زين العابدين صالح عبد الرحمن
من أهم إشارات المفكر السوداني محمد إبو القاسم حاج حمد في كتابه ” السودان المأزق التاريخي و أفاق المستقبل” عندما أشار إلي جماعة الفجر باعتبارها قد ركزتفي مجهوداتها التثقيفية على بناء المثقف السوداني، حيث قال حاج حمد ( أرادت مجموعة الفجر أن تسد ثغرة مهمة للبناء الفكري للحركة الوليدة ” للمثقفين” و لذلك اتخذت أسلوبا تدريجيا قائما على أعمال الفكر و المناقشات لاستقطاب أكبر عددا من المثقفين) و معلوم أن جماعة الفجر طرحت العديد من الاسئلة التيكان قد انخرط في الإجابة عليها اعداد كبيرة من المثقفين في..
هذه المقدمة كانت بسبب الرجوع للتاريخ السياسي، لمعرفة واحدة من أدوات النخب السودانية التي كانت في ثلاثينيات القرن الماضي منبرا للتثقيف و خلق الوعي في المجتمع، بهدف سعي مجموعة الفجر لخلق قطاع عريض من المثقفين الداعمين لعملية التغيير في المجتمع.. خاصة إن استخدام الرموز و الإشارات الثقافية مسألة في غاية الأهمية لعملية التجديد و التغير، إذا كان الهدف هو خلق وعي جديد، و خطاب سياسي جديد، و جيل جديد يسهم في عمليات البناء المجتمعي، و النهضة من أجل خلق حياة جديدة، لنهضة مكتملة الأركان.. و هي النقطة التي لام فيها حاج حمد الأزهري بأنه لميلتفت لحركة المثقفين في ذالك الوقت بصورة تجعلهم جزءا أساسيا في عملية البناء و التحرر و التنمية..
كنت على علم أن جعفر الميرغني الذي يترأس الحزب الاتحادي الأصل يريد أن يخوض تجربة استنهاض اعضاء الحركة الاتحادية، و المنتشرين في كل ربوع السودان، حتى يكون لهم دورا مهما في عملية الحوار الوطني التي يدعو لها.. و كان هناك تنسيقا بينه و بين عبد الرحمن الصادق المهدي منذ جاء عبد الرحمن للقاهرة و عقد اجتماعا مع جعفر و القيادة التي تتبعه في الثاني من إبريل 2026 بمقر عبد الرحمن المهدي.. كان الهدف التنسيق بين المجموعتين في تعبيد مسار العملية السياسية القادمة في البلاد.. و اقام الاثنان ندوة سياسية مشتركة في دار حزب الأمة حول الوضع السياسي الراهن.. ركز جعفر الميرغني على عددا من القضايا التي تمثل قاعد اساسية لمشروع سياسي يتبناه حزبه، و مرتبط بالفترة الحالية تتلخص في ” الجيش الموحد و حصر الأسلحة في هذه المؤسسة القومية – لا شرعية غير شرعية صناديق الاقتراع – لا اقصاء في الحوار الوطني الكل يجب ان يشارك في عملية استقرار و بناء السودان – أهمية وحدة القوى الوطنية – رفض الشروط على الآخرين”..
واحدة من الإشارات الثقافية الإيجابية التي اتبعها جعفر إنه جاء الندوة ببدلة و ليس قفطان، و هي إشارة في غاية الأهمية تعكس تفهمه لدوره السياسي، باعتبار أن حزبه هو تحالف بين مجموعتين لكل ثقافتها.. المسألة الأخرى التي اغفلها جعفر في الندوة الحديث المباشر عن الفترة الانتقالية بعد إيقاف الحرب، و هي الفترة التي تشغل بال العديد من النخب السياسية المتطلعة لمصالحها الذاتية رغم ” شعارات الوطنية المرفوعة” هذه الفترة قد طرحت في التداول بين السيدين ” جعفر و عبد الرحمن” إلي جانب الداعمين لهذا الخط السياسي الجديد، حدث فيها تفاهم، لكنها ارجئت حتى يتم السماع لكل ممثلي القوى السياسية التي ” اجتمعت مع البرهان” حتى تكون هناك قاعدة عريضة تدعم الرؤية.. و هي ترشيح رئيس للجمهورية.
أية فكرة جديدة يعلم صاحبها، أنها سوف تخضع لحوار حولها بهدف تطويرها، أو معرفة عيوبها و مكامن عيوبها، و لكنها سوف تخلق حوار يقدم أفكارا تلحق بالفكرة أو أفكار بديلة بهدف تغييرها، و هذا يدعم عملية الحراك الذهني.. لكن لا تجعل الفكرة سرية تتداول في غرف دون نوافذ، لأنها سوف تموت.. النوافذ تحجب الضوء و الهواء النقي الذي يساعد على نمو الأفكار.. أهم نقطة لم يتعرض لها جعفر و لا عبد الرحمن المهدي فترة ما بعد الحرب كيف تحكم؟ إذا كانت الفترة الانتقالية السابقة التي اعيد تصفير عدادها و كان الكل مجمعين على تكرار عملية التصفير.. ما هو الجديد الذي يقدمانه السيدان.. هل يرغبان في إعادة الفترة الانتقالية و مرحلة ما قبل الحرب و صراع الاتفاق الإطاري و انتشار النفوذ للدول الخارجية و تدخلها في الشأن السوداني، و تأييد مجموعة على حساب المجموعات الأخرى؟ أم لهم الاثنان رؤية مخالفة لتلك الفترة؟
كانت رئيس حزب الأمة المكلف محمد عبد الله الدومة و الدكتور إبراهيم الأمين و مجموعة من قيادات حزب الأمة قدموا رؤية حزب الأمة لقيادة الدولة في السودان… هل الرؤية التي قدمتها هذه القيادات متوافقة مع رؤية عبد الرحمن الصادق و جعفر الميرغني، أم إن كل حزب سوف يقدم رؤية منفصلة عن الأخر، و لكنهما سوف تلتقيان في مجرى واحد.. لآن رؤية قيادة حزب الأمة تتعلق بكيفية وقف الحرب، و لم تشير المعلومات لفترة ما بعد الحرب.. خاصة أن أية فترة انتقالية دون أن تطرح عملية مشاركة الشعب سوف ترجع العجلة لبدايات الصراع السياسي الذي أفضى للحرب.. و أيضا هناك قوى سياسية أخرى داخل الحزبين لهم أراء ربما تتعارض مع رؤية جعفر الميرغني.. لذلك فتح باب الحوار مسألة ضرورية لمشاركة أكبر قطاع من الشعب.. و أيضا كل حزب يجب أن يفتح منابره للحوار و تأتي القيادة و تسمع من القاعدة بدلا من الانفراد بالقرارات التي لا تجد السند الشعبي..
إن الخطوة التي قام بها جعفر الميرغني للمشاركة في ندوة في دار حزب الأمة مسألة متقدمة و ضرورية أن يسمع من قاعدته، و أن يقيم ندوات في منابر أخرى في الخرطوم و عدد من الولايات و يلتقي بالقاعدة الاتحادية، و يسمع لرؤاهم عن الحرب و فترة ما بعد الحرب، لآن القرارات التي تكون مستند لرؤية القاعدة سوف تجد التأييد من قطاع واسع من الجماهير.. و الحزب الاتحادي الديمقراطي ليس حزب مثقفين و نخب سياسية إنما حزب يضم جميع قطاعات الشعب السوداني مزارعين و رعاة و عمال و طلاب و نساء و شباب و شابات، و أجيال مختلفة في أعمارهم، هؤلاء يجب أن يسمع لهم و يكونوا جزء من أية حوار يهتم بقضايا الوطن.. و أهمها الشرعية… نسأل الله حسن البصيرة..
zainsalih@hotmail.com
