الانتخابات بين مُخرجات الحوار الوطني وتعطيل الدستور .. بقلم: إمام محمد إمام
11 أكتوبر, 2014
منشورات غير مصنفة
47 زيارة
مما لا ريب فيه، أنّ التصريحات الصحافية التي يُدلي بها بعضُ قياديي حزب المؤتمر الوطني ومسؤولي المفوضية القومية للانتخابات، من أن الانتخابات قائمة في موعدها، ولن تتأثر بمُخرجات الحوار الوطني ومآلاته، تُثير جدلاً واسعاً لدى الأحزاب والقوى اليساسية، إضافةً إلى السودانيين المهتمين بالشأن السياسي العام داخل السودان وخارجه، من حيث أنه يستشكل عليهم فهم إصرار بعض قياديي المؤتمر الوطني على تأكيد إقامة الانتخابات في موعدها، دون الالتفات إلى ما تُفضي إليه مداولات الحوار الوطني من مُعالجات للمشكل السوداني. ومما أثار حفيظة الكثيرين من السياسيين السودانيين داخل السودان وخارجه، ما أعلنه عبد الله أحمد مهدي نائب رئيس المفوضية القومية للانتخابات في تصريحات صحافية أمس (السبت)، من أنّ الحوار لن يعطل إقامة الانتخابات في موعدها، وأنّ المفوضية فرغتْ من تشكيل اللجان العُليا، ولجان الانتخابات الولائية، موضحاً أنّ الخطوة المقبلة تتمثل في إعلان فتح السجل الانتخابي، ومُؤكداً أنّ الدولة أبدت استعدادها للإيفاء بكلِّ مطلوبات العملية الانتخابية. ولكن الكثيرين الذين أزعجهم هذا التصريح الصحافي، غاب عنهم تأكيدٌ جاء في حيثيات إعلانه من أنّ إجراء الانتخابات العامة في موعدها المقرر، هو قرار اتخذته المفوضية، كاستحقاق دستوري بعيداً عن أي إملاءات من أي جهةٍ كانت.
وأحسبُ أنّ هذا التأكيد الذي جاء لماماً في تصريحات نائب رئيس المفوضية القومية للانتخابات، هو بيت القصيد. لا شك أنّ ترتيبات المفوضية لمطلوبات العملية الانتخابية من صميم عملها، وأساس تشكيلها، فهي لن تستطيعَ التحدث عن تأجيل أو تعطيل الانتخابات في هذه المرحلة، لكون مُخرجات الحوار الوطني ومآلاته ما زالت في رحم الغيب، ولذلك عليها الالتزام بمهامها، وفقاً لقانون تشكيلها.
وفي رأيي الخاص، أنّ الذين لم ينزعجوا من هذه التصريحات المُؤكِّدة لإقامة الانتخابات في موعدها، يعلمون أنّ هذه إجراءات تلزم المفوضية بالقيام بها، وفقاً لقانونها، وإنفاذاً لاستحقاق دستوري لا تستطيع الفكاك منه. ولكن حدثني من أثق في فقهه الدستوري مطولاً عن عدم انزعاجه بمثل هذه التصريحات والنداءات المستجِيبة إلى قانون الانتخابات، والمُذِعنة للاستحقاق الدستوري الذي لا يُبرر سبب التأجيل أو التعطيل دون مسوغٍ دستوري في هذا الشأن.
وأكبر الظن عندي، أنه يرمي بهذا الحديث إلى أن مُخرجات الحوار الوطني قد تُفضي إلى تعطيل الدستور أو إلغائه، مما يُشكلُ بُعداً دستورياً جديداً، يُلغي كثيرَ نصوصٍ واردة في ذاكم الدستور المعطل أو المُلغى، ومن ثم الإتيان بنصوصٍ دستوريةٍ مؤقتةٍ تُلغي الانتخابات برُمتها، أو تؤجلها إلى زمنٍ معلوم، مما يعني أن هنالك واقعاً دستورياً جديداً يتطلب ترتيباتٍ جديدةً لإجراء العملية الانتخابية. ولكن في الوقت نفسه، من الضروري الإشارة إلى أنّ المؤتمر الوطني هو الحزب الوحيد الذي كاد أنْ يُكمل كلَّ الخطوات المؤدية إلى اكتمال استعداداته لإقامة الانتخابات في موعدها، إذا ما كُتب الفشل للحوار الوطني، ولم يحدث أي تغييرٍ أو تعديلٍ في الدستور، وكذلك في الخارطة السياسية السودانية. فمن هنا يجد المؤتمر الوطني ومن يسبح في فلكه، هم الوحيدون الذين في إمكانهم خوض انتخابات، غيرهم من الأحزاب والقوى السياسية لم يبدأ استعداداته لها، ناهيك عن جاهزيته لخوضها، والتنافس مع المؤتمر الوطني فيها.
أخلصُ إلى أنّ المؤتمر الوطني غير منزعجٍ لقلق الكثير من الأحزاب والقوى السياسية للتأكيدات التي تترى من بعض قيادييه أو بعض مسؤولي المفوضية القومية للانتخابات، من أنّ الحوار الوطني لن يعطل إقامة الانتخابات في موعدها، إذ أنه أكمل قُبيل عيد الأضحى المبارك الممارسات الشُّورية في الولايات والعاصمة لانتخاب مرشحيه لرئاسة الحزب، واختيار الولاة لخوض الانتخابات العامة. بينما الأحزاب والقوى السياسية الأخرى مُنشغلة بضرورة تأجيل الانتخابات أو تعطيلها، بحسبان أنّ ذلك من مطلوبات نجاح الحوار الوطني والاستمساك به، من أجل مُعالجة الوضع السياسي والاقتصادي الراهن المأزوم. من هنا يذهب بعض المراقبين للشأن السياسي السوداني إلى أنّ المعقود من الآمال في أنْ يكون من مُخرجات الحوار الوطني تعطيل أو إلغاء الدستور، ومن ثم ملء هذا الفراغ الدستوري، بترتيبات دستوريةٍ مؤقتةٍ، من بينها تأجيل أو إلغاء الانتخابات المقبلة.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الله تعالى: “.. وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً”.
وقول الشاعر العربي زهير بن أبي سلمى:
وَمَنْ لَـمْ يُـصَانِعْ في أُمُورٍ كَثِيرةٍ يُـضَرَّسْ بِأَنْيَابٍ وَيُـوْطَأْ بِمَنْسِمِ
وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ يَفِرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الـشَّتْمَ يُشْتَمِ
وَمَنْ يَـكُ ذَا فَـضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ عَلَى قَـوْمِهِ يُسْـتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَمِ
وَمَنْ يُـوْفِ لا يُذْمَمْ وَمَنْ يُهْدَ قَلْبُهُ إِلى مُـطْمَئِنِّ الْـبِرِّ لا يَتَجَمْجَمِ