د. فضل محي الدين طاهر
كانت العقلية الريعية، وما زالت، السبب الأول في ضعف بنية الدولة السودانية وحبسها في حلقة مفرغة لأكثر من سبعة عقود.
عقلية تمسك برقبة الدولة، تحتكر القرار، وتختطف المؤسسات، وتعيد تشكيل السلطة بما يحفظ امتيازاتها. هدفها واحد: إغلاق الطريق أمام أي تحول إلى اقتصاد إنتاجي حقيقي، والإبقاء على اقتصاد يعتمد على تصدير الموارد الخامة وجباية الريع.
تغيرت الحكومات، وسقطت أنظمة، واندلعت ثورات، واشتعلت حروب. وظلت هذه العقلية متمسكة بأدواتها: اقتصاد الريع، ونهب الموارد، والإتاوات، والإعفاءات، والتهريب. غايتها أن يبقى السودان خارج أي قواعد واضحة، سوقاً مغلقة واقتصاداً طفيلياً.
من يدمر السودان؟
الفاعل الحقيقي ليس شخصاً. إنه عقلية جعلت من السلطة مصدر ريع، ومن الوطن وسيلة للجباية. عقلية تخشى المنافسة وتعمل في الظلام ، وتقاوم أي مشروع يربط الدولة بالعالم على أسس شفافة، وتتعامل مع الدولة كـ “كشك جبايات” خاص.
بالنسبة لهذه العقلية، الحرب أداة لإطالة عمر الريع، والفوضى ضمانة لاستمرار التمكين، والانقسام وقود لمشروعها.
والأخطر أن شبكة العقلية الريعية لا تتوقف عند حدود السودان. هناك دول جوار ترى فينا “حديقة خلفية” للموارد الرخيصة وسوقاً مفتوحة لمنتجاتها التي لا تفي بالمعايير الصحية والسلامة في الاسواق الدولية. من مصلحتها أن تستمر قبضة الريع على السودان، لتواصل نهب ثرواتنا: ذهب يُهرب، وماشية تُصدر حية، وصمغ يخرج خاماً مع ابقاء السودان سوقاً لتلك المنتجات . بل وتمتد إلى ملايين الأفدنة من أخصب أراضينا بعقود مشبوهة، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً لحقوق الأجيال القادمة.
هذه الدول نفسها تدعم اقتصاد التهريب، وتقاوم أي مشروع لبناء دولة القانون والمؤسسات، لأنه يهدد امتيازاتها.
ولعل حرص دول الجوار علي استمرار سيطرة العقلية الريعية في السودان ممكن استنباطه من الاتي:
-وضع العراقيل امام اي تحرك شعبي لاحداث التغيير المنشود لوضع السودان علي مسار التنمية والسلام الدائم.
-قيام تلك الدول بتحركات مكشوفة للحيلولة دون رفع العقوبات الدولية المفروضة علي السودان لابقائه عالقاً في النزاعات المسلحة.
كسر الحلقة: الانضمام إلى WTO هو الصدمة المؤسسية :-
لا يمكن كسر العقلية الريعية بالشعارات وحدها. نحتاج “صدمة مؤسسية ” تخرج السودان من هذه الحلقة. وأهم أدوات هذه الصدمة هو ملف الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية WTO.
لماذا يمثل الانضمام إلى WTO قبراً للعقلية الريعية؟
- الشفافية ضد الاحتكار: تلزم الدولة بنشر القوانين والتعريفات الجمركية. وهذا يقتل اقتصاد الظل وصفقات الإعفاءات السرية.
- المنافسة ضد الاحتكار: تفتح السوق أمام الجميع. وتجبر رجال الأعمال على الانتقال من “ربح الجباية” إلى “ربح الإنتاج”.
- سيادة القانون : تربط التجارة بقضاء مستقل وآليات تسوية منازعات. وتسحب من الفاسدين سلاح “تفسير القانون حسب المصلحة”.
- كسر هيمنة دول الجوار: العضوية تمنحنا “جواز سفر” إلى 166 دولة. تخرجنا من التبعية لأسواق الجوار المغلقة إلى العالم. تمكننا من تصدير منتج مصنّع لا خام، وبسعر عالمي لا بسعر التهريب.
مشروع التأسيس: من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج:-
- تفكيك بنية الريع : تجفيف اقتصاد الحرب، وكشف شبكات المصالح المتداخلة.
- إصلاح مؤسسي: استقلال القضاء والخدمة المدنية، وإعادة الأجهزة النظامية إلى مهنيتها.
- الربط بالعالم عبر WTO: شرط أساسي لجذب التمويل الدولي والاستثمار، وحماية الصادرات. وهو الضمانة لعدم عودة الريع بأسماء جديدة.
- عقد اجتماعي جديد: دولة أكبر من الحزب، ومؤسسات أقوى من الأشخاص.
اذاً ، معركة السودان الحقيقية اليوم هي بين عقلية الريع و عقلية الإنتاج.
والاختبار الحقيقي سيقاس بأمرين: منع عودة شبكات الريع، واستكمال ملف الانضمام إلى WTO.
بهما فقط ننتقل من وطن تحكمه شبكات الجباية والتهريب، إلى جمهورية تحكمها المؤسسات.
ومن “حديقة خلفية” لدول الجوار، إلى دولة منتجة تحرس ثرواتها وتشارك العالم بندية.
eltahirfadil@hotmail.com
