دكتور الوليد آدم مادبو
من أخطر صور القيادة تلك التي لا تأتي إلى قومها في هيئة عدو، بل في هيئة حامٍ. فالحاكم الذي يقدّم نفسه لشعبه بوصفه حامياً لهم من خطر يتهددهم، يستطيع أن يحوّل الخوف إلى طاعة، والطاعة إلى تفويض مفتوح، ثم يجعل من استمرار الأزمة دليلاً على ضرورة بقائه.
ولعل أفضل مدخل لفهم هذه المفارقة هو النظر إلى تجربة إسبانيا بعد فرانكو، ومقارنتها بما آلت إليه القيادة العسكرية السودانية في عهد عبد الفتاح البرهان. ففي الحالتين كانت هناك مؤسسة عسكرية ذات نفوذ وامتيازات تاريخية، ونخبة ارتبطت بالدولة ومركزها، وكان أمام القيادة خياران: التشبث بالبنية القديمة حتى النهاية، أو إعادة تعريف المصلحة بما يحفظ الدولة والمجتمع، ولو اقتضى ذلك التخلي عن بعض الامتيازات.
بعد وفاة فرانكو عام 1975، وجدت إسبانيا نفسها أمام لحظة تاريخية دقيقة. كان النظام القديم قد ترك وراءه مؤسسة عسكرية قوية، ونخبة سياسية مرتبطة به، ومجتمعاً مثقلاً بذاكرة الحرب الأهلية. وكان بإمكان الذين خرجوا من رحم النظام أن يتشبثوا بمواقعهم، وأن يعتبروا أي تنازل هزيمة، وأن يستخدموا أجهزة الدولة لمنع التحول.
لكن أدولفو سواريث اختار الطريق الآخر. كان ابن النظام الفرانكوي، ومع ذلك أدرك أن حماية إسبانيا لم تعد تعني حماية النظام الذي جاء منه. فقاد، من داخل مؤسسات الدولة، عملية الانتقال إلى نظام جديد، وفتح المجال أمام المعارضة، ومهّد للتعددية والدستور والانتخابات، وقبل بأن تتراجع امتيازات المنظومة التي ينتمي إليها مقابل إنقاذ الدولة من العودة إلى الصراع.
لم يكن ذلك ضعفاً ولا استسلاماً، بل كان وعياً بأن القائد لا يحمي جماعته بالضرورة حين يحافظ على كل امتيازاتها، وإنما قد يحميها حين يعرف ما الذي يجب أن يتخلى عنه لإنقاذ مستقبلها.
وهنا تقع المفارقة السودانية.
فالنخب الشمالية، أي الفئة السياسية والاجتماعية صاحبة الامتياز، لم تكن هامشاً في تاريخ السودان، بل احتلت، على مدى سبعة قرون، موقعاً مركزياً في بنية السلطة والمجتمع، وتغلغلت في مؤسسات الحكم والإدارة والاقتصاد والتعليم والإعلام والثقافة.
ومع تعاقب الأجيال، ترسخت حول هذا الموقع مصالح واسعة وشبكات من النفوذ والمكانة الاجتماعية، حتى غدت جزءاً من البنية الفعلية للدولة ومن آليات توزيع السلطة والثروة فيها.
لكن الحرب التي قيل إنها تخاض دفاعاً عن الدولة وعن هذا الموقع التاريخي أخذت، في نتائجها، تهدم الأساس الذي قام عليه. فالخرطوم دُمّرت، والجزيرة أصابها الخراب والنزوح، وتعطلت الأعمال، وتبددت المدخرات، وغادرت الكفاءات، وسُحقت قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى التي كانت تحمل العبء الأكبر من التعليم والإدارة والاقتصاد والثقافة.
ولذلك فالمسألة لم تعد مجرد خسارة ممتلكات أو وظائف، وإنما خطر تفكك اجتماعي قد يعيد تشكيل موقع النخب الشمالية ومكانتها. فحين تُسحل الطبقة الوسطى وتُهجّر، وتفقد الأسر مدخراتها، وتخرج الكفاءات، ويتشتت التعليم والعمل، لا يفقد المجتمع موارده فقط، بل يفقد قدرته على إعادة إنتاج مكانته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
وهنا يصبح السؤال قاسياً وبسيطاً: إذا كانت الحرب قد خيضت لحماية الدولة، فكيف انتهت إلى إضعاف شروط البقاء لهذه الدولة؟ وإذا كانت خيضت لحماية جماعة تاريخية، فكيف انتهت إلى تجريد هذه الجماعة من كثير من أدوات قوتها وتشريدها في الداخل والخارج؟
ولأن النتيجة لا يمكن فصلها عن العقلية التي أنتجت هذا المسار، يصبح من السهل إلقاء المسؤولية على «الكيزان» وحدهم، بوصفهم القوة الأكثر التصاقاً بهذا الخيار والأشد تورطاً في تبعاته. لكن هذا التفسير، على وجاهته الجزئية، يظل تبسيطاً مريحاً؛ فالمشكلة أعمق من الإسلاميين أنفسهم.
صحيح أنهم يمثلون النسخة الأكثر تطرفاً وقسوة وإجراماً من هذه العقلية السياسية، لكنهم لم يأتوا من خارجها. فالاختلاف بين الإسلاميين وبقية النخب الشمالية، في جوهره، ليس اختلافاً جذرياً في النظرة إلى الدولة والمجتمع، بقدر ما هو اختلاف في درجة السوء والأدوات والحدود؛ فكلاهما يتحرك، بدرجات متفاوتة، داخل ثقافة سياسية تنظر إلى الدولة بوصفها أداة للهيمنة، وإلى الامتياز باعتباره حقاً مكتسباً، وإلى مطالب المهمشين باعتبارها تهديداً ينبغي احتواؤه لا حقاً ينبغي الاعتراف به.
لقد كان بإمكان النخب الشمالية أن تدرك، قبل أن تصل الأمور إلى هذا الحد، أن السودان يتغير، وأن الذين ظلوا يدفعون ثمن التهميش لم يعد لديهم ما يخسرونه، وأن الحفاظ على المستقبل يتطلب قبولاً حقيقياً بمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات. لكن صلفها وعنجهيتها، وعجزها عن معاينة واقع مختلف، جعلاها ترى في هذا التحول تهديداً لامتيازاتها بدلاً من أن تراه فرصة لإعادة بناء وطن أكثر استقراراً.
وهنا لا يقل جرم القوم عن جرم القائد.
فالبرهان مسؤول لأنه يقود، لكن النخب التي ساندته مسؤولة لأنها سمحت بأن يُختزل مستقبلها في خيارات قائد واحد، وساندت استمرار الطريق حتى بعدما بدأت نتائجه تضرب مصالحها ومكانتها. والذين رفضوا الاعتراف بمعاناة الآخرين، ولم يروا في المساواة إلا انتقاصاً مما اعتادوا عليه، أسهموا في إنتاج الظروف التي جعلت خسارتهم الحالية ممكنة.
في إسبانيا، أدركت القيادة التي خرجت من النظام القديم أن إنقاذ الجماعة يقتضي تغيير شروط امتيازها. وفي السودان، جرى التشبث بالامتياز حتى أصبحت الحرب نفسها أداة لتقويضه.
وهذا هو الفارق بين القيادة التي تمتلك بصيرة تاريخية والقيادة التي تستسلم للغرور: الأولى تعرف متى تتنازل لكي تنجو، والثانية تواصل السير لأنها لا تستطيع الاعتراف بأن الطريق الذي اختارته صار طريقاً إلى الخسارة.
ولذلك فإن السؤال عن البرهان لا ينبغي أن يكون فقط: هل سينتصر عسكرياً؟
السؤال الأهم هو: ما قيمة الانتصار العسكري إذا كان ثمنه هزيمة اجتماعية؟
فإذا خرجت النخب الشمالية من الحرب أفقر مادياً ومعنوياً، وأكثر نزوحاً وتشتتاً، وأقل تعليماً وأضعف اقتصاداً وحضوراً في مؤسسات الدولة، فإن الحديث عن حمايتها يصبح مفارقة تاريخية لا إنجازاً سياسياً. ولعل الصدمة النفسية هي الأخطر، لأنها لا تهدم ما تملكه الجماعة فحسب، بل تهدم ثقتها بنفسها وتزعزع قدرتها على استعادة مكانتها وإعادة بناء مستقبلها.
هنا تستعيد صورة فرعون معناها، لا باعتبارها مساواة بين رجلين أو عصرين، وإنما باعتبارها تحذيراً من نموذج متكرر: قائد يجعل نفسه شرطاً لبقاء قومه، ويحوّل الخوف إلى وسيلة لإبقائهم خلفه، ثم يقودهم إلى نتيجة لم يتخيلوا أنهم ذاهبون إليها:
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ٩٠ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ٩١ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ٩٢﴾.
auwaab@gmail.com
