرية، ما يؤدي إلى إعادة توجيه رأس المال الخاص نحو قطاعات مرتبطة بالأمن والموارد الطبيعية، خاصة الذهب والخدمات اللوجستية (de Waal، 2024؛ Baldo، 2025). وتشير تقديرات إلى أن ما بين 60% و80% من صادرات الذهب السوداني خلال الفترة 2018–2023 خرجت عبر قنوات غير رسمية أو شبه رسمية، حيث لعبت شبكات مرتبطة بقوات الدعم السريع دوراً محورياً في تنظيم عمليات الاستخراج والنقل والتصدير (Global Initiative، 2025؛ World Bank، 2024). كما تُظهر بيانات البنك الدولي أن السودان أنتج ما بين 90 إلى 110 طن من الذهب سنوياً خلال الفترة 2017–2022، بينما تم تسجيل أقل من نصف هذه الكميات رسمياً، مما يعكس فجوة كبيرة بين الإنتاج الفعلي والصادرات الرسمية (World Bank، 2024).
كما تتراجع استقلالية القطاع الخاص تدريجياً لصالح نمط من “الرأسمالية العسكرية” حيث تصبح الشركات واجهات أو شركاء ضمن شبكات النفوذ المسلح (Mailey، 2025). ويتجلى ذلك في توسع الشركات المرتبطة بالأجهزة الأمنية في قطاعات النقل البري، والخدمات اللوجستية، وتجارة الوقود، حيث تُمنح امتيازات احتكارية في بعض المناطق مثل دارفور وشمال كردفان، مما يؤدي إلى إقصاء المنافسين المستقلين. وتشير تقارير ميدانية إلى أن أكثر من 40% من شركات النقل البري في غرب السودان بحلول عام 2022 كانت مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بشبكات مسلحة (International Crisis Group، 2024). كما تُفرض رسوم غير رسمية تتراوح بين 5% و15% من قيمة البضائع المنقولة عبر هذه الشبكات، مما يزيد من تكاليف السوق ويؤثر على الأسعار النهائية.
شبكات الوساطة القبلية والاقتصادية
تؤدي البنى القبلية دوراً محورياً في الوساطة بين الفاعلين المسلحين والمجتمعات المحلية، حيث تُستخدم الروابط الاجتماعية لتسهيل الوصول إلى الموارد وتنظيم العمل في قطاعات مثل التعدين والنقل. تعمل هذه الشبكات كآليات توزيع للمنافع، لكنها في الوقت ذاته تعيد إنتاج عدم المساواة وتعزز اقتصاداً قائماً على الولاء بدلاً من الكفاءة (Tubiana، 2023؛ Young، 2023). ففي مناطق مثل جبل عامر في ولاية شمال دارفور، تُستخدم الهياكل القبلية لتنظيم الوصول إلى المناجم، حيث يتم تخصيص مناطق استخراج لمجموعات محددة مقابل دفع رسوم أو تقديم دعم عسكري.
كما تمثل الوساطة القبلية أداة لتقليل تكاليف السيطرة المباشرة، ما يسمح بتمدد النفوذ الاقتصادي دون الحاجة إلى إدارة بيروقراطية رسمية. وتشير بيانات ميدانية إلى أن أكثر من 70% من العمالة في قطاع التعدين التقليدي في دارفور تعمل ضمن شبكات قبلية أو محلية غير رسمية (Young، 2023). كما تُظهر دراسات أن عدد العاملين في التعدين التقليدي في السودان تجاوز مليوني شخص بحلول عام 2021، مع تركز كبير في دارفور ونهر النيل والبحر الأحمر، حيث تُدار معظم هذه الأنشطة عبر ترتيبات قبلية (SIPRI، 2024).
الامتداد الإقليمي (تشاد، ليبيا، جنوب السودان)
يمتد النشاط الاقتصادي لقوات الدعم السريع عبر الحدود، مستفيداً من هشاشة الدول المجاورة وضعف الرقابة الحدودية. في تشاد وليبيا وجنوب السودان، تتداخل شبكات التجارة غير الرسمية مع أنشطة التهريب وتجارة الذهب، مما يخلق فضاءً اقتصادياً إقليمياً مترابطاً خارج سيطرة الدولة السودانية (Global Initiative، 2025؛ International Crisis Group، 2024). وتُستخدم طرق مثل المثلث الحدودي بين السودان وليبيا وتشاد لنقل الذهب والوقود والأسلحة، حيث تشير تقارير إلى مرور ما بين 200 إلى 300 شاحنة شهرياً عبر هذه المسارات منذ عام 2019، مع زيادة ملحوظة بعد عام 2021.
كما تُستخدم مدن مثل الكفرة في ليبيا وأبشي في تشاد وراجا في جنوب السودان كنقاط عبور رئيسية، مما يعزز من تكامل هذه الشبكات الإقليمية. وتشير بيانات إلى أن ما لا يقل عن 30% من تجارة الذهب غير الرسمية تمر عبر هذه المراكز الحدودية قبل إعادة تصديرها إلى الأسواق العالمية (Global Initiative، 2025). هذا الامتداد يعزز قدرة هذه القوات على تنويع مصادر دخلها وتقليل اعتمادها على الاقتصاد الوطني، حيث يُقدّر أن نسبة كبيرة من العائدات تأتي من أنشطة خارج الحدود، خاصة في ظل تراجع الإنتاج المحلي في بعض الفترات بسبب النزاع.
الشبكات العابرة للحدود كمنظومة تمويل مستقلة عن الدولة السودانية
تُشكل الشبكات العابرة للحدود بنية تمويلية مستقلة تعتمد على تحويلات مالية غير رسمية، وتجارة سلع استراتيجية، وعلاقات مع وسطاء إقليميين. تعمل هذه الشبكات وفق منطق اقتصادي مرن يتجاوز القيود التنظيمية، مما يسمح بتدفقات مالية مستمرة حتى في ظل العقوبات أو الانهيار المؤسسي (UN Panel of Experts، 2024؛ Soliman، 2025). وتشير تقديرات إلى أن ما بين 3 إلى 5 مليارات دولار من عائدات الذهب السوداني تم تحويلها سنوياً عبر شبكات مالية خارجية خلال الفترة 2019–2022، مع تركّز كبير في أسواق مثل دبي (World Bank، 2024).
كما تعتمد هذه الشبكات على أنظمة تحويل غير رسمية مثل الحوالة، حيث تُنفذ المعاملات دون المرور بالنظام المصرفي الرسمي، مما يصعّب تتبع التدفقات المالية. وتُستخدم كذلك شركات واجهة مسجلة في دول أخرى لإخفاء مصدر الأموال، مما يعزز من استقلال هذه المنظومة التمويلية.
خرائط شبكية لتدفقات المال والسلع والأشخاص
يمكن تصور الاقتصاد المرتبط بهذه القوات كشبكة متعددة العقد، حيث ترتبط مناطق التعدين بمراكز التصدير عبر وسطاء، وترتبط هذه بدورها بشبكات مالية إقليمية. تتدفق السلع (كالذهب) في اتجاه، بينما تتدفق الأموال والخدمات اللوجستية في الاتجاه المعاكس، مع وجود تدفقات بشرية تشمل العمالة والتجنيد (SIPRI، 2024). وتشير بيانات إلى أن عدد العاملين في التعدين التقليدي في السودان يتجاوز مليوني شخص، ما يجعل هذه الشبكات ذات تأثير اجتماعي واسع.
كما تشمل التدفقات البشرية حركة مقاتلين ومرتزقة عبر الحدود، خاصة في مناطق النزاع، حيث تشير تقارير إلى انتقال مئات المقاتلين سنوياً بين السودان وليبيا خلال الفترة 2018–2023. وتُستخدم هذه الشبكات أيضاً لنقل الوقود والمواد الغذائية، مما يجعلها بنية لوجستية متكاملة.
العقد الوسيطة بين الدولة والفاعلين المسلحين والقطاع الخاص
تلعب العقد الوسيطة دوراً مركزياً في الربط بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، وتشمل شركات واجهة، وسماسرة، وقيادات محلية. هذه العقد تُسهل نقل الموارد بين مختلف المستويات، وتعمل كآليات تكيّف مع القيود القانونية، ما يسمح باستمرار النشاط الاقتصادي رغم تعارضه مع القوانين الرسمية (Clingendael Institute، 2024). وتشمل هذه العقد شركات مسجلة رسمياً لكنها تعمل كواجهات لنشاطات غير رسمية، إضافة إلى وسطاء ماليين يديرون عمليات تحويل الأموال عبر الحدود.
كما تُستخدم هذه العقد لتنسيق العلاقات بين الفاعلين المختلفين، بما في ذلك الدولة، مما يخلق شبكة معقدة من المصالح المتداخلة.
مركزية ولا مركزية الشبكات الاقتصادية وتأثيرها على الاستقرار السياسي
تتميز هذه الشبكات بدرجة عالية من اللامركزية في التشغيل، لكنها قد تتسم بمركزية في التحكم الاستراتيجي من قبل قيادات محددة. هذا التوازن بين المركزية واللامركزية يمنحها مرونة عالية وقدرة على الصمود، لكنه في الوقت ذاته يعزز حالة عدم الاستقرار السياسي من خلال تعدد مراكز القوة الاقتصادية (de Waal، 2024). ففي حين تُدار العمليات اليومية بشكل محلي، يتم اتخاذ القرارات الاستراتيجية على مستوى القيادة العليا، مما يخلق بنية هجينة تجمع بين اللامركزية التشغيلية والمركزية السياسية.
تحول الشبكات إلى بنية سيادية بديلة للدولة
مع تزايد استقلالية هذه الشبكات، تتحول تدريجياً إلى بنية سيادية بديلة، حيث تؤدي وظائف تقليدية للدولة مثل الجباية، وتنظيم التجارة، وتوفير الحماية. هذا التحول يعيد تعريف مفهوم السيادة ليصبح موزعاً بين عدة فاعلين (International Crisis Group، 2024). ففي بعض المناطق، يتم تحصيل رسوم تتراوح بين 10% و20% من قيمة السلع عند نقاط التفتيش غير الرسمية، ويتم تنظيم الأسواق المحلية من قبل هذه الشبكات بدلاً من السلطات الحكومية.
إعادة تشكيل الاقتصاد الوطني عبر وسائط متعددة مستقلة
تُعيد هذه الشبكات تشكيل الاقتصاد الوطني عبر خلق مسارات موازية للتجارة والاستثمار، مما يؤدي إلى تفكيك السوق الموحدة وتحويلها إلى مجموعة من الأسواق الجزئية المرتبطة بشبكات نفوذ مختلفة (World Bank، 2024). ويؤدي ذلك إلى تفاوت كبير في الأسعار وتوفر السلع بين المناطق، حيث قد تصل فروقات الأسعار بين المدن إلى أكثر من 50% نتيجة اختلاف تكاليف النقل والرسوم غير الرسمية.
أثر الاقتصاد السياسي على الدولة السودانية
تآكل مركزية الدولة
يؤدي انتشار الشبكات الاقتصادية المسلحة إلى تقويض قدرة الدولة على التحكم في الموارد، مما يضعف مركزيتها ويحولها إلى أحد الفاعلين بدلاً من كونها الفاعل المهيمن (de Waal، 2024). وتشير تطورات ما بعد 2019 إلى تراجع قدرة الحكومة على فرض سياسات اقتصادية موحدة، خاصة في المناطق الطرفية، حيث أصبحت بعض المناطق خارج السيطرة الفعلية للدولة.
ازدواج السلطة الاقتصادية والأمنية
ينشأ نظام مزدوج تتقاسم فيه الدولة والفاعلون المسلحون السيطرة على الموارد والأمن، ما يؤدي إلى تضارب في السياسات وفقدان التنسيق المؤسسي (International Crisis Group، 2024). ويظهر ذلك في تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والضرائب على نفس الأنشطة الاقتصادية، حيث قد يدفع التاجر رسوماً لعدة جهات في نفس المسار.
ضعف الإيرادات العامة
تُحول الموارد إلى قنوات غير رسمية، مما يقلل من الإيرادات الضريبية ويحد من قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة (IMF، 2024). وتشير بيانات إلى أن نسبة الإيرادات إلى الناتج المحلي الإجمالي في السودان انخفضت إلى أقل من 10% في بعض السنوات، مقارنة بمتوسط 15% في دول مماثلة.
تشوه بنية الاقتصاد الوطني
يؤدي الاعتماد على أنشطة ريعية وغير رسمية إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية، مما يخلق اقتصاداً غير متوازن يعتمد على الموارد الطبيعية والأنشطة غير المنظمة (World Bank، 2024). كما تتراجع مساهمة القطاعات الصناعية والزراعية المنظمة، حيث انخفضت مساهمة الصناعة إلى أقل من 10% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2022.
تفكك السيادة المالية حيث تصبح الدولة غير قادرة على تتبع أو احتكار الإيرادات الأساسية
تفقد الدولة قدرتها على مراقبة التدفقات المالية، مما يؤدي إلى ظهور أنظمة مالية موازية خارج سيطرتها (UN Panel of Experts، 2024). ويشمل ذلك استخدام عملات أجنبية في المعاملات المحلية، حيث أصبحت بعض المناطق تعتمد بشكل كبير على الدولار أو العملات الإقليمية.
السياسات النقدية والبنك المركزي وسعر الصرف
تتأثر السياسات النقدية بوجود تدفقات مالية غير رسمية، مما يحد من فعالية البنك المركزي ويؤدي إلى تقلبات في سعر الصرف (IMF، 2024). وقد شهد الجنيه السوداني تراجعاً حاداً في قيمته، حيث انخفض من حوالي 55 جنيهاً مقابل الدولار في 2018 إلى أكثر من 600 جنيه في السوق الموازي بحلول 2023.
الاقتصاد الموازي والانكماش الاقتصادي الكلي
يسهم توسع الاقتصاد الموازي في تقليص القاعدة الضريبية وإضعاف النشاط الاقتصادي الرسمي، مما يؤدي إلى انكماش اقتصادي عام (African Development Bank، 2024). وتشير تقديرات إلى أن الاقتصاد غير الرسمي يمثل أكثر من 60% من النشاط الاقتصادي في السودان.
العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل
تؤدي هذه التحولات إلى زيادة التفاوت في توزيع الدخل، حيث تتركز الثروة في أيدي شبكات محدودة مرتبطة بالقوة المسلحة (Young، 2023). ويؤدي ذلك إلى تدهور مستويات المعيشة، حيث يعيش أكثر من 60% من السكان تحت خط الفقر بحلول عام 2022.
تحول الدولة إلى شبكة سلطات اقتصادية متنافسة
تصبح الدولة ساحة تنافس بين شبكات اقتصادية متعددة، مما يضعف قدرتها على وضع سياسات موحدة (Clingendael Institute، 2024). وتتنافس هذه الشبكات على الموارد والمناطق، مما يزيد من احتمالات النزاع.
إعادة تعريف وظيفة الدولة الاقتصادية والسيادية
تتحول وظيفة الدولة من إدارة الاقتصاد إلى التفاوض مع فاعلين اقتصاديين مسلحين، مما يعيد تعريف دورها السيادي (de Waal، 2024). ويصبح دورها أقرب إلى التنسيق أو الوساطة بدلاً من التحكم المباشر.
المقارنة مع حالات دولية
ميليشيات اقتصادية في دول نزاع
تُظهر المقارنات الدولية أن الميليشيات المسلحة في سياقات النزاع لم تعد كيانات عسكرية مؤقتة، بل تحولت إلى فاعلين اقتصاديين منظمين يمتلكون شبكات إنتاج وتوزيع خاصة بهم، حيث تشير بيانات النزاعات إلى أن أكثر من 60% من الجماعات المسلحة غير الحكومية في إفريقيا جنوب الصحراء أصبحت تعتمد جزئياً أو كلياً على مصادر تمويل داخلية مرتبطة بالموارد الطبيعية والتجارة غير الرسمية بحلول عام 2020، مع ارتفاع هذه النسبة إلى ما يقارب 70% في بعض مناطق الساحل والصحراء بحلول عام 2022 نتيجة تراجع الدعم الدولي وتوسع الاقتصاد غير الرسمي (SIPRI, 2023). في حالات مثل ليبيا بعد 2011، سيطرت الميليشيات على موانئ تصدير النفط مثل الزاوية ورأس لانوف والسدرة، وعلى طرق التهريب الممتدة إلى تونس والنيجر وتشاد، مما مكّنها من تحقيق إيرادات سنوية غير رسمية قُدرت بما بين 500 مليون و1.5 مليار دولار خلال الفترة 2014–2020، خاصة من تهريب الوقود والبشر والسلع المدعومة (de Waal, 2024). وفي الصومال، سيطرت حركة الشباب على طرق التجارة الزراعية وموانئ غير رسمية، وفرضت ضرائب على النقل والزراعة والتجارة، حيث قدرت إيراداتها السنوية بين 100 و150 مليون دولار خلال الفترة 2018–2022، مع نظام ضريبي شبه مؤسسي يشمل رسوم على الشاحنات تصل إلى 5–10% من قيمة البضائع (Tubiana, 2023). هذه الظاهرة تشير إلى نمط متكرر يتمثل في انتقال الميليشيات من الاعتماد على الدعم الخارجي إلى بناء اقتصاد ذاتي قائم على السيطرة المكانية والموارد، مع توظيف العنف كوسيلة لضبط الأسواق المحلية والإقليمية، وتأسيس هياكل إدارية موازية تشمل تحصيل الضرائب وتنظيم التجارة، وإنشاء شبكات لوجستية تمتد عبر الحدود بطول مئات الكيلومترات، خاصة في المناطق ذات الحدود المفتوحة مثل الساحل والصحراء.
الجيوش الاقتصادية شبه الرسمية
في بعض السياقات، تتحول القوات شبه النظامية إلى كيانات اقتصادية مدمجة جزئياً في الدولة، كما في حالات الجيوش الاقتصادية في مصر وباكستان، حيث تشير التقديرات إلى أن المؤسسة العسكرية المصرية تسيطر على ما بين 20% و30% من الاقتصاد الوطني عبر شركات في قطاعات البناء والطاقة والمواد الغذائية والبنية التحتية، مع شبكة تضم مئات الشركات ومشروعات قومية كبرى (Johnson, 2022). وفي باكستان، تدير المؤسسة العسكرية شبكات اقتصادية عبر مؤسسات مثل “مؤسسة فوجي” و“مؤسسة الجيش”، التي تملك أصولاً بمليارات الدولارات وتعمل في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات المالية. إلا أن حالة السودان تختلف من حيث أن قوات الدعم السريع تمثل نموذجاً أكثر سيولة وتعقيداً، حيث تجمع بين الطابع شبه الرسمي والاستقلال الاقتصادي العالي، مع سيطرة مباشرة على موارد الذهب في مناطق مثل جبل عامر في دارفور، الذي يُقدر إنتاجه بما بين 30 و50 طناً سنوياً خلال بعض السنوات بين 2015 و2020، بقيمة سوقية قد تتجاوز 1.5 إلى 2.5 مليار دولار سنوياً حسب الأسعار العالمية (International Crisis Group, 2024). هذا النمط يجعلها أقرب إلى “فاعل اقتصادي مسلح هجين” يجمع بين خصائص الدولة والميليشيا والسوق، مع قدرة على التحرك داخل الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي في آن واحد.
تحويل الميليشيات إلى فاعلين اقتصاديين دائمين وليس فقط فاعلين عسكريين مؤقتين
تشير الأدبيات إلى أن استمرار النزاع يخلق حوافز قوية لتحويل الميليشيات إلى كيانات اقتصادية دائمة، حيث يصبح الاقتصاد أداة للاستدامة وليس مجرد وسيلة تمويل، مع تحول الموارد مثل الذهب والنفط والتهريب إلى مصادر دخل ثابتة ومستقرة نسبياً حتى في ظل تقلبات الصراع (Baldo and Soliman, 2025). في السودان، يُقدّر أن قطاع الذهب غير الرسمي شكّل ما بين 70% و80% من إجمالي إنتاج الذهب خلال الفترة 2015–2023، مع تهريب كميات تتراوح بين 50 و80 طناً سنوياً عبر الإمارات وتشاد وليبيا، وهو ما يمثل قيمة مالية تتجاوز 3 إلى 5 مليارات دولار سنوياً حسب الأسعار العالمية (Global Initiative, 2025). هذا التحول يعتمد على بناء شبكات تجارية عابرة للحدود تشمل وسطاء وشركات واجهة وشبكات نقل، ما يسمح بتحويل الموارد المحلية إلى عملات صعبة، وتعزيز الاستقلال المالي للكيان المسلح حتى في فترات انخفاض شدة النزاع، إضافة إلى استخدام هذه الموارد في شراء الأسلحة وتوسيع النفوذ السياسي والعسكري.
معيار مقارن موحد لقياس درجة “تغلغل الاقتصاد العسكري في الدولة”
يمكن تطوير معيار مقارن يقوم على ثلاثة أبعاد رئيسية:
- حجم الإيرادات المستقلة عن الدولة، والذي قد يصل في بعض الحالات إلى مليارات الدولارات سنوياً كما في حالات السيطرة على النفط أو الذهب
- درجة الاندماج في المؤسسات الرسمية، مثل الاعتراف القانوني أو المشاركة في الحكم أو الحصول على ميزانيات رسمية
- القدرة على التأثير في السياسات الاقتصادية الوطنية، بما في ذلك التحكم في سعر الصرف أو تدفقات الموارد أو التجارة الخارجية
هذا المعيار يسمح بتصنيف الحالات من “اقتصاد عسكري تابع” إلى “اقتصاد عسكري مهيمن”، حيث تقع حالات مثل السودان وليبيا في مستويات متقدمة من التغلغل مقارنة بحالات أخرى في إفريقيا وآسيا (SIPRI, 2023).
متغيرات مقارنة: حجم الإيرادات، درجة الاندماج في الدولة، مستوى الاستقلال المالي
تشير المقارنة إلى أن حجم الإيرادات المرتبطة بالموارد الطبيعية يمثل العامل الحاسم في تحديد قوة الفاعل المسلح اقتصادياً، حيث تتراوح الإيرادات في بعض الحالات بين عشرات الملايين إلى مليارات الدولارات سنوياً، كما أن درجة الاندماج المؤسسي تحدد مدى شرعيته السياسية، خاصة عندما يحصل على اعتراف رسمي أو يشارك في الحكومة، بينما يحدد مستوى الاستقلال المالي قدرته على تحدي الدولة أو إعادة تشكيلها، خصوصاً عندما يمتلك القدرة على الوصول إلى العملات الأجنبية وشبكات التجارة الدولية والأسواق العالمية مثل سوق الذهب في دبي أو إسطنبول (Global Initiative, 2025).
الفروقات البنيوية بين الحالات وعدم تجانسها التاريخي والمؤسسي
تختلف الحالات الدولية من حيث السياقات التاريخية، فبعضها نشأ في إطار انهيار كامل للدولة كما في الصومال منذ 1991، بينما نشأت أخرى داخل دول قائمة ولكن ضعيفة كما في السودان بعد 2011، حيث استمرت المؤسسات الرسمية لكنها فقدت السيطرة على أجزاء واسعة من الاقتصاد. هذا الاختلاف يؤثر على طبيعة العلاقة بين الفاعلين المسلحين والدولة، حيث تتراوح بين الاستبدال الكامل للدولة والتعايش التنافسي معها، كما تؤثر العوامل الجغرافية مثل الحدود المفتوحة التي تمتد لآلاف الكيلومترات، والعوامل الاقتصادية مثل وجود موارد طبيعية عالية القيمة، في تشكيل هذه النماذج (de Waal, 2024).
تحول النموذج المقارن إلى نظرية عامة للدولة الهجينة المسلحة
تسمح هذه المقارنات ببناء إطار نظري أوسع يفسر الدولة الهجينة ككيان يجمع بين المؤسسات الرسمية وشبكات القوة غير الرسمية، حيث لا تختفي الدولة بل يعاد تشكيلها عبر توازنات بين الفاعلين، وتصبح السلطة موزعة بين مراكز متعددة تشمل الجيش، والميليشيات، والقطاع الخاص، والشبكات الإقليمية، مع وجود تفاعلات معقدة بين هذه المكونات (Clingendael Institute, 2023).
إعادة تعريف الميليشيا كفاعل اقتصادي–دولي مستمر
في ضوء هذه التحولات، يمكن إعادة تعريف الميليشيا ليس فقط كفاعل محلي، بل كجزء من شبكة اقتصادية دولية مرتبطة بأسواق الموارد والتجارة غير الرسمية، حيث ترتبط بأسواق الذهب في دبي التي تستقبل كميات كبيرة من الذهب الإفريقي، وشبكات التهريب في الساحل والصحراء، ما يمنحها بعداً عابراً للحدود واستمرارية تتجاوز السياق الوطني، مع ارتباطها بأنظمة مالية غير رسمية مثل الحوالة (Zaidan, 2025).
النقاش
نموذج “دولة داخل الدولة”
يشير هذا النموذج إلى وجود كيان يمتلك مؤسسات أمنية واقتصادية موازية، مع قدرة على فرض قواعده الخاصة داخل المجال السيادي للدولة، بما في ذلك إنشاء نظم ضريبية غير رسمية، وإدارة موارد طبيعية، وتوفير خدمات أمنية، حيث تشير تقارير إلى أن بعض الفاعلين المسلحين في السودان يسيطرون على مساحات جغرافية واسعة تقدر بمئات الآلاف من الكيلومترات المربعة ويؤثرون في حركة التجارة الداخلية والخارجية، خاصة في مناطق دارفور وكردفان (International Crisis Group, 2024).
نموذج “اقتصاد داخل الدولة”
على عكس النموذج السابق، يركز هذا التصور على أن الكيان لا يسعى إلى استبدال الدولة، بل إلى بناء اقتصاد موازٍ داخلها، مستفيداً من بنيتها دون تفكيكها بالكامل، كما يظهر في استخدام النظام المصرفي الرسمي أو التعاون مع مؤسسات الدولة في بعض المجالات مثل التصدير أو الاستثمار (Johnson, 2022).
حدود الاستقلال الاقتصادي عن الدولة المركزية
رغم امتلاك مصادر تمويل مستقلة، يظل الفاعل المسلح مرتبطاً بالدولة عبر قنوات قانونية وسياسية، مثل الاعتراف الرسمي أو الوصول إلى النظام المصرفي، إضافة إلى الاعتماد على البنية التحتية الوطنية مثل الطرق والموانئ، مما يحد من استقلاله الكامل، كما أن التفاعل مع الاقتصاد العالمي يتطلب وساطة الدولة أو أطراف دولية (Baldo and Soliman, 2025).
الاقتصاد والعنف كآلية حكم
يتحول العنف من أداة للسيطرة إلى وسيلة لإدارة الاقتصاد، حيث تُستخدم القوة لفرض الضرائب، وتأمين طرق التجارة، والتحكم في الأسواق، وتنظيم عمليات التعدين، مما يجعل الاقتصاد والعنف متداخلين بنيوياً، ويؤدي إلى نشوء “اقتصاد القسر” الذي يعتمد على الإكراه في إنتاج وتوزيع الموارد (de Waal, 2024).
التحول من قوة أمنية إلى فاعل اقتصادي يعيد تشكيل مفهوم الدولة
هذا التحول يعيد تعريف الدولة نفسها، حيث تصبح واحدة من عدة فاعلين يتقاسمون السلطة الاقتصادية، وتفقد احتكارها للموارد، مما يؤدي إلى إعادة توزيع السلطة بين الفاعلين الرسميين وغير الرسميين، ويخلق نظاماً سياسياً أكثر تعقيداً وتعددية في مراكز القوة (Tubiana, 2023).
الشرعية السياسية والشرعية الاقتصادية
تُبنى الشرعية في هذه الحالات ليس فقط عبر الاعتراف السياسي، بل عبر القدرة على توفير الموارد والخدمات، مثل الأمن وفرص العمل والدخل، مما يمنح الفاعل المسلح شرعية اقتصادية موازية أو بديلة، خاصة في المناطق المهمشة التي تعاني من ضعف الدولة (Global Initiative, 2025).
سيناريوهات المستقبل: اندماج، تفكك، استقلال اقتصادي
تتراوح السيناريوهات بين اندماج الفاعل في الدولة عبر إصلاحات مؤسسية تدريجية، أو تفكك الدولة إلى كيانات متعددة، أو استمرار الكيان كفاعل اقتصادي مستقل نسبياً داخل إطار دولة ضعيفة، مع احتمالية تحول هذه النماذج إلى حالة مستقرة نسبياً على المدى المتوسط أو الطويل (International Crisis Group, 2024).
إطار تفسيري موحد للاقتصاد السياسي والعنف والدولة
يتطلب فهم هذه الظواهر إطاراً يدمج بين الاقتصاد السياسي ونظريات العنف والدولة، بحيث يُنظر إلى العنف كأداة إنتاج اقتصادي، وإلى الاقتصاد كآلية لإعادة إنتاج السلطة، مع التركيز على التفاعل بين الموارد، والمؤسسات، والشبكات، والتأثيرات الدولية (de Waal, 2024).
الدمج بين التحليل الاقتصادي والتحليل القانوني والدستوري في تفسير بنية الكيان
يتطلب التحليل المتكامل دراسة الأطر القانونية التي تسمح بوجود هذه الكيانات، مثل القوانين التي تشرعن وجود قوات شبه نظامية، إلى جانب تحليل بنيتها الاقتصادية، وتأثير ذلك على الدستور والنظام القانوني، بما في ذلك توزيع السلطات بين المؤسسات (Johnson, 2022).
إعادة تعريف الدولة في سياق تعدد مراكز السيادة القانونية والاقتصادية
في هذا السياق، لا تعود الدولة كياناً موحداً، بل تصبح شبكة من السلطات المتداخلة التي تتقاسم السيادة بطرق غير متساوية، حيث تتوزع السلطة بين مؤسسات رسمية وفاعلين مسلحين وشبكات اقتصادية محلية وإقليمية (Clingendael Institute, 2023).
تحول الدولة إلى نظام حكم شبكي متعدد السيادات
يتجلى ذلك في وجود مراكز قوة متعددة ترتبط ببعضها عبر شبكات اقتصادية وسياسية، بدلاً من هيكل هرمي تقليدي، مما يؤدي إلى إعادة تشكيل مفهوم الحوكمة ليصبح أكثر تعقيداً وتعددية (SIPRI, 2023).
إنتاج نموذج الدولة الهجينة كحالة بنيوية مستقرة نسبياً
تشير الأدلة إلى أن هذه النماذج ليست انتقالية فقط، بل يمكن أن تستقر لفترات طويلة، حيث تصبح جزءاً من بنية النظام السياسي والاقتصادي، مما يتطلب إعادة التفكير في مفاهيم الدولة والسيادة في العلوم السياسية، خاصة في سياقات الدول الهشة (Zaidan, 2025).
الخاتمة
إعادة تركيب النتائج في إطار الاقتصاد السياسي للعنف
تشير التحولات البنيوية في السودان إلى أن الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023 لم تكن انفجاراً مفاجئاً، بل امتداداً لمسار طويل من “تسييس الاقتصاد” و“عسكرة الموارد”، حيث أصبح الذهب، بعد فقدان الدولة السودانية معظم عائدات النفط عقب انفصال جنوب السودان عام 2011، المورد الاستراتيجي المركزي لإعادة إنتاج السلطة (de Waal, 2015). وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن السودان دخل منذ ما بعد 2011 في مرحلة “اقتصاد ما بعد الريع النفطي”، حيث انتقلت النخب العسكرية إلى السيطرة على القطاعات الاستخراجية، وعلى رأسها الذهب الذي ارتفع إنتاجه إلى ما يقارب 80–100 طن سنوياً قبل الحرب، مع سيطرة واسعة لاقتصاد غير رسمي يمتد عبر الحدود (Chatham House, 2025). هذا التحول جعل الحرب الحالية استمراراً لصراع اقتصادي–سياسي على الموارد وليس مجرد صراع سياسي بين مؤسستين عسكريتين.
القوة المسلحة كبنية اقتصادية متكاملة
تُظهر حالة قوات الدعم السريع تحولاً تدريجياً من قوة شبه عسكرية نشأت في سياق حرب دارفور إلى فاعل اقتصادي متكامل يسيطر على سلاسل إنتاج وتوزيع تشمل التعدين الأهلي، النقل المسلح، الجبايات، والتجارة الحدودية، بما يتوافق مع نماذج “الاقتصاد العسكري الهجين” (Mailey, 2023). وتشير تقارير تحليل النزاع إلى أن السيطرة على مناطق تعدين الذهب في دارفور وكردفان منذ 2023 سمحت بإعادة توجيه كميات كبيرة من الذهب عبر شبكات تهريب تمر عبر تشاد وليبيا ومصر وصولاً إلى أسواق إقليمية ودولية، خاصة في الخليج، حيث يتم تكرير ودمج الذهب في سلاسل تجارة عالمية غير رسمية (ENACT Africa, 2025). وتوضح بيانات الأمم المتحدة أن هذه الشبكات لا تعمل بشكل محلي فقط، بل ترتبط بمنظومة إقليمية تشمل دول الجوار والوسطاء التجاريين وشركات وسيطة تعمل ضمن اقتصاد عالمي موازٍ (United Nations Panel of Experts, 2024).
إعادة تشكيل بنية الدولة والاقتصاد
أدى توسع الاقتصاد العسكري إلى تفكك تدريجي في بنية الدولة السودانية بوصفها كياناً مركزياً يحتكر العنف والإيرادات، وتحولها إلى بنية متعددة المراكز تتقاسم فيها قوى مسلحة مختلفة السيطرة على الموارد الاقتصادية والإقليمية (International Crisis Group, 2024). وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد غير الرسمي بات يشكل أكثر من 70% من النشاط الاقتصادي خلال سنوات الحرب، مع توسع كبير في التهريب والتجارة غير النظامية التي أصبحت مصدراً رئيسياً للدخل في ظل انهيار المؤسسات الرسمية (World Bank, 2022). وقد انعكس ذلك مباشرة على الاقتصاد الكلي، حيث فقد الجنيه السوداني أكثر من 500% من قيمته بين 2021 و2024 نتيجة انهيار الإيرادات العامة وتوسع الاقتصاد الموازي وتراجع الثقة في النظام المالي الرسمي (IMF, 2023). كما تشير تقارير ميدانية إلى أن استمرار الحرب أدى إلى تدمير البنية الإنتاجية في الخرطوم ودارفور والجزيرة، مع نزوح أكثر من 12 مليون شخص وتراجع الناتج المحلي بنسبة تفوق 30% منذ بداية النزاع (International Crisis Group, 2024).
استنتاجات اختبارية قابلة للتحقق في دراسات لاحقة
يمكن تطوير إطار تحليلي كمي لقياس العلاقة بين السيطرة على الموارد الطبيعية (خاصة الذهب) ومستوى الاستقلال المالي للفاعلين المسلحين، حيث تشير الأدبيات إلى أن الفاعلين الذين يسيطرون على الموارد الاستخراجية يحققون قدرة تمويل ذاتي أعلى بنسبة تتجاوز 50% مقارنة بالفاعلين المعتمدين على التمويل الخارجي (Mailey, 2023). كما يمكن اختبار العلاقة بين توسع شبكات التهريب عبر الحدود واستمرار النزاع المسلح، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن استمرار تدفق الذهب غير الرسمي عبر شبكات إقليمية يمثل أحد أهم عوامل إطالة أمد الحرب (United Nations Panel of Experts, 2024).
إسهام في تطوير نظرية الاقتصاد السياسي للفاعلين المسلحين
تُظهر الحالة السودانية أن الفاعلين المسلحين في الدول الهشة لا يعملون فقط كأدوات صراع سياسي، بل يتحولون إلى وحدات اقتصادية إنتاجية تمتلك القدرة على بناء سلاسل قيمة كاملة، من الاستخراج إلى التصدير، بما يجعل العنف نفسه جزءاً من عملية التراكم الرأسمالي (de Waal, 2015). وفي حالة قوات الدعم السريع، يتجلى هذا التحول في انتقالها من قوة محلية إلى فاعل اقتصادي إقليمي يربط السودان بأسواق الذهب في الخليج وشمال أفريقيا، مما يعيد تعريف مفهوم “الفاعل المسلح” بوصفه وحدة اقتصادية عابرة للحدود (Small Arms Survey, 2025).
إعادة تعريف العلاقة بين القانون والاقتصاد والعنف في الدولة الهشة
في ظل انهيار قدرة الدولة على فرض القانون، يتحول العنف إلى آلية تنظيم بديلة للأسواق، حيث تصبح نقاط السيطرة العسكرية أدوات لفرض الضرائب والرسوم على التجارة، التي تتراوح في بعض المناطق بين 5% و20% حسب طبيعة البضائع وموقع المرور (ENACT Africa, 2025). ويعني ذلك أن القانون لم يعد المرجع الوحيد لتنظيم الاقتصاد، بل أصبح العنف نفسه مصدراً للقواعد الاقتصادية، ما يؤدي إلى نشوء “اقتصاد إكراهي” يتعايش فيه القانون الرسمي مع أنظمة حكم غير رسمية (International Crisis Group, 2024).
تحول النموذج من حالة تحليلية إلى إطار تفسيري عالمي للدول الهشة
توضح الحالة السودانية أن نموذج الاقتصاد السياسي للعنف لم يعد حالة استثنائية مرتبطة بالسودان وحده، بل إطاراً تفسيرياً يمكن تطبيقه على دول هشة أخرى تشهد تفكك الدولة المركزية وظهور فاعلين مسلحين يسيطرون على الموارد الاقتصادية عبر الحدود (de Waal, 2015). ويبرز السودان هنا كنموذج مكثف لتداخل المحلي بالإقليمي والدولي في شبكة واحدة من اقتصاد الحرب الممتد.
إعادة صياغة مفهوم الدولة الحديثة في سياق تفكك الاحتكار السيادي
تُظهر التجربة السودانية أن مفهوم الدولة الحديثة القائم على احتكار العنف والموارد لم يعد قائماً بصيغته الكلاسيكية، حيث أصبحت السيادة موزعة بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع وشبكات اقتصادية إقليمية، مما يؤدي إلى نشوء نموذج “السيادة المتعددة” بدلاً من السيادة المركزية (Small Arms Survey, 2025). وهذا يعكس انتقال الدولة من كيان موحد إلى بنية متجزئة تتنافس فيها قوى مختلفة على الموارد والشرعية.
المراجع
- ACLED. Sudan conflict data analysis: Rapid Support Forces and territorial control dynamics. Providence (RI): Armed Conflict Location & Event Data Project; 2024.
- African Development Bank. Sudan economic outlook: conflict, fragility and informal economies. Abidjan: African Development Bank; 2024.
- African Gold Report. Sudan gold sector report. s.l.: African Gold Report; 2024.
- African Union. Sudan peace, security and economic governance frameworks. Addis Ababa: African Union; 2024.
- Baldo S, Soliman A. Gold and armed conflict in Sudan: regional extraction networks and state fragmentation. London: Chatham House; 2025.
- Baldo S, Soliman A. Gold and armed conflict in Sudan. s.l.: s.n.; 2025.
- Barnett M. Political economy of fragile states and armed groups. s.l.: s.n.; 2019.
- Bar-Yam Y. Making things work: solving complex problems in a complex world. Cambridge (MA): New England Complex Systems Institute; 2004.
- Beblawi H. The rentier state in the Arab world. s.l.: s.n.; 1987.
- Brookings Institution. Sudan’s collapsing political economy and armed group financing. Washington (DC): Brookings Institution; 2024.
- Carnegie Endowment for International Peace. Sudan’s transition and military economic power. Washington (DC): Carnegie Endowment; 2024.
- CFR. Sudan conflict tracker. New York: Council on Foreign Relations; 2025.
- Chatham House. Gold and war in Sudan. London: Chatham House; 2025.
- Chatham House. Gold, conflict and political settlements in Sudan. London: Chatham House; s.d.
- Chatham House. Gold and the war in Sudan: how regional solutions can support an end to conflict. London: Chatham House; 2025.
- Clingendael Institute. Sudan conflict economy and regional trade networks. The Hague: Clingendael Institute; 2023.
- Clingendael Institute. Sudan conflict economy and regional trade networks. The Hague: Clingendael Institute; 2024.
- Collier P. Development and conflict. s.l.: s.n.; 2007.
- Collier P. The bottom billion: why the poorest countries are failing. Oxford: Oxford University Press; 2007.
- Cryer R. International criminal law. Oxford: Oxford University Press; 2020.
- de Waal A. The real politics of the Horn of Africa: money, war and power. Cambridge: Polity Press; 2015.
- de Waal A. The real politics of the Horn of Africa: money, war and power. Cambridge: Polity Press; 2024.
- El País. Gold and Sudan war economy. Madrid: El País; 2025.
- ENACT Africa. Sudan’s illicit economies and armed conflict networks. Pretoria: Institute for Security Studies; 2025.
- European Union Agency for Asylum. The Rapid Support Forces and allies: country guidance Sudan. Valletta: EUAA; s.d.
- Financial Action Task Force. Illicit financial flows in conflict zones: Sudan case references. Paris: FATF; 2024.
- Financial Times. Record prices fuel surge in Sudan conflict gold smuggling. London: Financial Times; s.d.
- Fearon J. Governance and civil war economies. s.l.: s.n.; 2015.
- Global Initiative Against Transnational Organized Crime. Illicit gold trade and armed group financing in Sudan. Geneva: GI-TOC; 2025.
- Global Initiative Against Transnational Organized Crime. Illicit supply chains in Sudan. Geneva: GI-TOC; 2025.
- Human Rights Watch. Sudan: abuses, conflict financing and armed group control of resources. New York: Human Rights Watch; 2024.
- IFRI. Revenue sources sustaining Sudan civil war. Paris: Institut français des relations internationales; 2025.
- International Crisis Group. Sudan’s war economy and state fragmentation. Brussels: International Crisis Group; 2024.
- International Crisis Group. The war economy in Sudan and the Rapid Support Forces. Brussels: International Crisis Group; 2024.
- International Institute for Strategic Studies. Armed forces and paramilitary economics in Sudan. London: IISS; 2024.
- International Monetary Fund. Sudan country report: economic collapse and inflation dynamics. Washington (DC): IMF; 2023.
- International Monetary Fund. Sudan country report: economic collapse and parallel markets. Washington (DC): IMF; 2024.
- ISPI. The role of gold in the Sudanese war. Milan: Italian Institute for International Political Studies; 2025.
- Johnson DH. Sudan’s political economy of war and state fragmentation. London: Routledge; 2022.
- Kaldor M. New and old wars: organized violence in a global era. Cambridge: Polity Press; 2012.
- Kenett D. Network science in economic systems. s.l.: s.n.; 2018.
- Le Billon P. Wars of plunder: conflict, profits and the politics of resources. Oxford: Oxford University Press; 2014.
- Mailey JR. Sudan’s storm of Typhon: armed actors and the chaos economy. Nairobi: ENACT; 2023.
- Markusen A. Comparative methods in political economy research. s.l.: s.n.; 2018.
- North DC, Wallis JJ, Weingast BR. Violence and social orders. Cambridge: Cambridge University Press; 2009.
- Peoples Dispatch. UAE and Sudan conflict. s.l.: Peoples Dispatch; 2025.
- Ross ML. What do we know about natural resources and civil war? s.l.: s.n.; s.d.
- Sassòli M. International humanitarian law. Oxford: Oxford University Press; 2021.
- Scott J. Social network analysis. s.l.: s.n.; 2017.
- SIPRI. Armed conflict and resource extraction in Sudan. Stockholm: Stockholm International Peace Research Institute; 2023.
- SIPRI. Armed conflict and resource extraction in Sudan. Stockholm: Stockholm International Peace Research Institute; 2024.
- Small Arms Survey. Armed groups and resource economies in Sudan. Geneva: Graduate Institute; 2025.
- Small Arms Survey. Armed groups, gold and political economy in Sudan. Geneva: Graduate Institute; 2023.
- Soliman A, Baldo S. Sudan’s gold economy and armed fragmentation. s.l.: s.n.; 2025.
- Swiss Peace. Armed actors and economic governance in Sudan. Bern: Swiss Peace; 2024.
- The Sentry. RSF business networks. Washington (DC): The Sentry; 2025.
- Transparency International. Corruption, conflict and illicit financial flows in Sudan. Berlin: Transparency International; 2024.
- Tubiana J. Armed mobilization and political economy of violence in Sudan. Geneva: Geneva Centre for Security Policy; 2023.
- United Nations. Report of the Panel of Experts on Sudan. New York: United Nations; 2024.
- United Nations Panel of Experts on Sudan. Final report on sanctions, arms flows and illicit financial networks. New York: United Nations Security Council; 2024.
- United Nations Security Council. Reports of the Panel of Experts on Sudan sanctions regime. New York: United Nations; 2024.
- United States Institute of Peace. Sudan war economy and armed group financing. Washington (DC): USIP; 2024.
- Wilson Center. Sudan conflict, gold trade and regional political economy. Washington (DC): Wilson Center; 2025.
- World Bank. Sudan economic monitor: conflict, inflation and informal trade. Washington (DC): World Bank; 2022.
- World Bank. Sudan economic monitor: conflict, inflation and informal trade. Washington (DC): World Bank; 2023.
- World Bank. Sudan economic monitor: conflict, inflation and informal trade. Washington (DC): World Bank; 2024.
- World Bank. Sudan economic monitor: conflict, inflation and informal trade. Washington (DC): World Bank; 2025.
- World Bank. World development report: conflict, security and development. Washington (DC): World Bank; s.d.
- World Peace Foundation. Sudan’s war economy and paramilitary capitalism. Cambridge (MA): World Peace Foundation; 2024.
- Young H. Conflict economies and livelihoods in Sudan. s.l.: s.n.; 2020.
- Young H, Osman AM, Dale R, Badri B, Fuddle A. Livelihoods and economic networks in Sudan’s conflict regions. s.l.: s.n.; 2023.
- Zaidan Y. Ethno-mercenarism and armed economies in Sudan and the Sahel. s.l.: Small Wars & Insurgencies; 2025.
- Zainab S, Idris M. Illicit gold trade and armed group financing in Sudan. s.l.: s.n.; 2025.
- Salman S. Gold networks and armed capital accumulation in Sudan. s.l.: s.n.; 2023.
- Salman S. Political economy of the Rapid Support Forces in Sudan. s.l.: s.n.; 2024.
- Salman S. War economies and paramilitary financing in Sudan. s.l.: s.n.; 2025.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم