البرهان يستجدي أميركا ويهددها

نزار عثمان السمندل

تبدو رسالة عبد الفتاح البرهان إلى واشنطن، كأنها محاولة لطرق باب قوّة يعرف أنها تمسك بمفاتيح العواصف.
مقال الرأي الذي نشرته له “وول ستريت جورنال”، الثلاثاء، توجّه فيه إلى عاصمة العالم بلهجةٍ يُسمَع في مطلعها الرجاء؛ وفي مقطعها الأخير التحذير: أمنحوني فرصة لإنقاذ الدولة من الحريق، واخلعوا عن كتفيّ عبء الميليشيا التي صادرت قلب العاصمة.

كأنّه يقول بوضوح، إن الخرطوم لن تُنقذ نفسها ما لم تمتدّ اليد الأميركية من وراء الأطلسي.
يلمّح تارة إلى استعداده لفتح أبواب التطبيع، وتارة يرفع أمام البيت الأبيض خريطة الأخطار التي تتسلل من الصحراء والبحر، خشيةَ أن يظن أحدٌ أنّ الحرب محصورة بحدود السودان.

تسكن رسالته مفارقة نافرة: قائدٌ يطلب العون، لكنه يذكّر حلفاءه المحتملين بأنّ تجاهل نيرانه قد يفتح أبواباً لا يملكون رفاهية إغلاقها لاحقاً. يعرض نفسه كحاجزٍ أخير قبل انهيارٍ شامل، وكصوتٍ يُصرّ على أنّ الدولة تُقاتل للبقاء، بينما الميليشيا تُقاتل لتوسيع الخراب.
يتحدث عن تركيبة الحرب كمن يروي جريمة مع سبق الإصرار: مليشيا الدعم السريع خرجت من العتمة، التفّت حول الخرطوم، ثم ضربت قلب الدولة من الداخل.
يصف اللحظة الأولى وكأنها لحظة سقوط البرق من سماء غادرة، ويصرّ على أنّ الشرارة لم تكن خلافاً داخل الصف العسكري، بل انقلاباً مسلحاً على فكرة الدولة ذاتها.
في مواجهة هذا المشهد، يمدّ البرهان يده إلى واشنطن، ويمنحها ما يظنّه الأرض الصلبة التي تفتش عنها: شراكة أمنية، استقرار للبحر الأحمر، وعودة السودان إلى الدور الإقليمي الإيجابي الذي يتحدث عنه بوصفه وعداً مؤجلاً لا يزال ممكناً.
يعيد التذكير باتفاقات أبراهام، كأنّه يريد القول إنّ الخرطوم اختبرت باب المستقبل، تحت قيادته، قبل أن تغرق في الدخان. وإنه وحده قادر على إعادة فتحه حين تتوقف المدافع.

غير أنّ النصّ لا يكتفي بالعرض السياسي؛ إنّه يُضمّن رسائل أخرى، لا تحتاج إلى تفسير مستفيض. أشبه بالفتنة التي قيل إنها أشدّ من القتل. يشير إلى استهداف موكب أميركي وإلى مقتل حارس في السفارة، ليضع القارئ الأميركي أمام سؤال مباشر: أي مستقبل ينتظر المصالح الأميركية إذا تُرك السودان وحيداً في مهبّ الريح؟

يتناسى جرائم الكيزان وسيطرتهم الحالية على مجريات الأحداث؛ ويوحي بأنّ الميليشيا وصلت إلى مرحلة من الانفلات تجعلها غير قابلة للضبط، وأنّ ترك الحرب تتمدّد سيحوّل المنطقة إلى ممرّ مفتوح للفوضى. كأنّه يذكّر واشنطن بأنّ الخطر الذي لا يُطوّق في الخرطوم قد يفيض في اتجاهاتٍ لا يمكن التنبؤ بها.

وسط هذا المشهد المشحون، يقدّم البرهان نفسه بوصفه رجل المرحلة. لا يطلب من العالم أن يختار بينه وبين خصومه، بل بين نموذجين: دولة تحاول شقّ طريقها نحو انتقال سياسي حين تنطفئ المدافع (انظر من يتكلم)، وميليشيا تستمد حياتها من استمرار النزيف.

ينهي مقاله الإعلاني، مدفوع الأجر، بلغة تريد أن تبدو فلسفية: “الحقيقة وحدها أساس السلام”. والحقيقة – كما يراها – أن السودان واقف على بوابة خيارين: تعافٍ طويل يفتح باب السياسة، أو سقوط حرّ نحو فوضى إقليمية تتخطى حدود الخرطوم.

هكذا يكتب البرهان، كمن يريد أن يذكّر أميركا بأن الزمن ليس في صالح أحد. يضع الخرطوم على الطاولة، ويهمس للأقوى: التردد رفاهية قاتلة.

لكن خلف هذا الهدير، يطلّ سؤال آخر أكثر إرباكاً: هل يستطيع القفز من سفينة الكيزان الغارقة؟ قد يجرفونه إلى القاع قبل أن تقترب يد النجاة الأميركية. وإن نجا منهم، فمن ينقذه من غضب الثوار الذين ينتظرون لحظة انطفاء النار ليعيدوا فتح دفاترهم القديمة… تلك الدفاتر التي تتربص به وبكل من شارك الدولة العميقة مائدتها الطويلة؟

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …