إن تصريحات البرهان الأخيرة وإبداء استعداده للتفاوض من أجل وقف الحرب، لا ترتبط، في تقديري، بقدر كبير من الحرص على البلاد والعباد، بقدر ما تعكس محاولة لتقديم رشوة سياسية لترمب، قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، بمجلسيه النواب والشيوخ.
فالرصيد السياسي لترمب والحزب الجمهوري يبدو مثقلاً بالأخطاء، في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة. ومن ثم، يحتاج ترمب إلى أي إنجاز يستطيع تسويقه للرأي العام الأمريكي، حتى لو كان إنجازاً محدوداً أو مؤقتاً، مثل وقف الحرب في السودان والنجاح في التوسط للتوصل إلى هدنة لمدة تسعين يوماً.
وبالطبع، فإننا نرحب بوقف الحرب وبأي هدنة تتيح للشعب السوداني التقاط أنفاسه، وتخفف من معاناته المستمرة. لكن الترحيب بوقف الحرب لا ينبغي أن يحول دون التساؤل عن الدوافع الحقيقية وراء هذه التصريحات، وعن المصالح السياسية والإقليمية التي تقف خلفها.
ويبدو أن بعض القوى الإقليمية سعت إلى التوسط بين قيادة الجيش، الخاضعة لنفوذ الحركة الإسلامية، والإدارة الأمريكية، وأن تصريحات البرهان الأخيرة قد تشير إلى إحراز تقدم في هذا المسعى.
ومع ذلك، لا أعتقد أننا على أعتاب وقف حقيقي ومستدام للحرب. فقد لا تتجاوز هذه التصريحات حدود تقديم خدمة سياسية لإدارة ترمب، تمنحها فرصة لتسويق إنجاز دبلوماسي أمام الناخب الأمريكي، دون أن تعني بالضرورة وجود إرادة حقيقية لإنهاء الحرب لدى الأطراف المستفيدة من استمرارها.
فالحركة الإسلامية لم تعد مجرد تنظيم سياسي يمكن التحكم في قراراته من مركز واحد، بل تحولت إلى شبكة مترهلة ومتعددة المصالح، تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية. وهذا التشابك يجعل إخضاعها لتسوية واحدة أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً إذا تعارض السلام مع مصالح بعض مراكز القوة والنفوذ داخلها.
ولهذا، فإن العبرة ليست في تصريحات البرهان عن الاستعداد للتفاوض، بل في مدى استعداد القوى المتحكمة في قرار الحرب لتقديم تنازلات حقيقية تنهيها. أما الهدنة التي تُستخدم لتحقيق مكاسب انتخابية أو لإعادة ترتيب الأوراق السياسية والعسكرية، فقد لا تكون سوى استراحة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الحرب، بينما يظل الشعب السوداني وحده من يدفع الثمن.
طلعت محمد الطيب
