الانذارات المبكرة (5) .. مأتم الدراما السودانية !! .. بقلم: د. أبوبكر يوسف إبراهيم

§        من العجيب والمستغرب أن السودان أسس معهد للدراسات المسرحية والموسيقية في العقدالسابع من القرن المنصرم وإذا تأملنا الالاف من الخرجين والخريجات مقابل اسهامات الدراما في المجتمع نجدها جد متواضعة ، و لا يعزى السبب لقلة الكوادر الدارسة والمؤهلة بل لعدم تولية الدولة الأمر قليل من الاهتمام بالتمويل، فالثقافة عموما والدراما التلفزيونية والمسرحية هي من يشكل ضمير الأمة ، وأن اسهامات الفنانين والموسيقيين حالياً تعتبر جهد شخصي رغم مقدراتهم الابداعية ، فالمشكلة تكمن في التمويل، فالدولة كان يفترض أن تتنبه لمخاطر الدراما الاجنبية التي تقتحم مجتمعنا دون أن يكون لنا ما تقدمه من أجل تحصين المجتمع من ما تعرضه الفضائيات مثل  مسلسلات ملكة جانسي وحريم السلطان وسالوني … إلخ، أما القطاع الخاص فهو يفضل الاستثمار  في  البسكويت والعصائر  ، وكذلك الدولة لا  تشجع عبر حوافز مجدية للاستثمار في هذا المجال الحيوي!!

§        تنبعُ أهمية هذا الموضوع من طبيعةِ الارتباطِ الجدلي بين الآدابِ والفنونِ من جهة والحياةِ وقوانين تطورِها من جهة أخرى. وتقف الدراما في هذا المجال في مقدمة تلك الأنواع الأدبية والفنية.. حيث تنبثق ـ الدراما ـ من الحياة بعد أنْ تكون قد احتوت بشكلها الخاص القوانين الموضوعية التي تتحكم في وجودها وتقدمها. وهي تعبر من خلال خصائصها النوعية والصنفية عن مستوى متطور في فهم العالم والوعي بقوانينه فهي ليست مجرد تصوير للصراع الدائر في الحياة بل تجسيد له وكشف عن جوهره مع الإضافات الجديدة التي تقدمها من خلال حلولها ومعالجاتها. ومن هنا تأتي الأهمية المتزايدة لدراسة الدراما دراسة تفصيلية متعمقة لا تقف عند مهمة الدراسات الأكاديمية المحضة بل لتكون إجابة منهجية واعية تعبر عن مدى إمكانية تصوير عالمنا المعاصر بوسائل المسرح. ومعيار هذه الإمكانية هو مقدار تجسيد هذه الدراما للقيم والظواهر الحضارية التي يخلقها الناس بفعل تجاربهم وقوة عملهم.

§        إنَّ كلَّ عملِ ِ درامي إنما يقتصر على تقديم واحدة من هذه التجارب الإنسانية بشكل جمالي مكثّف, وهو يشكل وحدة منفصلة قائمة بذاتها, فيما لا نجد في الحياة أية تجربة منفصلة عن غيرها. وبناء على ذلك فالعمل الدرامي يتسم بقوة التركيز ووحدة وبكونه يسير بخط نمو (محوري) شديد التوتر في الوقت الذي تسير فيه التجارب الحياتية العادية بخطوط لولبية متشابكة وتشتمل على كثير من التفصيلات والتفرعات. ولهذا فالعمل الدرامي ليس صورة مباشرة (فوتوغرافية) من الحياة كما يتوهم بعضهم, لكنه جوهرها. ومن هنا كان واجبنا في المسرح أنْ نلخص الحياة ونكشفها بوساطة أدواته الدرامية ومقتضياتها.

§        لقد برهن المسرح بتاريخه العريق في مدنية الإنسان أنَّه كان عاملا من عوامل بناء هذه المدنية وليس مجرد نتاج لها. وأكتفي هنا بالإشارة إلى عهد ازدهاره الأول عند الإغريق والرومان مثالا على ذلك. وعلى الرغم من انحرافه بعد هذين العهدين عن خط سيره الأول وهبوطه الفكري والفني لحقبة زمنية غير قصيرة, إلا أنه عاود حياته بانغماسه في حومة المعركة الحديثة, فأصبح المسرح بمثابة ندوة تمثّل فيها أعمق المناقشات في مختلف القضايا والشؤون بروح إيجابي بناء. وازدهر المسرح من جديد بإعادة ارتباطه بالحياة من خلال معالجته موضوعات الحياة اليومية والقضايا الإنسانية الكبيرة ابتداء من تفصيلات حياة الإنسان البسيطة وأموره الفردية حتى قضايا عصره وهمومه الامة مثل قضايا الحرب والسلام والأمراض والأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمفاهيم الفلسفية الكبرى, حيث يصبح مجتمع اليوم الملئ بالمشاكل والصراعات الحادة هو مادة الدراما. ويعبر أحد الفلاسفة عن هذه الفكرة بقوله: إنَّ ” الوضعية الغنية بالتصادمات تعتبر المادة الأساسية للفن الدرامي”!!

§        عدُّ التلفاز من أكثر الوسائل الإعلامية انتشارًا بين فئات المجتمع المختلفة، ومن أشدِّها تأثيرًا مقارنة بالوسائط الإعلامية الأخرى، فنجد هذا الجهاز يبثُّ الغثَّ والسَّمين، ويستقطب الصِّغار والشَّباب، الرِّجال والنِّساء، ولعلَّ المسلسلات المدبلجة قد أخذت نصيبا مُعتبرا من أوقات تتبُّع البرامج التلفزية، فنلفيها قد أثَّرت بطريقة سلبية على سلوك شبابنا وجعلته يتشرَّب قيما دخيلة عنه.

§        وفي ذلك تنافست الكثير من القنوات الفضائية العربية، محاوِلةً صرْف أبصار الشَّباب عن الطيِّب إلى الخبيث، كيف لا والعين مرآة القلب؟ ولذلك كانت اللحظات هي التي تولِّد الخطرات فاللفظات فالخطوات! .. إن هذه المسلسلات تُسلسل عقول المتتبِّعين، ولا سيَّما المراهقين وهم في هذه الفترة الحرجة من حياتهم بحكايات حريم السلطان في القرن الحادي والعشرين، فتعْلق ملامح البذخ، التبرُّج والسُّفور في عقولهم ويصير الحرام حلالاً والممنوع مرغوبًا بشدَّة، تمهيدا للتحرُّر تدريجيًّا من قيم المجتمع الإسلامية.

§        المسئولية المجتمعية للقطاع الخاص تحتم عليه – على أقل تقدير – تمويل الدراما التي تخدم المجتمع وقيمه وأهدافه ، ولن يفلس أحدها إذا ما موّل عمل درامي واحد أو مسرحيىة واحدة في السنة طالما أن وزارة الثقافة  المعنية بالامر هي وزارة بلا أعباء وبلا عائد يعود على المجتمع بالنفع والثقافة والتثقيف. وبالتالي لدي سؤال هام: لماذا لا يقوم التلفزيون والقنوات الخاصة التي تصدعنا بالاغاني والحوارات الممجوجة بتسجيل ونقل المسرحيات المعروضة  وعرضها في سهرات قد تُحصن المجتمع من الجري وراء المدبلج الذي يهدم القيم ولا يبني، فمن سالوني إلى حريم السلطان بعد ملكة جانسي!! … بس خلاص ، سلامتكم،،،،،،،،،،

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً